إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في غزة!

بقلم: نقولا ناصر

كل الأطراف التي فوجئت بالاجتياح الشعبي الفلسطيني لحدود قطاع غزة مع مصر والتي أربك هذا الاجتياح حساباتها وخططها تبدو مصممة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لاحتواء مضاعفات حدث تاريخي اضطرت كل الرسميات العربية إلى مسايرته لكن مع الحط من أهميته في الوقت نفسه بينما اقض الحدث مضاجع دولة الاحتلال الإسرائيلي لتعلن الاستنفار على طول حدودها الجنوبية.

واغلقت مصر معبر رفح في تزامن مع اغلاق كامل لمعابر قطاع غزة مع دولة الاحتلال الاسرائيلي منذ الخميس الماضي، طبقا للامم المتحدة، ليعود القطاع كما كان دون أي تغيير، كاكبر سجن في الهواء الطلق في العالم، بالرغم من الفرح الشعبي الفلسطيني والعربي الغامر بما وصفته وسائل اعلام اجنبية بانه اكبر عملية هروب من السجن في التاريخ ووصفه الرئيس محمود عباس بانه "اجتياح"، وقد كان فعلا اجتياحا شعبيا لرمز من رموز العزلة الفلسطينية عن عمقها العربي والاسلامي والتي طالت ولا يراد لها ان تنتهي الا عبر" بوابة للسلام" تفتحها دولتا الاحتلال في فلسطين والعراق بشروطهما.
وربما لا يعبر عن عمق مأساة الانقسام الوطني الفلسطيني الذي يتخذ الاحتلالان الاسرائيلي والاميركي منه ذريعة لاعادة الوضع الى ما كان عليه قبل "الاجتياح" اكثر من المقارنة بين الاحتجاجات والمظاهرات "المليونية" التي اجتاحت الشوارع العربية والعالمية تضامنا مع الشعب الفلسطيني المحاصر في القطاع وبين شبه الصمت المطبق المريب في شوارع التوأم الشقيق للقطاع في الضفة الغربية الذي لم تقطعه سوى بضع احتجاجات "مئوية" صوتها خافت حتى لا يكاد يسمع ولم تخل الاخبار عنها من تقارير عن قمع لها.
كما لا يعبر عن عمق هذه المأساة اكثر من تذرع الجاهدين حاليا لاعادة الوضع الى ما كان عليه قبل "الاجتياح" بحجة يلتقطونها قوية مدوية في ارتفاع صوتها من التصريحات المتكررة للمسؤولين الفلسطينيين في رام الله عن ضرورة وقف اطلاق "الصواريخ" من القطاع على جنوب دولة الاحتلال وهي الحجة التي تذرعت بها واشنطن لتمنع مجلس الامن الدولي من اصدار بيان رئاسي غير ملزم يدين العقوبة الجماعية التي يفرضها الاحتلال على مليون ونصف المليون فلسطيني في القطاع والتي يحرمها القانون الدولي باعتبارها جريمة ضد الانسانية وهي العنوان الرئيسي للوضع الذي يريدون العودة اليه.
ان التذرع العربي والدولي والفلسطيني بشرعية فلسطينية هي موضع جدل وطني فلسطيني ساخن، وتستمد كثيرا من شرعيتها من تقاطعها مع مواصفات اميركية –اسرائيلية، لاعادة الوضع الى ما كان عليه في القطاع ربما تجد لها ما يسوغها اميركيا واسرائيليا لكنها بالتأكيد لا تجد ما يسوغها عربيا وفلسطينيا.
ولا يوجد أي مسوغ مقنع لاستنكاف القيادة الفلسطينية في رام الله عن التقاط هدية قدمها لها الاجتياح الشعبي لمعبر رفح وشروط حماس المعلنة لاعادة فتحه لكي لا تعود بالوضع الى ما كان عليه ولكي تطالب بإعادة النظر بخمس اتفاقيات ظالمة سابقة فرضت عليها في ظروف ضعف قاهرة لتشغيله وتشغيل معابر القطاع الاخرى باعتبارها مجرد بوابات يتحكم بها الاحتلال لسجن كبير اسمه قطاع غزة.

