.. إلاَّ سوريا!

بقلم: جواد البشيتي

.. إلاَّ سوريا، فلا تقربوها؛ ولسوف يُثْبِت نظام الحكم فيها أنَّه الصخرة الصلبة التي تتحطَّم عليها "الرِّيح المندسة" في رياح التغيير التي تعصف بالمنطقة العربية؛ فإنَّ المتوفِّرين على إحياء "الشرق الأوسط الجديد"، وفي مقدَّمهم الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في الاتحاد الأوروبي، لن يتمكَّنوا أبداً من دسِّ سمهم في عسل الثورات العربية التي لها من الحيثيات ما ينبغي له أنْ يُقْنِع الشعب السوري بانتفاء الحاجة لديه إلى تقليد ومحاكاة أشقائه.

وذات مرَّة، أخبر الأسد الأب وفداً إعلامياً غربياً زاره، وحادثه في أمْر الديمقراطية، ولجهة أهمية وضرورة شَمْل سوريا بقيمها ومبادئها العالمية، أنَّ ما ينعم به الغرب من ديمقراطية لا يعدو كونه غيضاً من الفيض الديمقراطي في سوريا؛ فَلِمَ لا يتَّخِذ هذا الغرب من سوريا هذه "مثلاً ديمقراطياً أعلى"؟!

أمَّا الأسد الابن، والذي لم يأتِ إلاَّ بما يقيم الدليل على أنَّه الشبل من ذاك الأسد، فسعى في إقناع شعبه بأنَّ شقيقه الشعب المصري مُحِقٌّ في أنْ يثور على نظام حكم حسني مبارك، وفي أن يسقطه؛ لأنَّ نظام الحكم هذا يمثِّل "الرَّذيلة القومية" المسمَّاة "كامب ديفيد"؛ وإنَّ أمْر الانتماء إلى "كامب ديفيد" لو تعلمون عظيم!

وإنِّي، بعد ذلك، لأتساءل في دهشة واستغراب قائلاً: لِمَ يثور الشعب السوري وهو الذي لديه ما لديه من "فيوض الديمقراطية"، ومن "فيوض الفضيلة القومية"، وأهمها فضيلة معاداة "كامب ديفيد" وأشباهه؟!

حتى "قانون الطوارئ"، الذي به يُحْكَم الشعب السوري منذ عشرات السنين، لا بدَّ من الدفاع عنه؛ فثمَّة مُغْرِضون في دعوتهم إلى نشر وإحلال الديمقراطية في سوريا يتعمَّدون إشاعة وتعميم "فَهْمٍ مشوَّهٍ" له؛ فهذا القانون إنَّما هو من "المحظورات (الديمقراطية) التي أباحتها ضرورات (قومية)"، فالأعداء القوميين، وفي مقدَّمهم العدو الإسرائيلي، يتربَّصون بهذه "القلعة القومية" الدوائر، ويكيدون لها، ويسعون في تحطيمها ليبتنوا من حجارتها "الشرق الأوسط الجديد"؛ وربَّما أبْدوا ما أبدوه من عدم اكتراث لسقوط نظام حكم حسني مبارك الممثِّل والحارس لسياسة ونهج "كامب ديفيد" حتى ينجحوا في ذرِّ الرماد في عيون الشعوب العربية، ويَسْهُل عليهم، من ثمَّ، تحطيم "القلعة"، وبناء "الشرق الأوسط الجديد" على أنقاضها، مصوِّرين "الثورة المضادة" التي يهيِّئون لها في سوريا على أنَّها جزء من هذا الكل الثوري العربي؛ لكنَّ سعيهم سيخيب؛ ولن يُفْلِحوا أبداً في دسِّ ريحهم في رياح التغيير التي تعصف بأنظمة الحكم العربية المجاورة لـ "القلعة"، والتي عجزت عن أن تكون شبيهة بنظام الحكم السوري، الذي يُحْكِم قبضة يده اليمنى على "سيف الديمقراطية"، وقبضة يده اليسرى على "ترس القومية"!

وإنَّ نظام الحكم في سوريا، و"الحقُّ" يقال، هو وحده الذي استطاع الإتيان بـ "معجزة" الجَمْع بين ما لا يُجْمَع؛ فلقد جَمَع، وأحسن الجمع، بين "الديمقراطية الخالصة" التي أسبغ نعمتها على شعبه وبين "قانون الطوارئ" الذي يُشْهِره كسيف بتَّار على "الأعداء القوميين"، الذين يكيدون لـ "قلعةٍ"، آيتها العظمى "أُمَّةٌ عربية واحدة ذات رسالة خالدة"!

