إلى أي حد ينجح السلفيون في الخداع؟

خطابهم يقول: نستعين بالنصارى مثلما استعان الرسول بالمشركين، فعن أي مواطنة يتحدثون؟

هذا التضارب في تصريحات عدد من رموز التيار السلفي، بمناسبة موسم الانتخابات، يكشف عن عدة جوانب خطرة في سياستهم، منها اعتماد الكذب دون تردد على الرأي العام للوصول إلى أهدافهم! فكيف يمكن أن يُصَدِّق أحدٌ كل هذه الأكروبات الدعائية التي لا يربطها أي نسق سوى اعتماد الكذب؟!

يقول أحد زعمائهم الكبار، في مسعاه للتجميل من أجل اقتناص أصوات الأقباط والتيارات والأفراد الذين يتمسكون بالحق الدستوري في حرية الاعتقاد، إنه على استعداد للموت في سبيل الدفاع عن الأقباط! وقبل أن يفيق أحد من غرابة وفجاجة كلام يصطدم مع تاريخهم، يخرج أحدهم ليخاطب هذه المرة قواعدهم الرافضة لمثل هذا الخطاب الدعائي، فيطمئنهم إلى ثباتهم على عهدهم بصريح العبارة، قائلًا إنه لولا القانون لما سمحوا بترشح الأقباط على قوائمهم أو على قوائم أي حزب آخر! ويضيف آخر على نفس الخط بأنهم يستعينون بالنصارى في الانتخابات مثلما استعان الرسول بالمشركين في الهجرة!

أما إذا استنكر بعضُهم وصمَهم بالكذب، فعلينا فقط أن نُذكِّرهم بما نُشر على الرأى العام ولم يصدر عنهم نفي أو تصحيح، بل إنهم لم يكلفوا أنفسهم باحترام الجمهور وإصدار تعليق أو تفسير أو تبرير جاد، وذلك في تسريب شهير بالصوت والصورة لواحد من رموزهم الكبار وهو يخاطب جماعة من كوادرهم وقواعدهم والحادبين عليهم، في أعقاب مشاركته في الدستور الإخواني الكارثي الذي ثار الشعب عليه بعد ذلك وأصر على إلغائه، وهو يتباهي بأنه تمكن أثناء مشاركته في أعمال لجنة هذا الدستور من تمرير بعض الاقتراحات والصياغات التي لا يفهمها الليبراليون والعلمانيون والنصارى، بل إن منها ما مرّ على ممثلي الأزهر، وأنه بذلك نجح في وضع مادة تتيح لهم التخلص من شيخ الأزهر بعزله من منصبه بتحديد سن التقاعد! وقال بكل فخر إن هذا الدستور (يقصد الدستور الإخوانى) يتضمن قيودًا غير مسبوقة في دستور مصري عبر التاريخ فيما يخصّ وضع مادة حاكمة للحقوق والحريات، التي تنص على أن ممارستها تلتزم بما لا يخالف المقومات الأساسية للمجتمع، وإن هذه المقومات تشمل الشريعة الإسلامية والقرآن والسنة.

وأسرّ القطب المهيب إلى مستمعيه، في هذا الشريط الذى تسرب عن اللقاء، بقوله: "إحنا مش عايزين الإعلام ياخد باله من بعض هذه المواد"!

وأضاف مزهوًا بدهائه بأنهم أعلنوا أنه لن يتم رقابة على الصحف قبل النشر، ثم استدرك بأنه سيتم وضع عقوبات بالحبس في جرائم النشر، وطالب جمهوره بالصبر على تحقيق هذه الخطوة نحو 10 إلى 15 عامًا، كما قال مفسرًا: "علشان ما نهيجش العالم علينا لما نعمل جرائم للنشر"!

واستمرارًا لتمسكهم بهذا الخط، فإنهم في مشاركتهم الثانية بعد 30 يونيو في اللجنة الخاصة بإجراء التعديلات على دستور الإخوان، أصروا على ذات النهج الرافض للآخر، إلى حد وضع الدستور في تناقض بين إقراره بأن حق الاعتقاد مطلق، وبين قصر حرية ممارسة الشعائر وبناء دور العبادة على أصحاب الديانات السماوية، أي إصرارهم على إخلاء الأفق ممن لا يقبله فهمُهم الخاص للإسلام!

وكما أن فى هذا إخلالًا بحقوق دستورية لبعض المواطنين، فإنه لا يعترف للسياح العابرين والأجانب المقيمين بحقوق أساسية تدخل ضمن الحقوق غير القابلة للتصرف وفق قواعد حقوق الإنسان التي صَدَّقت عليها مصر وصارت واجبة الاتباع، كما أصبح لها الأولوية على التشريعات الوطنية.

موقف بعض رجال الأزهر واضح فيما يتعلق بهذه المخاطر على مؤسستهم، ويقولون صراحة إن هؤلاء السلفيين يحاولون محو دور الأزهر تمهيدًا لنشر أفكارهم التي فيها التشدد والعنف الفكري ورفع السلاح.

وبهذا تنجلى الخطورة الكبرى التي يهدد بها أصحاب الصوت المرتفع في التيار السلفى، في ممارستهم العملية، وهي أنهم يبنون أفكارًا تعادي الحضارة الحديثة، خاصة فيما توصلت إليه من قواعد تقي المجتمع من أسباب الصراعات الدموية التي دفعت فيها البشرية غاليًا عبر تطورها، وذلك لتشبثهم بتأويلات قديمة خارج حقائق زماننا، وإصرارهم على فرض أفكارهم وممارستها ضد المجتمع كله! والخطر الأكبر، بعد الكذب الصراح، هو تسويغ استخدام العنف لبلوغ غاياتهم! حتى أنهم لم يجدوا أنفسهم مضطرين لإعلان إدانة واضحة مبررة ضد القتل الهمجى الذي يقترفه داعش والذي وصل إلى أرض الوطن! بل صدر منهم كلام غريب عن صحة الأصول الشرعية التي تسمح بسبي نساء "الأعداء"، والمتاجرة بهن في سوق النخاسة! بل إن واحدًا من منظريهم أفتى، لحل المشاكل الاقتصادية التي تعانى منها البلاد، أنه تجوز المبادرة بشن حروب على الدول الكافرة، وسبي نسائهن وبيعهن رقيقًا وتمويل بيت المال من العائد الذي يتوقع أن يكون سخيًا، مع فضل خير فى توزيع الباقيات على المؤمنين المشاركين في غزوات السبي في القرن الواحد والعشرين!

وأما درة الأهداف التي يرونها الهدف الكبير الذي يمكنهم تحقيقه عند دخولهم البرلمان، كما جاءت في التسجيل المذكور، فهي وضع قانون الحسبة، أو كما قال قائلهم "يبقى إحنا وصلنا كده لما نريد"!

أحمد عبد التواب

كاتب مصري