إلى متى يستمر الاستثناء الإسرائيلي؟!

بقلم: ماجد كيالي

تبدو إسرائيل استثناءً بين دول العالم. المشكلة أنها ليست هي التي تنظر إلى نفسها على هذا النحو فقط، فالعالم دأب على معاملتها على هذا الأساس أيضا!
وإذا غضضنا النظر عن ظروف قيامها الاستثنائية (الهجرة والقوة والدعم الدولي)، فإن إسرائيل التي تحتل أراضي الآخرين، منذ العام 1967، تصرّ على حقها بالاحتلال، حتى أن وزير خارجيتها سيلفان شالوم يعتبر أراضي الضفة الغربية المحتلة جزءا من الوطن لا يجوز الانسحاب منه! اللافت أن إسرائيل هذه هي الوحيدة بين دول العالم التي لازالت تتهرّب من تعريف أو تحديد حدودها الجغرافية؛ والأنكى أن "حدودها" البشرية، أيضا، تخترق حقوق المواطنة في كثير من دول العالم، التي تتواجد فيها جماعات تدين باليهودية! وبرغم من تجلي إسرائيل على شكل دولة استعمارية وعنصرية ودينية، في الوقت عينه، إلا أن التعامل معها ظل يجري باعتبارها دولة ديمقراطية وحداثية! وبرغم من كونها محتلة وقوية ومتغطرسة وتمارس السيطرة على شعب أخر، فإنه يتم التعامل معها باعتبارها دولة مستهدفة وضعيفة وتدافع عن ذاتها، بل إنها باتت ضحية لمقاومة الشعب الذي تحتله وتصادر أرضه وحقوقه!
ويتجلى هذا الاستثناء في مفارقات عديدة دأبت إسرائيل على ترسيخها في الواقع الثقافي والسياسي الدولي، أهمها:
أولا، تعريفها ذاتها باعتبارها دولة يهودية وديمقراطية؛ مع اعتراف الغرب بها كواحة للديمقراطية في الشرق الأوسط. ومع اعترافنا بتميز النظام الإسرائيلي بالقياس لنظم المنطقة، فإن هذا التعريف ينطوي على تناقض، إذ لا يمكن أن تكون دولة ما ديمقراطية وهي تفتقد لعنصر المساواة بين مواطنيها؛ حيث أن غير اليهود لا يتمتعون بحقوق اليهود فيها. وإسرائيل هي الدولة الوحيدة التي لا تتطابق فيها حدود الهوية مع حدود المواطنة، بقدر ارتباطها بحدود الدين، الذي تحول إلى قومية! وهكذا فالعربي من مواطنيها لا يتمتع بحقوق اليهودي، سواء كان من مواطنيها أم لم يكن! على ذلك فالديمقراطية الإسرائيلية هي ديمقراطية تمييزية، عنصرية، باعتبار أنها تنطبق عمليا على مجتمع المستوطنين اليهود، فقط، لأنها تميّز بين سكانها على أساس من الدين و"القومية".
ثانياً، دأبها على انتزاع اعتراف العالم بواقع كونها دولة يهودية، بدعوى أن "اليهودية" بالنسبة لها تحمل مضامين هوية ثقافية وقومية! والواقع فإن تاريخ تطور الشعوب لم يعرف قومية أو أمة قامت على الانتماء الديني، ولو عمل العالم على أساس ذلك لتغيرت خارطته الجغرافية والسياسية، بحسب الخارطة الدينية، بكل ما لذلك من تداخلات وتداعيات، ولتحولت الأمم الحديثة المتآلفة من اثنيات وطوائف وقوميات إلى أمم طوائف!
ثالثاً، محاولاتها التغطية على طبيعتها كدولة دينية ـ يهودية بالادعاء بأنها دولة علمانية، أيضا، في محاولة للمراوغة في اتجاهين: داخلي، ويشمل استقطاب يهود العالم باتجاهاتهم العلمانية والدينية؛ وخارجي، باعتبار ذاتها جزءا من المنظومة الحضارية الغربية ـ العلمانية في هذه المنطقة. ولكن مشكلة إسرائيل أنها لا تستطيع التغطية على واقع كونها دولة دينية، يتمتع "الاصوليون" فيها بنوع من "الفيتو"، لاسيما في شؤون الأحوال المدنية، كما يتمتعون بنفوذ كبير، في ميزان المفاضلة بين قيمة الديني والدنيوي، في مختلف المجالات. وفوق ذلك فإن إسرائيل ذاتها قامت على أساس الأسطورة الدينية اليهودية (أرض الميعاد)، وعلى اعتبار أن المعيار الديني هو مرتكز الهوية والقومية. ولا شك أن إسرائيل تواجه مأزقا على هذا الصعيد بواقع ازدياد نفوذ الأحزاب الدينية في الحياة السياسية والاجتماعية في إسرائيل، وفي ظل الميل العالمي للحد من نفوذ الدين في السياسة، ونقله من مجالات الحياة العامة إلى الخاصة. وبالتأكيد فإن الحديث في العالم عن مخاطر انتشار التيارات الأصولية المتطرفة، لم يعد يقتصر على معتنقي الديانة الإسلامية أو المسيحية وإنما بات يشمل أيضا الأصوليين اليهود الذين يزداد خطرهم في إسرائيل، كما يزداد عبرها تهديدهم للاستقرار في المنطقة.