وقد تحول الخلاف حول اتفاق معبر رفح والالتزام بهذا الاتفاق او عدم الالتزام به الى رمز للالتزام بحصار قطاع غزة او عدم الالتزام به لان اجتياح المعبر فك الحصار عن القطاع ولو مؤقتا وجزئيا بينما اعادة اغلاقه على اساس الاتفاق السابق لفتحه اصبح عمليا يعني اعادة التعامل معه كبوابة من بوابات سجن غزة الكبير.

وربما من المفيد لمن لا يعرف تفاصيل المعاناة الفلسطينية على المعبر استعراض الاتفاقيات التي تحكم تشغيل معبر رفح والتي تجد الدبلوماسية المصرية ونظيرتها الفلسطينية في رام الله حرجا في "انتهاكها". فمعبر رفح اولا خاضع لاتفاق باريس الاقتصادي الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين دولة الاحتلال في اطار اتفاقات اوسلو وهو الاتفاق سيء الصيت الذي فرض على المواطن الفلسطيني دفع جمركين واحد للاحتلال والثاني لسلطة الحكم الذاتي ومنح الاحتلال حق حجز او الافراج عن العائدات الجمركية الفلسطينية حسب الاهواء السياسية للاحتلال ومدى رضوخ سلطة الحكم الذاتي لهذه الاهواء.

ثم هناك ثانيا اتفاقية المعابر الفلسطينية الاسرائيلية الموقعة في 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2005، وثالثا الاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي الاوروبي لمراقبة معبر رفح بعد اعادة انتشار قوات الاحتلال من داخل القطاع الى محيطه في العام نفسه ورايعا الاتفاق المصري الاسرائيلي (المعروف باسم اتفاق فيلادلفي) في آب / اغسطس في السنة ذاتها اضافة الى معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية التي تفرض قيودا مشددة على انتشار القوات المصرية على امتداد حوالي (255) كيلومترا من الحدود المشترك مع دولة الاحتلال.

وهذه الاتفاقيات قد اقامت على الارض "جدارا حديديا لا يستطيع السكان الوطنيون اختراقه" كما وصفه المفكر الصهيوني زئيف جابوتنسكي عندما كتب عام 1923 يقول ان "الاستعمار الصهيوني" لا يمكنه ان يتحقق دون اقامة مثل هذا الجدار. وقد حطمت جماهير عرب فلسطين في القطاع جزءا من هذا الجدار يوم الاربعاء قبل الماضي وفتحت آفاقا لاختراقات تاريخية لجدار جابوتنسكي وهو ما يحاولون الآن احتواء المضاعفات الاستراتيجية له باعادة الوضع الى ما كان عليه وهو ما يقتضي وجود قيادة فلسطينية وعربية تاريخية لالتقاط الفرصة الاستراتيجية والبناء عليها.

لقد لخص وزير الخارجية المصري السابق احمد ماهر الوضع السابق على معبر رفح خير تلخيص عندما كتب مؤخرا يقول انه "وفقا لإحصائيات أتيح لي الاطلاع عليها" فان "اسرائيل" تسببت في اغلاق معبر رفح "85% من الايام" وفقا للاتفاق السابق. والمراقب المحايد، فلسطينيا كان ام غير فلسطيني، يجد صعوبة فائقة في فهم اصرار الرئاسة الفلسطينية على الالتزام بهذا الاتفاق كشرط مسبق ليس للشراكة الوطنية فحسب بل حتى لتسلم الرئاسة للمسؤولية عن المعابر منفردة.