وإنِّي لأنصح الشعب السوري ألاَّ يكون في وعيه السياسي طفلاً كأولئك الأطفال من درعا الذين أرادوا تقليد ومحاكاة الشباب الثائر في ميدان التحرير، فرسموا على جدارٍ عبارة "الشعب يريد إسقاط النظام"، فما كان من "حُرَّاس النظام" إلاَّ أنْ "أعادوا تربيتهم"، و"إقناعهم" بالتي هي أحسن بأنَّ هذه العبارة غريبة تماماً عن ظرفي "الزمان" و"المكان" في سوريا.

أنصحه أنْ يميِّز، ويُحْسِن التمييز، فالبلاد العربية جميعاً على نوعين، الأوَّل هو سائر البلاد العربية، والثاني هو سوريا؛ وإنَّ الشرعي والطبيعي والصائب والضروري.. في سائر البلاد العربية هو غير شرعي وعير طبيعي وخاطئ وغير ضروري.. في سوريا، التي لا تستطيع، ولو أرادت، أن تكون "ديمقراطية أكثر"؛ لأنَّها "الديمقراطية الخالصة"، كما لا تستطيع (ولو أرادت) أنْ تكون "قومية أكثر"؛ لأنَّها "خلاصة الرُّوح القومية العربية"؛ وليس أدل على ذلك من أنَّها "الواحد القومي العربي" مهما تنوَّع في "الانتماء دون القومي".

وأنصحه أنْ يكون الدِّرع لنظام الحكم السوري ولو في درعا؛ لأنَّ جنين "الشرق الأوسط الجديد اللعين الرجيم" يُرى الآن هناك على هيئة "عصابة وشرذمة من المجرمين" الذين دخلوا المدينة على حين غرَّة، ليقيموا فيها لـ "الشرق الأوسط الجديد" ما يشبه "حصان طروادة"؛ فإذا لم تتسلَّحوا بـ "اليقظة الثورية"، وبـ "قوَّة التمييز" التي بها تميِّزون الغث من السمين، وتَعْرِفون أنْ ليس كل ما يلمع ذهباً، فلا تلوموا إلاَّ أنفسكم إذا ما أُسْقِطت "القلعة" من الداخل، وذُبِحت، من ثمَّ، قوى المقاومة في لبنان وقطاع غزة ذبحاً بالسكِّين الإسرائيلية!

إنَّ الشعب السوري لا يشكو نقصاً في الديمقراطية (ومشتقَّاتها) حتى يحرِّضونه على طلبها؛ وعليه، أي على هذا الشعب، أنْ يعرف الآن، وقبل فوت الأوان، أنَّ الدعوة إلى الديمقراطية في سوريا هي دعوة مُغْرِضة، وكلمة حقِّ يراد بها باطل؛ وهذا الباطل إنَّما هو النيل من الصمود القومي العربي في آخر وأهم قلاعه؛ فإذا سقطت هذه "القلعة"، لا سمح الله، فلن تُبْعَث الأُمَّة، ولن تعود، أو تصبح، أُمَّة واحدة، ذات رسالة خالدة، فاتَّقوا الله يا أهل درعا، اغضبوا، إنْ شئتم، على "المحافِظ"، اطْلبوا الماء والكهرباء، وأشباههما؛ لكن إيَّاكم، ثمَّ إيَّاكم، أنْ تجعلوا أنفسكم دميةً في يد "الطابور الخامس" الذي يتسربل بشعارات ومطالب ديمقراطية وكأنَّكم في فقر ديمقراطي مدقع!

إنْ أردتم اعتصاماً فاعتصموا بتقوى وليِّ أمركم، ولا تعتصموا بالجوامع، أو فيها، فلن تعصمكم منه؛ فالخروج على وليِّ الأمر هو فتنة تغلي مراجلها؛ والفتنة أشدُّ من القتل.

أمَّا إذا أبيتم واستكبرتم، فربَّما نأتي بما ينبغي له أنْ يُقْنِعكم بأنْ لا صوت يعلو صوت المعركة القومية؛ فإنَّ في "الهروب إلى الأمام" منجاة من عذاب داخلي أليم.

جواد البشيتي