إعلام العولمة للاستهلاك فقط!

بقلم: د. خالد محمد غازي

في ظل التطور الاعلامي المتنامي بفعل التطور التكنولوجي في مجال الاتصالات والتواصل صعد نجم وسائل الاعلام الحديثة من فضائيات وصحف الكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي والتواصل عبر البريد الالكتروني. أصبحت وسائل الاعلام بمثابة مؤسسات تربوية وتعليمية حديثة نالت من دور الأسرة والمدرسة والجامعة خاصة فيما يخص المنظومة المعرفية المنزوعة من سياقها الاجتماعي والقيمي والتاريخي؛ فأصبحت ذات نزعة استهلاكية.. ومن هنا – بحسب رأي د. عواطف عبد الرحمن - من خلال هذه الوظيفة يمارس الإعلام أخطر أدواره الاجتماعية التي تتمثل في إحداث ثورة إدراكية ونفسية تستهدف إعادة تأهيل البشر للتكيف مع متطلبات العولمة وشروطها... وتقوم وسائل الإعلام باستقطاب النخب المثقفة للترويج لفكر العولمة وأيديولوجيتها عبر الحوارات التلفزيونية والمقالات والمؤتمرات محاولة منها تهميش الثقافات والسياسات الأخرى.

(1)

ترى أي علاقة تلك التي ربطت بين العولمة والاعلام؟ ولماذا استجاب الاعلام بشكل سريع لنظم وانفتاح العولمة؟ إن كلا الظاهرتين متلازمتان؛ لا يمكن أن تنفكّ أحداهما عن الآخرى على الأقل في عالمنا المعاصر الذي طوى شوطا من الزمن توسعت فيه دائرة العولمة من ناحية؛ وكثرت وتشعّبت وسائل الاعلام فيه من ناحية أخرى.

كثير من الباحثين يعتقدون بأن عولمة الأنشطة الاعلامية "تمثل أهم تطور إعلامي في العقدين الأخيرين من القرن الفائت. وأن هذا التطور سوف يحدد مسار هذه الأنشطة طوال سنوات القرن الحالي، فضلاً عما يمثله ذلك من أهمية وتأثير في انظمة الأعلام الوطنية في دول العالم". لكن هناك أيضا ملاحظات مهمة - من وجهة نظر د.حمدي أبو العينين - لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار وهي:

أولاً: إن عولمة النشاط الاعلامي لم تتحقق بعد بالصيغة التي ربما تكون قد استقرت لدى الكثيرين. ثانياً: ان ما تحقق عينياً هو عولمة الرسالة الاعلامية بفضل سقوط الحواجز وهي ظاهرة "تقنية" اكثر من كونها ظاهرة سياسية أو ثقافية على الرغم من تأثيراتها السياسية والثقافية.

ثانيا: إن درجات استجابة الأنظمة الاعلامية الوطنية للتغييرات التي تفرضها عولمة صناعة الاعلام متفاوتة الى حدود بعيدة، الأمر الذي ينفي بشدة حقيقة أن تكون العولمة سمة أساسية لأنشطة وسائل الاعلام عبر مناطق العالم المختلفة في الوقت الراهن.

ثالثًا: ان عولمة النشاط الاعلامي، حيث توجد الآن، ليست ظاهرة حديثة تنتمي للعقدين الأخيرين من القرن الفائت، الا أنها تعبير عن تطور تاريخي تمتدّ جذوره الى القرن التاسع عشر، وان كانت خطاها قد تسارعت في الربع الأخير من القرن العشرين.

وفي هذا الصدد يرى روجيه جيران أن الحقل السياسي الغربي أصبح يتحدد بالكذب أكثر من أي وقت مضى بعد انهيار الايديولوجيات التعبوية، التي شكلت مرجعيات للقيم والدلالة وحوافز للسلوك المثالي، وإن وفرت أحيانا كثيرة غطاء للتمويه والتزييف، وتبرز السياسة الكاذبة السائدة حاليا في مستويين مترابطين تقديم الوعود المثالية الزائفة.

(2)

يقول الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل: لم يعد العرب يواجهون الخطر الأخلاقي المتعلق بسوء فهم الرأي العام الغربي لهم وحسب، بل إنهم في خطر مادي حقيقي، لكونهم معرضين لممارسة القوة الغاشمة ضدهم التي لا تمتنع عن استخدام التدخل العسكري. وقد تنوعت الصورة المتخيلة عن العرب في جغرافية شرقية صحراوية ويمكن إدراج نماذج لتلك الصورة رافقت التطور التاريخي الذي ولده الصراع السياسي، والذي أنتج بالتالي أشكالا جديدة من التخيل، منها: صورة العربي المتمثلة في شيخ صحراوي يحيط به حريم من الفتيات، وهذه الصورة ـ لا شك ـ وليدة ذهنية الاستشراق، وكذلك صورة العربي "المتوحش" أو غير المتحضر أو "ذي النزعة العسكرية"، كما أن الصراع مع إسرائيل جاءت محصلته إنتاج صورة "للعربي الأرهابي".