وفي التفاصيل يتلخص الوضع السابق على معبر رفح بموجب تلك الاتفاقيات الخمس بمنع العبور دون مراقبين ومنعه دون كاميرات المراقبة واجهزتها واخضاع المعبر للرقابة الاسرائيلية لحظة بلحظة من خلال المراقبين واجهزة المراقبة والحاق كليهما بالقرار الاسرائيلي واخضاع ممثلي السلطة الفلسطينية على المعبر لمراقبة مراقبي الاتحاد الاوروبي وتزويد الاحتلال باسمائهم للموافقة "الامنية" عليها واخضاع العملية برمتها لمراقبة المنسق الامني الاميركي بين السلطة ودولة الاحتلال وحصر العبور بحاملي الهوية الفلسطينية التي لا تصرف الا بموافقة الاحتلال، مما يعني اغلاق المعبر امام فلسطينيي الشتات وفلسطينيي عام 1948 مع استثناءات قليلة تشمل ضيوف السلطة الاجانب وهذه بدورها تخضع للموافقة الاسرائيلية، وحصر التجارة الفلسطينية عبر المعبر بالتصدير فقط اما الاستيراد فيتم عبر معبر كرم سالم المصري الاسرائيلي ناهيك عن اجراءات التفتيش الصارمة على الشاحنات، ثم منع السطة الفلسطينية من الاتفاق مع مصر على ما يخالف هذه الاتفاقات، واعتبار كل ذلك حزمة واحدة يقود الاخلال باي جزء منها الى وقف العمل بها جميعها وبالتالي اغلاق المعبر.

فرص ضائعة وتكاد الفرصة التي انفتحت بـ"الاجتياح" للحوار الوطني الفلسطيني ولفك الحصار عن القطاع تضيع، لتعود العقوبة الجماعية التي يفرضها الاحتلال الاسرائيلي تهدد بكارثة انسانية حذر من وقوعها امام الحرم المكي الشريف عبد الرحمن السديس يوم الجمعة الماضي، وهي العقوبة التي يدينها القانون الدولي والامم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان باعتبارها جريمة ضد الانسانية.

ان العودة الى ما كان عليه الوضع قبل "الاجتياح"، أي الى ما وصفته اسبوعية الايكونوميست البريطانية نهاية الشهر الماضي باستراتيجية قطع الامدادات الحيوية عن القطاع بهدف تحريض الاهالي على الانقلاب ضد حماس، هي استراتيجية قادت الى "نتيجة عكسية" كما قالت المجلة، وايدها في ذلك خليل الشقاقي، مدير اهم مراكز استطلاعات الراي الفلسطينية، الذي اعلن في مقابلة معه نشرت في الاول من شباط / فبراير الجاري ان شعبية حركة المقاومة الاسلامية قد ارتفعت ثانية وان اسرائيل قد "هدرت كل المكاسب التي حققتها فتح (6 نقاط)" منذ سيطرة حماس على القطاع في حزيران / يونيو الماضي.

ولا جدال في ان استمرار هذه الاستراتيجية مقرونة باستمرار الانقسام الفلسطيني سوف يزيد شعبية حماس دون ان يمنع وقوع الكارثة الوشيكة ليساهم كلا هذين العاملين في اغلاق أي بصيص امل تراهن عليه القيادة الفلسطينية في رام الله لاستثمار الفترة المتبقية من ولاية الرئيس الاميركي جورج دبليو. بوش للبناء على ما تصفه بالنجاح الذي تحقق في مؤتمر انابوليس ثم في مؤتمر باريس للمانحين، مما يزيد في حرج موقفها الخارجي والداخلي على حد سواء.

ويبدو ان فرصة استثمار ما تبقى من ولاية بوش سوف تضيع بدورها لانه "ما لم يتم الاعتراف بواقع قوة حماس في غزة فان الفرصة قاتمة للتوصل الى اتفاق سلام جديد بين الفلسطينيين وبين اسرائيل وهو ما يقول الرئيس جورج بوش انه يامل في التوصل اليه قبل نهاية العام" الحالي، كما كتب دانييل ليفي المحلل حاليا في "نيو أميريكان فاونديشن" بواشنطن والذي ساهم في التفاوض بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين دولة الاحتلال الاسرائيلي عام 1995 (الكريستيان ساينس مونيتور – 3/1/2008).

لكن الرئاسة الفلسطينية تبدو على وشك تضييع هذه الفرصة برفضها "الاعتراف بواقع قوة حماس"، سواء قوتها السياسية كما تمخضت عنها الانتخابات التشريعية اوائل عام 2006 ام قوتها التي يمكن وصفها تجاوزا ب"العسكرية" كما هي الآن في القطاع وهو ما يستتبع بالضرورة رفض الحوار والشراكة معها.

