إلى إشعار آخر: المواطن العربي في مواجهة جلاديه

الضحية والجلاد وجها لوجه..

أعاد مخرج العرض المسرحي "إلى إشعار آخر" تأثيث المكان المسرحي (الخشبة) لينسل من خلالها إلى رؤيا مسرحية تعيد صياغة الفضاء المسرحي إلى أبعاد لامتناهية وفي ذات الوقت تجعل من المتلقي عنصرا رئيسا فيه، لتفعيل محتوى عملية الاتصال والتفاعل الدرامي وبعدها العلائقي معه.

وفي رؤيته الدرامية للعرض المأخوذ عن نص الدكتور عبدالكريم السوداني، حاول مخلد الزيودي إعادة تشكيل المسرح من خلال استحداث خشبة إضافية تمتد كتشكيل معماري جديد حيث حيز الجمهور، محاولا الاقتراب من مذهبي تكعيبية السينوغرافيا ورمزيتها الاحالية في آن، لتشكل محمولات درامية تتسق مع الرؤية الشمولية للفضاء المسرحي واحداث العرض.

العرض يبدأ بمؤثرات صوتية مختلفة (ريح وصهيل الخيل وصفارة القطار وطائرات وانفجارات)، تصاحبها خلفية موسيقية الفها الفنان نصر الزعبي لترانيم عزف شفيف للعود تنبعث في ظلمة المشهد التي يشقها دخول شخصيتي اللصين اللتين جسدهما محمد خابور ومحمد ابو غزلة بمعطفيهما مرتدين نظارتين سوداويتين وهما ينفثان دخان سيجارتيهما ليقفا على جهتي الامتداد المستحدث للخشبة، حيث تسلط عليهما إضاءة علوية بيضاء لتعلن عن هوية متداخلة لهما راوحت بين تلك الفئة التي تسرق احلام الشعب، وتحتمي بنفوذ خفي.

ويأتي عنصر الاضاءة والتعتيم الذي نفذه محمد المراشدة موزعا بتغيراته ومتسقا مع سياق مشاهد العرض واحداثه مضفيا بعدا جماليا مكملا لفضائه حيث حملت الاضاءة مدلولاتها وابعادها وجاءت كتوظيف مطلق لأسلوب عرض الصور الدرامية الصادمة تارة والشاذة تارة والرومانسية تارة والحزينة تارة اخرى، فيما حجبت مقاعد الجمهور التي احتلت الخشبة الاصلية الاضاءة السفلية الزرقاء المتموضعة على يمين الخشبة ذاتها، وهو ما طرح تساؤل جدوى وجودها.

مشهدية ظهور الفنان المتميز محمد الابراهيمي الذي قام بإعداد النص، تجلت فيها الصورة الجمالية للسينوغرافيا بمختلف ابعادها ما اوجد توازنا مسرحيا مميزا، حيث يدخل من خلفية خشبة المسرح الاصلية عابرا لستائر سوداء ينبعث من عمقها ضوءا مثل كوة لا متناهية للامكان لازمها إنبعاث دخان ابيض شفيف.

العرض الذي كاد ان يكون عرضا مونودراميا (حمل عبئه الابراهيمي) جاء محملا بإسقاطات اجتماعية وسياسية معبرا عن إرهاصات المواطن العربي في مواجهة واقعه الموغل في التهميش وغياب الحقوق المنتهكة من قبل فئة فاسدة استطاعت ان تتشكل بصور مختلفة وتختفي وراء شخصيات ووجوه متعددة.

واستطاع الزيودي ضمن رؤيته الاخراجية بتحقيق المواءمة الحركية للممثلين من خلال ضبطها كي تتوافق مع الموقف الدرامي النص المنطوق، الذي توزع بين اللهجة المحكية والفصحى التي سقط الخابور وابو غزلة في اخطائها النحوية ورتابة اتكائهما على مفردات شعبية مكررة في عروض سابقة وجاءت غير موفقة وفائضة عن الحاجة.

إلا ان التعبير الجسدي لدى فريق التمثيل باستثناء الفنان الابراهيمي، جاء الى حد ما انفعاليا، فيما عبرت الموسيقى بمختلف تلاوينها عن الموقف الدرامي للحدث واتسقت مع سياق نصه المنطوق، مثلما جاء الشكل الخارجي للممثلين من حيث الملابس متوافقا مع المشاهد التمثيلية والمواقف الدرامية وعبرت عنها بوضوح.