إلى السيد مسعود البارزاني... لم الدنية في حقوقنا؟

يبدو أن العراق حاليا يعاني من رئيس وزراء ونظام كل همه التشبث بالسلطة بأي وسيلة كانت حتى لو دعى الأمر إلى وضع العراق كله على كف عفريت وجعله يقف على مفترق طرق ومصير مجهول. فالأزمة الحالية بين الإقليم والمركز أزمة مفتعلة بكل المقاييس ولا يوجد لها سبب إلا التستر على الفشل الذي يعاني منه المالكي في إدارة حكومته خصوصا بعد فضيحة إلغاء البطاقة التموينية ثم العدول عنه وفضيحة الرشى التي رافقت صفقة الأسلحة الروسية للعراق. ومن هنا فإننا أمام شخصية سياسية فريدة من نوعها لا تنطبق عليها المواصفات التي تنطبق على رجل الدولة بقدر ما تنطبق عليها مواصفات زعيم شلة وعليه فمن الواجب التعامل معه وفق هذا المنطلق.

كل المؤشرات والقرائن تشير إلى أن المالكي غير قادر على الذهاب بعيدا في خط المواجهة بينه وبين الإقليم والذي فتحه مؤخرا فيما يخص بإدارة الملف الأمني للمناطق المستقطعة من إقليم كردستان وتشكيل قوات دجلة. فبالرغم من الضجيج الإعلامي والحركات البهلوانية التي يظهرها حاليا فهي لا تعدو أكثر من زوبعة في فنجان يتوجب على الإقليم عدم الاكتراث لها والوقوف بصلابة وحزم ضد هذه الدونكيشوتيات وعدم الانجرار لإيجاد حلول توافقية هذه المرة خصوصا وان كل القوى الكردستانية مجتمعة على موقف حكومة الإقليم في التصدي لهذه العنتريات.

فضعف الموقف السياسي المالكي حاليا والموقف الإيراني المتسم بالصمت حيال الأزمة والرافض لتشتيت تركيز الجهد الإيراني خارج الجبهة السورية الحالية، وكذلك الرفض القاطع لأميركا حيال أي حماقة مالكية تجاه كردستان، إضافة إلى الوضع العسكري الضعيف لمليشياته، كل هذه النقاط تظهر جليا أن المالكي قد وضع في موقف حرج وهو يبحث الآن عن حلول أخرى للخروج من المأزق الحالي. على هذا الأساس يجب على إقليم كردستان بدلا من البحث عن حلول سلمية لهذه الأزمة أن يستغل ضعف الموقف السياسي للمالكي ويصر على الحقوق المشروعة للكرد دون الدخول في مساومات سياسية للتوصل إلى حلول للخروج من الوضع الحالي وكسب نقاط جديدة على ارض الواقع بدلا من إضاعة الوقت في مفاوضات لإنهاء الوضع الحالي ونحن على يقين بان المالكي سوف يرضخ في النهاية لأي حل حتى لو كان على حساب أولوياته.

قبول حكومة الإقليم بالحلول الترقيعية والتوافقية هذه المرة يعتبر بمثابة انتحار حقيقي سيدفع فيه الإقليم ثمنا باهظا مستقبلا، فالتجارب السابقة مع المالكي تبين انه نجح بتصفية وزارة الدفاع والداخلية من ألعناصر الكردية والسنية العربية بحيث أصبحت كلتا الوزارتين مقتصرة على مكون مذهبي وسياسي واحد يشرف عليها ويديرها أشخاص تابعين للمالكي سياسيا ومذهبيا... وحتى الضباط ذوي الرتب الصغيرة من الكرد يتم نقلهم حاليا إلى المناطق الجنوبية والوسطى، علاوة على أن تصريحات القادة العسكريين الكرد في بغداد لا تحتاج إلى الكثير من العناء لتوضح أن كل الأمور تسير في وزارة الدفاع والداخلية بعيدا عن أعينهم واعين الضباط العرب السنة. لذا لا يمكن الوثوق بإدارة مشتركة للمناطق المستقطعة لا حاليا ولا مستقبلا وهذا الخيار يجب أن يرفض وبشدة من قبل الإقليم.

إن إنشاء قيادة عمليات دجلة والتوجه العسكري هذا يفتح الباب واسعا لأي رئيس وزراء عراقي مستقبلا للتعامل وفق السياق المسلح نفسه مع الطرف الكردي في أي مشكلة بدل الحوار والحلول السياسية، ولهذا يجب وئد هذا التوجه وهو في المهد والقضاء على الفكر العسكري المقيت الذي وضعه المالكي، وعليه فان الإقليم ملزم بتوجيه ضربة عسكرية قاصمة لهذه القوات قبل أن تصبح واقعا في الوضع العراقي يصعب السيطرة عليه مستقبلا لإنهاء "بدعة" يحاول المالكي ابتداعها في أسس العلاقة بين الإقليم والمركز. وتوجيه مثل هكذا ضربة لمليشيات المالكي لن تكون نتيجتها إلا اندحارا لمليشيات المالكي مما سيعزز الموقف العسكري والسياسي للإقليم أكثر ما كان عليه ويرسخ الواقع الديمقراطي بشكل أفضل لكل العراق.