لقد نشر موقع "مفتاح" الذي تديره عضو المجلس التشريعي حنان عشراوي مقالا في (24) الشهر الماضي لكاليوم موفات اعتبر فيه "حادث رفح... فرصة رائعة" للرئيس عباس ورئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل ومصر "لاطلاق حوار اولي اساسه موضوع المعابر الحدودية غير المثير للجدل" دون الحاجة الى بحث سيطرة حماس على القطاع. وفي اليوم نفسه اعتبرت صحيفة هآرتس الاسرائيلية في افتتاحية لها "ازمة" رفح "فرصة في غزة"، كما جاء في عنوان الافتتاحية، فرصة قد انفتحت بالرغم من ان "افضل صناع السياسة في اسرائيل" لم يتوقعوها.

وقد كانت مسارعة الرئيس عباس لمغادرة القاهرة قبيل بضع ساعات من وصول مشعل اليها يوم الاربعاء الماضي مؤشرا على اصرار غير مفهوم على اغلاق أي امل في حوار ثنائي يتبنى الدعوة اليه شبه اجماع فلسطيني وعربي واسلامي ودول عدم الانحياز وروسيا وتركيا ودول اوروبية عريقة في رعاية عملية السلام، وهوموقف يتناقض تماما مع سيرة رجل مخضرم استمد شهرته وبنى رصيده السياسي من كونه رجل حوار واتصال وتفاوض. ان تفاديه لقاء مشعل وغيره من قادة حماس الذين تواجدوا في القاهرة بدعوة مصرية لم يكن له ما يسوغه لا في سيرة الرجل ولا سياسيا، اذ ما الضير في لقائهم سواء كان قد ضمن او لم يضمن بعد قمته مع الرئيس حسني مبارك اعتراف القاهرة بشرعية قيادته للشعب الفلسطيني وبشرعية احقية الرئاسة الفلسطينية في ادارة معبر رفح ؟

كتبت المعلقة الاسرائيلية اميره هس (هآرتس في 30 الشهر الماضي): "اجتمع محمود عباس مع ايهود اولمرت دون شروط مسبقة خلال نهاية الاسبوع نفسه عندما فرضت اسرائيل اقسى حصار لها لتاريخه على غزة، لكن عباس لا يستطيع التحدث مع اسماعيل هنية دون ان يقبل القيادي في حماس شروطه المسبقة؟"

ان معظم المحللين والمراقبين باستثناء دهاقنة مخططي الفتنة الفلسطينية في تل ابيب وواشنطن يتفقون مع دانييل ليفي في قوله ان "قدرة عباس على صنع السلام محدودة طالما الفلسطينيون منقسمون. واعتقد ان المصريين يفهمون انه لا يمكن تجاهل حماس في هذه المرحلة اذا كان الهدف هو العثور على السلام".

ولم تضيع مصر الفرصة لجمع الصف الفلسطيني فوجهت لطرفي الاصطراع الفلسطيني الدعوة لزيارة القاهرة كفرصة اخيرة لهم محذرة بانها ستغلق حدودها مع القطاع اذا لم يتفقوا على فتحها، وكل الدلائل تشير الى ان الفرصة المصرية التي انفتحت للحوار الفلسطيني ولفتح الحدود قد ضاعت او هي على وشك ان تضيع.

وما زالت "ازمة" معبر رفح مستحكمة ومستعصية على الوساطة الوطنية والعربية بالرغم من وجود امكانيات واقعية لحلها، وما زالت في ظاهرها ازمة فلسطينية – فلسطينية مع انها في جوهرها جزء لا يتجزا من النضال الوطني ضد الاحتلال، واحد الاسباب الرئيسية لذلك هو تغليب ما يبدو في ظاهره اجندات فصائلية على المصالح الوطنية العليا.

