إعلام مُحرّض، ومثقف مأزوم

المثقف المأزوم هو المثقف الذي يسوّق بضاعة غير بضاعته باعتباره مثقفاً، بضاعة لا تمت للتقدم بصلة ولا علاقة لها بالثقافة، بل هي نقيضها، لا علاقة لها بالحقيقة، بل هي تشويه لها، ولا علاقة لها بالجمال، بل هي القبح بعينه، وإن زُينت بألفاظ غاية في العذوبة والجمال، وهي الأدوات التي ظلت بيد المثقف الذي استلب منه جوهر الثقافة، وظلت له قشورها التي أضحى يتاجر بها، ويعرضها في دكاكين تتسع باستمرار، وبارتفاع أعداد فاحشي الغنى، الذين يريدون شراء كل شيء بأموالهم، ليس المثقف والثقافة فقط، وإنما القدرة على التحكم بكل شيء، ورهن مصائرنا ومصائر الأجيال الآتية لوضع لن يكون في أحسن أحواله إلا مُظلماً، ولا يُمثل إلا إرتداداً ونكوصاً، و"كأنك يا زيد ما غزيت"!

أن تكون ممن حازوا على الملايين أو المليارات، بغض النظر عن طريقة حصولك عليها، فإنك ستغدو بين ليلة وضحاها المدافع الذي لا تلين له قناة، دون كل تلك القوى والأحزاب، وجيوش المناضلين، والمدافعين عن كرامة المواطن والوطن، والذين خبروا سجون الطغاة، الأحياء منهم والأموات والمعطوبين، تكون أنت، وأنت الذي ربما لم تقف يوماً ما بوجه أي ظالم، ولم تقل قولة حق، هذا إذا لم نقل أنك ممن شايع الظالمين واغتنى بكنفهم، والذي لم تعنك الثقافة التي ليست حسب فهمك إلا هماً لأولئك المخبولين والمعقدين، تصبح أنت المدافع عن الثقافة والحقيقة والعدل والمساوات، والديمقراطية، وحقوق المسحوقين من الناس، رغم أنكم يا أصحاب المليارات ما جمعتم المليارات إلا من دم ودموع وحقوق هؤلاء البؤساء الذين تدعون زوراً أنكم تدافعون عن مصالحهم، وليتكم تحسنون الدفاع، أو تحسنون القول، لكنكم تتسترون وراء جيوش الإمعات من المثقفين المأزومين الذين ارتضوا أن يكونوا شهود زور، وأبواقا للخديعة.

هل لأحد أن يفسر لي مثلاً لماذا أصبح لكل ملياردير عدد من وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئيّة والرقميّة، بشكل ظاهر أو مستتر؟

هل أصبح الرأسمالي ( العربي على الأقل) معنياً بإشاعة الثقافة، وتكريس الممارسات الديمقراطية، وتوطيدالعدالة والمساواة في مجتمعاتنا؟

هل أصبح بديلاً عن الأحزاب المناضلة، وقادة الفكر الحر، المعنيين قبل غيرهم بالحرية التي هي شرط وجودهم؟

قد يقول من لا يعرف الحقيقة أن هذه الوسائل أصبحت مجالاً جيداً للاستثمار، ولكن هل يعرف قائل مثل هذا القول أن أغلب وسائل الإعلام، الورقيّة على الأقل لا يمكن أن تسد وارداتها ربع صرفياتها، وأن المستثمر يضخ في شرايينها الأموال دونما انقطاع لتستمر في الحياة، وحتى الإعلام المرئي لا يمكن للإعلانات أن تغطي تكاليفه لولا وجود طرق أخرى للدعم والتمويل، أليس من المناسب البحث عن هذه الوسائل وهذه الطرق؟

ثم السؤال الأهم، هل تقدم هذه الوسائل الإعلامية ثقافة أم سياسة؟

وأي نوع من السياسة؟

أليست سياسة مخربة تشيع الفرقة والتناحر، والعداء والاختلاف، وتبحث بالإبرة والملقط عن كل ما يفرّق، ويثير الكراهية، ويعزز الضغينة ليس بين السياسيين فقط، وإنما بين أبناء الشعب المُختلفي الأديان والأعراق والمذاهب؟

أي من هذه الوسائل الإعلامية يمكن اعتبارها وسائل لإشاعة المحبة والتعاون والألفة بين أبناء الوطن الواحد، وبين أبناء الأمة، وبين بني البشر؟