كما أنه وبعد بروز الأوبك - والكلام ما زال لهيكل - بوصفها قوة اقتصادية رئيسية وارتفاع أسعار النفط في السبعينيات خلق صورة للعربي بالنهم والطماع وغير المستقيم، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تحولت دول الشرق الأوسط إلى دول راعية للإرهاب. انتهى كلام هيكل.

وقد كشفت الممارسات المختلفة في سنوات الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين عن دورين أساسيين قامت بهما وسائل الاعلام في المنظومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العالمية، وهو الدور الاقتصادي حيث تلعب فيه وسائل الاعلام دوراً مهماً؛ فقد أصبحت العولمة الاعلامية تمثل قيمة اقتصادية هائلة ومتنامية؛ خاصة في ظل اقتصاد المعلومات الذي أصبح السمة الأساسية للاقتصاد العالمي، حيث بلغت استثمارات صناعة المعلومات تريليوني دولار عام 1995، وفي نهاية القرن (عام 2000) بلغت 3 تريليونات دولار سنوياً بعد أن كانت هذه الاستثمارات لا تتجاوز 350 بليون دولار عام 1980، وثانياً الدور الأيديولوجي الذي يوفر بيئة معلوماتية وايديولوجية لدعم الأسس السياسية والاقتصادية والمعنوية لتسويق السلع والخدمات وتطوير نظام اجتماعي قائم على تحقيق الربح عبر الثقافات الوطنية المختلفة. وهذا المفهوم باعتقاد توسو في كتابه المعروف "الامبراطورية الالكترونية: الاعلام العالمي والمقاومة المحلية" يمثل أحد المفاهيم الحديثة في الدراسات الاجتماعية بوجه عام؛ بالرغم من كونه مفهوماً أقدم بكثير في مجالي الدراسات الاعلامية والتجارة الدولية والدراسات الاجتماعية.

(3)

ويجري العمل في كل انحاء العالم على عولمة الإعلام، وتحتكر الولايات المتحدة - على سبيل المثال - نسبة عالية من صناعة الأخبار، وبث المعلومات عبر الفضائيات وشبكة الأنترنت، ووكالات الأنباء، وتصدر عبر شركاتها ما يقارب ثلاثة أرباع البرامج التي تبثها عبر العالم، في حين لا تتعدى نسبة ما تستورده الـ 2%.

وتشير الدراسات إلى أن 97% من الأجهزة المرئية موجودة في الغرب الذي يمتلك أيضاً 87% من الأجهزة المسموعة وأن نحو 90% من مصادر الأخبار في دول العالم الثالث مستوردة من الدول الغربية؛ والمفارقة أن أوروبا نفسها - ناهيك عن العالم الثالث - تعاني هذا الغزو الإعلامي والثقافي الكاسح، فعلى سبيل المثال "يتجلى العجز الأوروبي في كون هذه المجموعة قد صدّرت إلى أميركا عام 1992 ما يقدر بـ 250 مليون دولار من الانتاج السمعي المرئي فيما استوردت من الولايات المتحدة ما يقدر بـ 3750 مليون دولار".

ونلمس هيمنة كاملة للغة الانجليزية التي باتت اليوم لغة الاحتكار المعرفي والاعلامي/المعلوماتي، لفرض ثقافتها ونموذجها الحضاري الذي تتبناه وتؤمن به؛ ويلاحظ أيضا أن نحو 88% من معطيات الأنترنت تبث باللغة الأنجليزية مقابل 9% بالألمانية و2% بالفرنسية، و1% يوزع على بقية اللغات الغربية وأن السيطرة الأميركية على العالم تستند إلى هيمنتها على الاتصالات؛ فثمانون بالمائة من المادة الصحفية التحريرية والمشاهد والصور التي تدور حول العالم تأتي من الولايات المتحدة.