وهذا الوضع الراهن قد بدا ينعكس سلبا على العلاقات الفلسطينية – العربية كما على العلاقات العربية – العربية لكي يتحول والعلاقات الاقليمية الناجمة عنه الى اداة يستخدمها الاحتلال لتعميق الانقسام الفلسطيني ويستخدمها الحليف الاميركي لهذا الاحتلال لتعميق الانقسام العربي ولتحريض الوضع العربي على عبثية تضامنه مع حالة فلسطينية يقول انها حالة لا فائدة ترجى من التضامن معها على حساب المصالح العربية الذاتية.

وهذا الوضع الراهن مأساوي ومحبط فلسطينيا ايضا ولم ولن تستطيع كل الرطانة الدعائية الفصائلية اقناع أي مواطن محايد في الاصطراع الدائر بان استمراره لن يقود الى انتحار وطني من المؤكد ان طرفي الاصطراع لن ينجوا منه كليهما لكن الخاسر الاكبر فيه ستكون المصالح الوطنية العليا والشعب صاحب القضية اولا وثانيا وثالثا واخيرا. تدخل مطلوب لقد اصبح هذا الوضع يستدعي تدخلا عربيا قويا وفاعلا وسريعا يتجاوز رطانة ما تكرره المواقف الرسمية العربية عن احترامها ل"القرار الفلسطيني المستقل" وعن التزامها بما تقبل به "ال"قيادة الفلسطينية، لان القرار الفلسطيني لم يعد مستقلا بل قرارا مرتهنا لموازين قوى مختلة لصالح الاحتلال ولوسيط اميركي غير نزيه يتاكد يوميا انه يسعى لادارة الصراع لصالح حليفه الاسرائيلي لا لحله، ولان القيادة الفلسطينية قد اصبحت قيادات والشرعية شرعيات والمرجعية مرجعيات، بغض النظر عن الادعاءات الفصائلية الذاتية.

وبالقدر نفسه يستدعي هذا الوضع تدخلا قويا وفاعلا وسريعا من الفصائل "الاخرى" لوضع النقاط على الحروف بتحديد المسؤولية الوطنية التاريخية عن استمرار هذا الوضع اذ لم يعد يكفي لتبرئة هذه الفصائل من المسؤولية الاكتفاء بنداءاتها اللفظية المتكررة للعودة الى الوحدة الوطنية وانتقاداتها لاحتكار كل من طرفي الاصطراع للحقيقة الوطنية وللحق في صنع القرار الوطني منفردا في حال اختلافهما وللمحاصصة الثنائية في حال اتفاقهما فقد اصبحت مثل هذه النداءات والانتقادات ممجوجة لانها لا تحدد مسؤولية ولا مسؤولا وهي ان اقترحت مشاريع حلول صائبة للخروج من الازمة فانها تجهضها قبل ان تولد نتيجة لاستنكافها عن اتخاذ مواقف سياسية تنسجم معها وهي ان تجرات على تحديد المسؤولية عن استمرار الوضع الراهن فانها تفعل ذلك بشكل انتقائي يزيد الطين بلة.

ان أي رؤية غير فصائلية لازمة معبر رفح لا ترى في بوابتي صلاح الدين والبرازيل سوى منفذين حدودين اما لفرض الحصار على الشعب الفلسطيني او لفك هذا الحصار، وبالتالي لا ترى في الاصطراع الفصائلي على من يديرهما سوى قضية ثانوية تكاد تضيع فرصة واقعية لاعادة فتح المعبر باتفاق فلسطيني – عربي خالص وبشروط وطنية تحوله الى ثغرة في الحصار المضروب على قطاع غزة وكذلك فرصة لاعادة فتحه كاول نقطة حدود وطنية متحررة من سيطرة الاحتلال ترمز لسيادة وطنية مامولة على كل التراب الوطني المحتل بقدر ما هي فرصة عملية لشراكة وطنية جزئية يمكن الانطلاق منها في حوار وطني باتجاه وحدة وطنية تنهي الانقسام الحكومي والاقليمي والسياسي الذي يعصف بالقضية الوطنية منذ ما يصفه احد طرفي الاصطراع بانقلاب سياسي على حكومة الوحدة الوطنية وما يصفه الطرف الآخر بانقلاب عسكري عليها.

