إقليم الأنبار: ابتزار ساسة فاشلين ونفر ضال منتفعين

بقلم: د.عمر الكبيسي

رداً على رسالة وجهتها الى محافظ ومجلس محافظة الانبار حول قضية اقليم الأنبار في مواقع اعلامية عديدة وتعقيباً على ندوة شاركت فيها على فضائية البغدادية مع احمد ابو ريشة ورئيس مجلس المحافظة جاسم الحلبوسي التي اعطت للمشاهد انطباعاً واضحاً عن خلفية الدعوة للإقليم ومتبنيها وحالة الإسفاف والاستفزاز واللامبالاة بموضوعة النقاش وسطحية من يروج لهذا المشروع مما ينم عن عدم ادراكهم خطورة ابعاده ونتائجه.

ورد في تعقيب الكاتب السيد صلاح السلمان، في موقع كتابات، افتراضه انني زرت شمال الاكراد واطلعت على انجازات السلطة المحلية وهذا مالم يحدث وانا بالرغم من دعوتي السيد البرزاني والطالباني الشخصية لي بزيارة الإقليم بوقت مبكر بعد الغزو لم ازر الاقليم منذ عام 1990 لغاية اليوم مع اني من اكثر الاطباء تعلقا بالكرد ومتابعة لأحوالهم ومن هذه الخلفية جاء اصرار السيد مام جلال حين اصيب بحالة مرضية طارئة وقبل وصوله إلى عمان ان اكون متابعا لحالته مع علمه باني اختلف معه لكني استجبت لطلبه في حينها لأن القضية مهنية وقضية ثقة مريض بطبيب.

كما افترض الكاتب انني لا ارفض فكرة الاقليم والكونفدرالية من خلال رسالتي وهذا الافتراض ايضا غير صحيح فانا ضد ادارة الاقاليم والفدرلة جملة وتفصيلا وانا من الذين يؤمنون بالعراق الواحد كايمانه بالله الواحد وان العراق ارث مشاع لكل العراقيين لا يمكن لاي سبب من الاسباب ولا لأي مكون او حزب او فرد او مجموعة ان تقرر إزالة هذا الشيوع، اما اللامركزية إن كانت تعني منح الصلاحيات المركزية للمحافظات ضمن الأدارة المركزية القوية الموحدة كما افهمها فهي مشروعة لكن الفرق بينها وبين الاقلمة والفدرلة والتقسيم أمر واضح.

على كل حال ما اردت ان اقول رداً وتعقيبا على ما كتب حول اقليم الآنبار وامكانية ان يكون اقليم وئام ومحبة ووحدة العراق وما اثير من ملاحظات ممكن تضمينه بالعناوين التالية :

1.إن أساليب الإدارة المعروفة في العالم سواء كانت اتحادية فدرالية او كونفدرالية هي اساليب ادارة دويلات أو اقاليم تعيش بحبوبة الاستقرار والنضج والتعددية والديمقراطية وتمتع بدستور متفق عليه واحترام لحقوق الانسان لإحراز خدمات وتنمية افضل لهذه الأقاليم وبالتالي فان هذه الاساليب الادارية هي نتاج انظمة حكم وسلطات ديمقراطية.اما مايحدث في العراق فهو اننا نعيش في ظل سلطة مركزية غير تعددية وغير ديمقراطية وصراع مستفحل بين الشركاء يتسم بالتفرد والأنانية وعدم الإنصاف ناهيك عن فساد اداري ومالي مستشري بين الحاكمين وطائفية مقيته تتحكم بالسلطة ووجود احتلال عسكري متنفذ ونفوذ سياسي اقليمي مخرب وغير بناء، وهكذا اجواء لا يمكن ان تكون الفدرلة نتاج لها او حل لأزماتها فاذا كان المركز منخورا كيف ستكون الأطراف معافاة وسليمة. الفدرالية والأقاليم ليست حلاً لأزمات حكومة مركزية فاسدة سيكون كل ما ينتج عنها فاسداً.

2. ان مجرد المناداة بالأقلمة والفدرلة في ظل احتلال جاء يستهدف وحدة العراق يعد مثلبة سياسية غير وطنية والمعروف ان مشروع بايدن المطروح بشكل رسمي عام 2008 حول تقسيم العراق قد تمت مصادقة مجلس الشيوخ عليه ناهيك عن طبيعة مشروع الشرق الاوسط الجديد الذي كانت اول صفحات تنفيذه هوما اسموه (بعملية تحرير العراق ) الغادرة.