لماذا أصرخ في وجهك لأنني أختلف معك؟ ألا يؤدي هذا الأسلوب عندما ينتقل لغير المثقفين إلى إبدال الصراخ بإطلاق الرصاص من بندقية أو كاتم؟

كم من مشاهدي هذه البرامج لم يرتفع ضغطه وهو يُشاهد الديوك على حلبة شاشات الفضائح هذه وهي تتلاعب بأعصاب الناس، التي عاشت آلاف السنوات مع الاختلاف والتنوع بمحبة وسلام، ليأتي زمن بالغ الرداءة والبؤس، يحاولون فيه إيهامك بأن عدوك، ليس هو ذاك المُغتصب لأرضك وقرارك الحر، وإنما أخوك وشريكك في الوطن، زميلك في العمل، ورفيقك في الحزب، وجارك في السكن، عدوك هذا الذي اكتشفوه، أو فبركوه لك، لا يمكنك مهادنته ولا الصلح معه، إذ ليس أمامك إلا الخيار الصفري، فإما أن تُبيده أو يُبيدك، وحيث أن هذا لا ولن يحدث، فإن المتوقع الوحيد هو أن يُباد الجميع، ولا ندري من سيبقى بعدئذ، ولمن ستخلو الساحة.

ألمثل هذا الهدف نشأت هذه الوسائل؟

هل استيقظنا فجأة بعد أكثر من ألف وأربعمائة عام لنجد أن بيننا مسيحيين، أو إيزيديين أو صابئة، وأننا موزعون على أكثر من مذهب إسلامي، وطريقة صوفية؟

ومن هذا النبي الجديد الذي أنجبته الصحراء التي عقمت ألف عام ونصف عن إنجاب من يجمعنا على دين واحد ومذهب واحد وملّة واحدة، أيكون هو محمد بن عبد الوهاب لا غيره؟

وهؤلاء الثوريون والليبراليون، التقدميون والمتجاوزون، المعارضون للتسلط والاستبداد، وحكم العائلة والحزب، المطالبون دونما فاصلة للراحة بالديمقراطية والعدالة والمساواة والشفافية، المنتشرون في إعلام البترودولار كالنمل، والناقدون لكل ظلامي على مدى العصور، لماذا لا يفطنون لظلامية ورجعية وتخلف فكر محمد بن عبد الوهاب؟

وهم إذ يجهدون في تعرية تشويه الحرية والديمقراطية، في سوريا التي فيها أحزاب وجمعيات ونقابات واتحادات، وإيران التي فيها انتخابات، ومعارضة، والمرأة فيها نائبة رئيس جمهورية، وقائدة لطائرة مقاتلة، لا يشيرون ولو إشارة من بعيد، إلى حال المرأة في البلدان التي يتقاضون منها الدولارات، المرأة التي هي عورة من رأسها حتى أخمص قدميها، والتي لم تفلح، ونحن في الألفية الثالثة، لا في الحصول على حقها في الترشيح والانتخاب، وإنما حتى حقها في سياقة سيارة، وجدتها كانت تمتطي الناقة قبل أكثر من ألفي عام وتتنقل، دونما محرم في أصقاع جزيرة العرب !

لا نناقشكم حول الديمقراطية والتعددية والشفافية، وتكافؤ الفرص، والحرية، والانتخابات، والنقابات، والأحزاب والاتحادات، والتوزيع العادل للثورة، وحقوق المرأة، وحرية الفكر والصحافة، والحداثة والعصرنة، وعدم احتكار السلطة والمناصب، الحساسة منها وغير الحساسة، معاذ الله كيف لنا أن نشكك في كون كل هذا في دول البترودولار، ولكن ـ واسمحوا لنا بلكن هذه ـ ألا يوجد قصور ما، مهما صغر، مثلاً قصور في مشاركة أحزاب المعارضة في الحكم، أو قلة نسبة تمثيل المرأة في المجالس التشريعية المنتخبة، على الصعيد المحلي، أوعلى صعيد البلد كله، يستحق منكم التنبيه إليه، أو الإشارة، مجرد الإشارة؟

نشهد لكم بأنكم أحسنتم أداء ما اؤتِجُرتُم من أجله، فأصبحتم "مأجورين"، ولكن ممن، ولمن؟