و"التعميم" الذي لا يضع النقاط على الحروف في تحديد المسؤولية عن استمرار الوضع الراهن ليس كافيا لا لتبرئة الاطراف العربية المعنية ولا الاطراف الفلسطينية "الاخرى" من المسؤولية لان التعميم لا تفسير عمليا له سوى الهروب اليه نتيجة العجز عن الفعل او التواطؤ مع استمرار الوضع على ما هو عليه والنتيجة في الحالين واحدة وهي مواصلة الطريق المسدود الحالي، مما يعني ضوءا اخضرا للاحتلال للاستمرار في تغوله وضوءا مماثلا للمجتمع الدولي لغض النظر عن جرائم الاحتلال بذرائع يستمد حججها من الاصطراع الفلسطيني نفسه، ناهيك عن مساهمة "التعميمات" في تضليل الراي العام الفلسطيني والعربي للحيلولة دونه وتحميل المسؤولية لمن يجب ان يتحملها.

فخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله الذي ناشد الاسبوع الماضي القيادات الفلسطينية العودة الى "حكومة الوحدة الوطنية" التي انبثقت عن اتفاق مكة الذي انجز برعايته سوف يقدم للجميع خدمة جلى ان اوضح من هو الطرف او الاطراف الفلسطينية التي لا تستجيب لندائه. كما ان الرئيس المصري مبارك الذي ناشد الفصائل الفلسطينية عدم الزج ببلاده في خلافاتها ثم فتح بوابة امل في استئناف الحوار الفلسطيني سيقدم بدوره خدمة مماثلة ان هو اوضح من هو الطرف او الاطراف الفلسطينية المسؤولة عن اغلاق بوابة الحوار التي فتحها وعن اعادة اغلاق بوابة رفح التي فتحتها جماهير القطاع المحاصرة فيما وصفته احدى وسائل الاعلام الغربية ب"اكبر عملية هروب من السجن في التاريخ"، ووصفه الرئيس محمود عباس ب"الاجتياح" !

اما الصوت الخافت الذي صدر عن وليد العوض عضو المكتب السياسي لحزب الشعب يوم الخميس الماضي بقوله: "لا نرى بالضرورة التمسك بنص اتفاقية المعابر" الموقعة عام 2006 فانه سيقدم خدمة كبيرة لشعبه ان ارتفع ليضم اليه الفصائل الاربعة التي شاركت حزبه في البيان المنتقد لمؤتمر انابوليس (وهي المبادرة والجبهتان الشعبية والديموقراطية وفدا) لاعادة فتح المعبر بعيدا عن التنسيق الامني بين سلطة الحكم الذاتي وبين الاحتلال الذي اعقب انابوليس وبعيدا عن رقابة ثلاث جنرالات اميركان كبار معتمدين لدى السلطة، هم وليم فريزر وجيمس جونز وكيث دايتون، مهمتهم الاساسية مراقبة منع الحوار او الشراكة او الوحدة الوطنية واستمرار التنسيق الامني وتوسيعه ليمتد من الضفة الغربية الى القطاع ومعابره.

والمراقب المحايد لا يسعه ان يرى في شروط الرئاسة المسبقة لاعادة فتح المعبر الا شرطا اسرائيليا – اميركيا ويستغرب لماذا لا تترك الرئاسة للحليفين مهمة اعلان هذه الشروط، كما لا يسعه الا ان يرى في شروط حماس لاعادة فتح المعبر مطالب وطنية، لا فصائلية، فكف يد الاحتلال عن التدخل في المعبر، واعادة النظر في دور المراقبين الاوروبيين ليكون دورا مستقلا لا دور عيون اوروبية للاحتلال، وابرام اتفاق فلسطيني – مصري جديد لفتحه، وعدم اخضاع العابرين منه لغير القرار الفلسطيني المصري وليس فتحه فقط لمن يحملون الهوية "الفلسطينية – الاسرائيلية" كما هو الحال سابقا، الخ، هي مطالب تعبر عن طموحات وطنية، وهي ان تحققت ستخدم حماس بالتاكيد لكنها قبل ذلك تخدم "سيادة" تطمح الرئاسة الفلسطينية اليها وتخدم قبل كل شيء آخر الشعب المحاصر في القطاع.

نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com