ففي حيت يتطلب ان تتوحد الامة لطرد غزاتها، تنشط هذه الدعوات التقسيمية والأمة في اسوء وضع سياسي يشهده العراق، هل نحن بحاجة الى وحدة صف ودولة قوية موحدة امام هذه التحديات ام اننا بحاجة للعزوف نحو الكونفدرالية ووزارت دفاع وخارجية واقتصاد وامن متعددة الولاء ومتوزعة الصلاحيات وهل من المعقول لأمة عاشت موحدة ان تكون لديها مناطق متنازع عليها؟

أليس لما يحدث في تعرض شمال العراق لمواجهات واختراقات عسكرية إيرانية وعجز حكومة الاقليم عن مواجهتها وما يحدث من صراع على موانئ الخليج العربي بين الكويت والعراق علاقة بما وصلت اليه الحال من تفشي الضعف والتشظي والهوان بوحدة العراق؟

3. المساومة بين الضغط على الحكومة لتحقيق مطالب خدمية او إعلان الإقليم، معادلة يصعب هضمها وقد استخدمت كمبرر وتهديد في اكثر من محافظة بجريرة كون استحداث الإقليم حق دستوري وهذا هو نمط من الابتزاز السياسي والإستخفاف بمشاعر الشعب.

إذ ان الانبار صوتت ضد الدستور بسبب نصوص الإقاليم والفدرالية قبل إقراره، كيف تدرج اليوم في مقدمة المحافظات التي تطالب باستحداث الاقليم بدعوة اشخاص معدودين محسوبين على كتل سياسية طال ما ادعت انها تحمل مشروعاً وطنياً في حين تخلت الاحزاب الطائفية عن هذا المطلب منذ سنين.

تبادل الادوار هذا بين الكتل السياسية يفضح هذه الكتل ومصداقيتها وهو جزء من صراعها على السلطة ونمط من الترويج لمشروع التقسيم الذي يهدف اليه الاحتلال، المواطنة الحقة والوحدة الوطنية لا يجوز المساومة عليها بمطالب خدمية في ظل معاناة شاملة لكل العراقيين وحكومة فاشلة ينخر بها الفساد من شمال العراق الى جنوبه وفق كل معايير ومقاييس العالم المعروفة.

4. تصدت عشائر الانبار ووجهائها ومثقفيها بمؤتمرات وتظاهرات واسعة رافضة الفدرلة والأقليم في حين تشترى ذمم منتفعين من الساسة الحاكمين لا تتجاوز اعدادهم اصابع اليدين لا تجمعهم عقيدة سياسية او وطنية او كفاءة لتبني مشروع إقليم الانبار الا بدوافع المادة والانتفاع والوعود بالمقاولات والعقود.

ترى لو تحقق غدا هذا المشروع، اي وفاق بين الوجهاء والعشائر والكفاءات سيتحقق؟، والله سيتقاتل ابناء هذه المحافظة على الماء والسمك والغاز وحماية الطرق وجباية المنافذ والوضائف والعقود دون ان تبدي الحكومة المركزية اي محاولة للتدخل، ودولة المالكي! أول من ذكر دعاة الاقاليم ببرك الدم مع انه اول من ابتدع مواد الفدرالية والاقاليم في الدستور الذي كان احد مصمميه كما يدعي وحقيقة الامر احد ممري ترجمته!

السيد رئيس مجلس المحافظة في الندوة المشار اليها يبرر طرح المشروع بقوله ان مجلس المحافظة لن يتدخل بفرض الإقليم والقرار سيكون مرهون بنتيجة الاستفتاء وكل الذي فعله المجلس هو اقرار الخطوة الأولى من المشروع، أليست هذه الخطوة تأسيس لفتنة؟ وهو يجمل الفكرة من خلال ذكر اعجابه بشارع وفنادق خمسة نجوم ومستشفيات خلال زيارته الشمال ويتمنى ان يتم ذلك في الانبار، وكأن ذلك معجزة لكنه يتناسى ان الانبار محافظة مقاومة للاحتلال وبيئة صراع بين قوى عديدة منها المقاومة الوطنية والصحوات وقوى التكفير وميليشيات وعصابات اختراق اقليمي متعدد الوجوه لا يأمن محافظها ولا مجلسها على تفقد احوال مدنها بسبب خصوصية ضروفها، كل مسؤوليها ووجهائها وكفاءاتها مستهدفة واحمد ابو ريشة الذي ظهر في الندوة يتحداني يطلب عودتي للأنبار كي يمنحني حق النقد والكلام، يعرف نفسه انه محاط بسلسلة حراسات ومواكب حمايات تحميه اليوم لكنها لم تحم من قبل اخيه "ستار" المؤسس للصحوة كما لم تحم السيد المحافظ الذي نجى بأعجوبة ولم يستطع أبو ريشة نفسه حماية افراد وقادة صحوته الذين قضوا ضحية الثارات العشائرية والافعال الانتقامية!

كان يخاطبني متعمداً باستصغار لرفضي فكرة الإقليم حيث لا يملك رداً منطقياً لما يطرح في ندوة حية يفترض ان تكون نقاشية وفكرية لا شخصية تغاضيت فيها عن الإنجرار للدفاع عن قضايا شخصية وهو يعرف جيداً من انا وما هو تأريخي ومهنتي ونسبي كما يعرف هو والآخرون نفسه!