ونستطيع أيجاز الخطوات التي ينبغي على الإقليم إتباعها بالنقاط التالية:

1- عدم الاكتراث لتهديدات المالكي الجوفاء ولا بالوساطات التي تظهر من هنا وهناك لحل الأزمة سلميا بل عليهم الإصرار على موقف حازم من رفض تواجد أية قوة مركزية في هذه المناطق، ومحاولة إحياء تطبيق المادة 140 والتي أصبحت شيئا من الماضي وبعث الروح فيه، كذلك الإصرار على إلغاء تشكيل قوة دجلة أو أي قوة أخرى تشكل خطرا على الإقليم وعلى السلم الأهلي في المناطق المستقطعة.

2- عدم الاكتراث بالضغوطات الأميركية والتي تتحرك باتجاه إيجاد حلول توفيقية للازمة الحالية وهذه الضغوطات لا تعني مطلقا الرضوخ لها باعتبار أن الإدارة الأميركية ليست وصية على الشأن الكردي وليس لديها الحق في الضغط في الملفات التي تمس صميم الحقوق الكردية. وقبول المالكي بحلول وسط لا يعني إن على الجانب الكردي القبول بها أيضا وإلا فسوف تكون هناك مستقبلا الكثير من الأزمات المفتعلة في أمور اخطر ويكون الإقليم مطالبا حينها بالقبول بحلول وسط فيها مما قد يسبب في فقدان الكثير من المكتسبات الكردية الواحدة تلو الأخرى.

3- حدوث قتال بين البيشمركة ومليشيات المالكي الشيعية لا تعني نهاية العالم خصوصا إذا ما عرفنا أن القوات المالكية تفتقر إلى كل ما يمكن أن نسميها بمقومات النصر في أي معركة. وان تحديد الموقف العسكري بين ميليشيات المالكي والبيشمركة وإلحاق هزيمة بهذه الميليشيات المالكية سوف يكون في صالح تثبيت المواقف السياسية في العراق بين المركز والإقليم. ولذلك فان على الإقليم عدم الوقوف ضد نشوب قتال بينه وبين المركز لان هذه المعركة إن لم تتم الآن فستحصل مستقبلا بكل تأكيد ويمكن أن يكون المركز حينها أقوى من الآن.

4- الإصرار على وجود قوات أميركية في المناطق الفاصلة بين المناطق المستقطعة والمناطق العربية، وأؤكد هنا "بين المناطق المستقطعة وبين المناطق العربية" وليس في المناطق المستقطعة نفسها. وإذا استطاعت حكومة المالكي وبضغوط إيرانية أن تتنصل من هذه النقطة بحجج ومبررات واهية فإنها قطعا لن تتمكن من التنصل عن وجود قوات للأمم المتحدة في هذه المناطق للفصل بين القوتين المسلحتين باعتبار أن العراق لا يزال تحت طائلة البند السابع الذي يخول الأمم المتحدة إمكانية الانتشار في أي منطقة من مناطق التوتر في العراق.

5- بالتزامن مع الأزمة الحالية يجب على حكومة الإقليم الاستمرار في تحشيد الأصوات الداعية لسحب الثقة عن حكومة المالكي خصوصا وان الرئيس الطالباني متفق هذه المرة تماما مع فكرة سحب الثقة هذه ولا أتصور أن إيران سوف تقف بالضد من هذا التوجه مثلما حصل في المرة السابقة باعتبار أن المالكي أصبح عبا ثقيلا عليها ولها بدلاء كثيرون في الساحة الشيعية.

موقف المالكي الآن ورغم كل الضجيج الإعلامي الذي يحاول من خلاله أن يظهر نفسه في موقع الرجل القوي يبدو انه الآن يعيش اضعف أوقاته على مر سنين حكمه، وما القرارات التي اتخذها في الآونة الأخيرة بمنع المركبات التي تحمل أرقام إقليم كردستان من الدخول إلى بغداد العاصمة إلا دليل على تخبطه وضعف موقفه السياسي والموقف الحرج الذي ادخل نفسه فيه، وعلى إقليم كردستان أن يستغل ضعفه هذا ويذهب معه هذه المرة إلى آخر الأزمة الأخيرة ومن المؤكد انه سيرضخ صاغرا إلى منطق العقل الذي يقول بأننا كلنا شركاء في هذه الدولة ولا يمكن لأي شخص أن يحكم العراق بمفرده وسيعي حقيقة وجود إقليم كردستان والذي يمثل النقطة المضيئة الوحيدة في الواقع العراقي الحالي.

انس محمود الشيخ مظهر

كردستان العراق – دهوك

Portalin2005@yahoo.com