رابعاً، حرصها على ضمان تفوقها في المجال العسكري واحتكارها التسلح النووي في المنطقة. وتدّعي إسرائيل أنها دولة صغيرة في محيط معادٍ لها ويستهدف وجودها. المعروف أن إسرائيل تخصّص حوالي عشرة مليارات من الدولارات لنفقات الدفاع (بنسبة 16 بالمئة من الموازنة الحكومية و10 بالمئة من الناتج السنوي المحلي)، في حين أنها تطالب بالحدّ من قدرات الدول العربية في مجال التسلح؛ علما أن مخصصات الدفاع في الدول العربية، المجاورة لها لا تتجاوز 7.6 مليار دولار! وبينما تطالب إسرائيل بمنع تواجد أي نوع من أسلحة الدمار الشامل، في الشرق الأوسط (وفي مجمل العالم الإسلامي)، مهما كان حجمه أو قدراته، تبرّر هي لنفسها امتلاك أكثر من 200 قنبلة نووية، إضافة إلى الأسلحة الكيماوية والبيولوجية! الواضح أن إسرائيل وهي تدعي أنها تدافع عن وجودها تهدد الدول العربية باحتلالاتها، وباحتكارها السلاح النووي، وبسياساتها العدوانية ضد الدول العربية، كما تهدد الاستقرار العالمي.
خامساً، اعتبار ذاتها دولة ليهود العالم، مع ضمان حقها في تهجيرهم إليها، باعتبارها إياهم جزءا من الشعب اليهودي خاصتها! وقد هاجر إلى إسرائيل منذ قيامها 3 مليون يهودي، بتأثير الدعاية الصهيونية، وبضغط من الأوضاع السياسية أو الاقتصادية التي كانوا يعانون منها في أوطانهم الأصلية. وهكذا أباحت إسرائيل لذاتها التدخل في شؤون الدول الأخرى، ونصبت نفسها محامياً أو وصياً على الطوائف اليهودية في دول العالم، بدعوى أنها مركز اليهودية، وبأنها الملاذ الآمن ليهود العالم. الثابت أن ادعاءات إسرائيل هذه أحرجت الطوائف اليهودية في العالم، وخلقت لديهم شعورا من الانتماء المزدوج، وفاقم من ذلك ظهور إسرائيل، التي تعتبر نفسها ممثلة لمصالح اليهود، بمظهر الدولة الاستعمارية العنصرية، ما أجج من المشاعر المعادية لليهود، لدى الرأي العام العالمي، في وقت غدت فيه إسرائيل مكانا خطرا بالنسبة لليهود في العالم!
سادسا، تغطيتها احتلالها للأراضي الفلسطينية والسورية بالاعتبارات الأمنية، وبدعوى حماية وجودها. وهكذا فإن إسرائيل وبرغم احتلالها لأراض عربية، ومقاومة السكان الأصليين لها طوال عقود من الزمن، تصر على الاحتفاظ بالأراضي المحتلة، بدعوى الحفاظ على أمنها؛ بمعنى أنها تبرر استعمارها! وحتى أن المجتمع الدولي، برغم كل ذلك، ظل يتعامل مع هذه الدولة ويتقبلها، ولم يصدر عنه أي قرار يلزمها بالانسحاب من هذه الأراضي، وفقا للباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
في الواقع لا يعود الفضل في ترويج وترسيخ هذا الاستثناء لقدرات إسرائيل وحدها، فقد ساعد على ذلك عوامل متعددة، أهمها:
1ـ اعتبار الدول الغربية الكبرى لهذه الدولة المصطنعة، طوال فترة من الزمن ولاسيما في حقبة الحرب الباردة، امتدادا سياسيا لها في هذه المنطقة؛
2ـ عقدة التعويض لدى الغرب عن حقبة الاضطهاد الديني لليهود في بعض بقاع أوروبا، في النصف الأول من القرن العشرين؛
3 ـ تخلف الأوضاع العربية السياسية والثقافية، وبالتالي تخلّف إدارة الصراع مع إسرائيل على صعيد الرأي العام العالمي.
السؤال الذي يطرح نفسها الآن، وفي ظل التحولات والتطورات السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم: إلى متى سيستمر استثناء إسرائيل من المعايير الدولية؟ أو إلى متى ستبقى إسرائيل تفرض إستثنائيتها على العالم على رغم كل التطورات الحاصلة فيه؟ ماجد كيالي