اقول للسيد رئيس مجلس المحافظة لمن تبنى الفنادق والمستشفيات الأهلية ذات الطابع التجاري والسياحة الطبية في الأنبار التي هجرت كفاءاتها وخلت من كل انشطتها الحيوية والاجتماعية؟

أي أمن في الأنبار يضمنه لأهلها وليس لزائريها وسواحها كي يقارن بينها وبين اقليم نشأ بارادة امركية وصهيونية منذ عشرين عاما اصبح مزار وحجة الشركات المتنفذة والمخابرات الصهيونية الحاكمة ومع ذلك لا تستقطب اوضاع الشمال عودة الكفاءات الكردية بل على العكس منذ ذلك تستمر موجات الهجرة والتوطين وخروج رؤوس الاموال بشكل متزايد بسبب تفاقم الفساد المالي والإداري وتسلط الأحزاب الحاكمة ومن المؤكد ان تردي الاوضاع الخدمية والخدمية في عموم مركزي الوسط والجنوب يسهم بنشاط تجاري وسياحي واقتصادي في الشمال الأكثر أمناً والأفضل بالخدمات مقارنة بمناطق العراق الأخرى.

لا يتردد احمد ابو ريشة زعيم الصحوة في طرح المشروع بقوله اننا نريد ان نحصل في الأنبارعلى ما حصل عليه الاكراد بالمقارنة تأكيداً لانفصالية المشروع وتأسيسه للتقسيم.

ولهذا توجه مع وفده العشائري الى السيد الطالباني في الوقت الخطأ يستنجده ليحقق له مشروع الإقليم الذي يحلم بإمارته وهو في ذلك خاسر.

5.إذا كان الاستئثار الطائفي وتفاقم تردي الوضع الامني وتفرد حزب الدعوة ورئيس الحكومة بالصلاحيات يشكل المبرر المطروح لمشاريع الأقلمة في محافظات السنة وفق ادعاء المتحمسين لها كحل؟ من أي تشكيل يحميهم وهم المكون الغالب لسكان هذه المحافظات؟ ثم ما الذي يدفع مجالس المحافظات ثانية في الوسط والجنوب للمطالبة بالأقاليم لو كانت هذه المحافظات في بحبوحة العيش، أليست هذه الدعوات وادواتها ومروجيها من مصدر متمثل بالمستفيد من تقسيم العراق وإضعافه وفي مقدمتها اميركا واسرائيل ودول اقليمية مجاورة معروفة أطماعها؟

السؤال الذي يطرح نفسه ماذا سيكون الحل لأكثر من خمسين بالمئة من سنة العراق وشيعته الذين يتواجدون في بغداد والمحافظات المختلطة الأخرى، هل سيستمر ويتفاقم تهميش البعض للآخر وفقا لكثافة المكون ام ان دعاة الاقاليم يطمحون بتهجير ابناء كل طائفة ومكون الى الأقاليم المقفلة لها حماية لهم في هذه الملاذات المصطنعة؟

لو تعرض الاكراد كأقلية في العاصمة لظروف مشابهة افتراضاً، هل سيستطيع مام جلال ان يحميهم في بغداد ام انه سيعرض عليهم النزوح الى اقليم الشمال كأقل مما يمكن ان يفعله لهم، ترى اليس هذا هو صلب التقسيم ومكائد الاقاليم؟

6.أي محبة ووئام لإقليم يؤسس بسبب الضغينة الطائفية والتميز الطائفي والظلم المتعمد لأهله وكفاءاته وبمبررات منافع شخصية وصراع سياسي متفاقم ممكن ان تتحق من تاسيسه وممكن ان يكون بذرة لوحدة العراق بعد كل هذا؟.

7.يعيب احمد ابو ريشة زعيم الصحوات على الكفاءات والأطباء عدم عودتهم لما يحسب انها امارته الأنبار الأكثر له فيها نصيبا وحصة من غيره!

بعد كل الذي تعرضت له كفاءات هذه المحافظة واطبائها من قتل وعنف وتهجير وتهميش وكأن الأنبار آمنة ما عادت تعبث بها قوات الاحتلال وقوات سوات والتحرك السريع وميليشيات الاحزاب الطائفية والصفوية وقوى التكفير والدولة، تقتل وتنكل وتسجن اعدادا كبيرة من ابناءها ووجهائها وعلمائها لغاية اليوم.

الأخطر من كل هذا انه يريد ان يحرم النخب المهاجرة من ممارسة دورها وابداء رأيها ومناهضة من يضمر لهذه المحافظة من مخططات تقسيمية وتشظوية ويشترط ذلك بعودتها وهذا النوع من الإسقاط والإستخفاف خطير يعكس طبيعة تفكير من بيده المال والسلاح والمناصب من المتحكمين في محافظة العلم والعلماء والكفاءات والحكمة واكتفي بقول الشاعر رداً:

وإنما الأمم، الاخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت اخلاقهم ذهبوا

د.عمر الكبيسي