وتتركز سلطة الاعلام بقبضة من يسمون ببارونات الصحافة (أمثال: ماكسويل - سابقا؛ روبرت مردوخ؛ هيرست؛ ففي الولايات المتحدة هناك خمسون شركة تمتلك معظم وسائل الإعلام. وفي بريطانيا هناك ست شركات إخباريـة كبرى تسيطر على ثلثي الصحــف والمجلات). وتحتكر أميركا صناعة الصورة في العالم - إنتاجها وتسويقها - فواشنطن وحدها تسيطر على 65% من حجم الاتصال المتداول في العالم، كما أن أميركا نفسها تحتكر 35% من عملية النشر في العالم و64% من الاعلان الدولي و45% من التسجيلات و90% من أشرطة الكاسيت و35% من البث عبر الأقمار الصناعية.. وهذا يعني أن أكثر من ثلثي حجم الاعلام بصوره المتعددة الذي يبث في العالم قادم من أميركا.

وهكذا نجد أن الصور اليوم تخدم غايات واستراتيجيات قوى ومؤسسات وأنظمة بعينها تمثل العالم الرأسمالي الغربي، وتدفع الاخرين إلى مواقع السلبية والهامشية والاستهلاك المحض.

وباستعراض صور الصراع بين تلك الجماعات الاعلامية؛ نجدها متعددة التأثير في سياسة الدولة، ونلاحظ في سلوك الأقليات المتلقية للرسالة الاعلامية أنها على المستوى السياسي والفكري تعيش انفصالا على مستوى العقيدة أو المذهب أو الدم.. أما على مستوى العولمة وتبادل المصالح والاستثمارات والمزايا فيزول ذلك الانفصال، حيث يحدث تعاون وتبادل للمصالح؛ لذلك نتلمس في تلك الدول – على المستوى العالمي - التي تعيش اغترابًا عن واقعها المنقسم إلى عصبيات طائفية وفئوية وقومية، أنها تحاول التغلب على هذا الاغتراب، باعتمادها إحدى العصبيات المهنية التي تعتمد الأكراه مع غيرها، سعياً لكسب الشرعية التي يراها الكثير سواء بالهيمنة القانونية التي هي ذات طابع عقلي، أو الهيمنة التقليدية تبعاً للعرف، أو هيمنة الكاريزما والحضور، بما يعني أنها ذات القدرة الخارقة على سحر الجماهير والمتمثلة في الطابع الانفعالي والتي تتطلب الثقة الكاملة بمعطيات استثنائية.

(3)

ويمكن اعتبار الاعلام إحدى آليات السلطة السياسية في عالمنا العربي وهذا يعود إلى امتلاك الدول بشكل مباشر أو غير مباشر عبر التشريعات التي تقيد حركة الاعلام الخاص على ضعف شأنه، لذا يمكن القول بأن الاعلام العربي إعلام رأسي، يهبط من أعلى إلى أسفل، ويعود لمركزيته وتوجهه الدعائي، الذي يخدم النظام السياسي؛ وهذا يتخذ من الفرد الاستثنائي محل اهتمامه الأول، ويبدو أن تلك السمات ساهمت بشكل أو بآخر في ترسيخ السلطة القائمة وخلق سلوكيات عامة مرتهنة لهذا الإعلام في وقت تمارس فيه القوة والإكراه الدور المرافق لهذه العملية، مما خلف رأياً عاماً منقسما.

إن الاعلام عبر سياسة العولمة تجاوز البعد التنويري للإعلام باعتباره مصدر الحقيقة، وتحول إلى نوع من الدعاية التي تستهدف التأثير في النفوس عبر إشاعة أفكار ومعلومات محددة، كما بات يهدف إلى السيطرة على الفرد، في الوقت الذي استثمر فيه الاعلام وظائف الاتصال الترويجية لمفاهيم سياسية معينة، فقد أخفق الاعلام في خلق رأي عام مقتنع بما لديه من تسويغات بما يمثل إخفاقًا للوظيفة الاقناعية التي تهدف من وراء الاتصال إلى إحداث تحولات في وجهات النظر السائدة حول الواقع المحلي والعالمي والاقتصادي، كل هذا جاء جراء هيمنة الرؤية اللاتاريخية واللانقدية، مما خلف عسرا في الاندماج الذي تعانيه المجتمعات؛ وخاصة العربية منها.

العولمة أثرت وبشكل كبير في الأنشطة الاعلامية في عالمنا المعاصر ولا تخلو اليوم أية ظاهرة من ظواهر الحياة إلا ولعبت فيها وسائل الاعلام دوراً يكاد يكون الأهم حتى بالنسبة لما تحتويه هذه الظواهر من معنى في المجتمعات المختلفة.

د.خالد محمد غازي

رئيس تحرير وكالة الصحافة العربية بالقاهرة

k@k-ghazy.com