إشكالية قراءة التراث (4 / 7)

ماذا يعني أن تفهم نصاً ما؟

أما حدث "قراءة التراث" فهو حدث تفسيري تأويلي، وجذره اللغوي يؤكد العملية التفسيرية التأويلية من حيث هو فعل يتضمن: الجمع والنطق والإبلاغ والبيان. كما أنه يتوافق مع الجذر اللغوي لفعلي التفسير والتأويل من حيث إنهما يتضمنان: الجمـــع والكشف والإبانة. ولا يختلف ـ أيضا ـ الجذر اللغوي لفعل القراءة وفعلي التفسير والتأويل عن فعلي الشرح والترجمة من حيث إنهما يشيران إلى: الكشف والبيان، والنقل والتفسير. هذا الاتصال الدلالي بين هذه الأفعال جميعاً يشير إلى أن كل فعل منها يتضمن الأفعال الأخرى بالضرورة، إن فعل القراءة ـ مثلاَ ـ يتضمن بالضرورة فعلي التفسير والتأويل، كما يتضمن فعلي الشرح والترجمــة.

ولا يعنينا في هذا السياق أن نعيد الجدل القديم الذي دار حول فعلي التفسير والتأويل من حيث إن الأول يشير إلى: "العبارة عن الشيء بلفظ أسهل وأيسر من لفظ الأصل"، ويشير الثاني إلى: "إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية ـ من غير أن ُينخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز ـ من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقة أو مقارنة أو غير ذلك من الأشياء التي عدت في تعريف أصـناف الكلام المجازي". ولا يقلقنا ـ أيضا ـ ما يطرحه حسن حنفي ـ حديثا ـ بأن فعل الشرح هو:

"العلاقة بين القراءة والنص، بين الذات والموضوع باعتبارهما موقفا معرفياً شاملاً".

لأن تلك العلاقة ـ فيما أتصور ـ تحتوي على جميع الأفعال السابق ذكرها أعلاه، وليس فعل الشرح فقط. وقد فطن القدماء أنفسهم إلى ذلك الاتصال والتشابك الدلالي بين هذه الأفعال جميعاً، فعلى الرغم من أن علم القراءة في الاصطلاح القديم كان يعني بكيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم، فإنهم عدوه فعلاً ملازماً لفعل التفسير. وقد أشار التهانوي في "كشافه" إلى ذلك بما رواه عن أبي حيان من أن:

"التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي يحمل عليها حالة التركيب، وتتمات لذلك".

ثم يشرح ذلك بقوله:

"فقولنا: علم، جنس، وقولنا: يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن هو علم القراءة، ومدلولاتها أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا متن علم اللغة، الذي يحتاج إليه في هذا العلم، وقولنا: وأحكامها الإفرادية والتركيبية، هذا يشمل علم الصرف والنحو والبيان والبديع، وقولنا: ومعانيها التي يحمل عليها حالة التركيب يشتمل ما دلالته بالحقيقة ودلالته بالمجاز، فإن التركيب قد يقتضى بظاهره شيئاً ويصد على الحمل عليه صاد فيحمل على غيره، وهو المجاز، وقولنا: وتتمات لذلك، هو مثل معرفة النسخ، وسبب المنزَّل، وتوضيح ما أبهـم في القـرآن ونـحو ذلك".

إن الاتصال الدلالي لفعل القراءة بأفعال أخرى يشير إلى أمرين، أولهما: تأكيد المعنى المعاصر للقراءة بوصفها عملية تنطوى على الفهم والكشف والتعرف، وثانيهما: أن فعل القراءة هو فعل هرمنيوطيقي في المقام الأول، فمثلما يشير فعل القراءة إلى عملية النطق والشرح والإبلاغ، فإن الفعل اليوناني (hermeneuein) يشير استخدامه ـ أيضا ـ إلى دلالات ثلاث:

أولاً : أن تعبر في صوت مرتفع بكلمات، وهذا يعني أن تلفظ أو أن تنطق.

ثانياً: أن تشرح، أو تكون في موقف شارح.

ثالثاً: أن تترجم، كأن تترجم من لسان أجنبي إلى لسانك.

ومثلما يتصل فعل القراءة دلالياً بأفعال مثل الشرح والتفسير والتأويل والترجمة في اللغة العربية، فإن الفعل اليوناني القديم يتصل دلالياً بفعل التأويل في الإنجليزية “to interpret” من حيث إنه يشير إلى التلاوة الشفوية، والشرح المعقول، والترجمة من لغة إلى أخرى.

هذه الدلالات التي تصل فعل القراءة بأفعال أخرى سواء كان ذلك في اللغة العربية أو اللغات الأجنبية تتجاوب جميعاً لتؤكد المعنى الهرمنيوطيقي لعملية القراءة من حيث إنها تسهم ـ أولاً ـ في تحويل المكتوب إلى منطوق، وهذا التحويل ليس استجابة مجهولة للعلامات على الورق مثل الفونوجراف، وإنما ينطوى على عملية فهم مسبق لما يصبح منطوقاً به، وينطوي أيضاً على عملية ضم العلامات بعضها إلى بعض في قران بما يتضمن ضم خطاب القارئ نفسه إلى خطاب النص الأصلي، "أن تقرأ النص يعني أن تضم أو تقرن خطاباً جديداً إلى خطاب النص، هذا الضم للخطابات يعلن ـ من خلال بناء النص نفسه ـ عن قدرة النص الأصلية على إعادة التجديد. إن التأويل هو النتيجة القوية للضم والتجديد".

هذا يؤكد أن موضوع تحويل المكتوب إلى منطوق هو موضوع إنتاجي بالدرجة الأولى، أو هو موضوع أدائي، يؤدي فيه القارئ خطابه وخطاب النص في الوقت نفسه. هذا لا يعني أن ينطق القارئ في حدث مشابه لحدث النص نفسه، وإنما يفترض أن ينطق بحدث جـديد يبدأ من النص نفسه.

وتسهم القراءة ـ ثانياً ـ في شرح ما هو غامض أو مختفٍ لتجعله واضحاً جلياً معلناً، أو بعبارة أخرى: إن القراءة تبحث عن المعنى المستتر وراء المعنى الظاهر، إنه بحث عما سكت عنه النص ونفاه واستبعده ولم ينطق به، ومهمة القارئ أن يشرح لماذا سكت النص؟ ولماذا اسـتبعد ونفى؟ إنه يشرح آليات اشتغال النص نفسه.

وتسهم القراءة ـ أخيراً ـ في الترجمة بين عالمين، عالم النص وعالم القارئ، إن الكتابة بوصفها مشكلة هرمنيوطيقية تخلق نوعاً من المباعدة بين النص والقارئ، كما يرى بول ريكور بحق، ولذلك فهناك الاحتياج الدائم إلى "هرمز" الإله اليوناني القديم أو بالأحرى إلى الوسيط الذي يتولى مهمة الترجمة من عالم إلى آخر.

هذا ما يجعـل "القراءة" قرينة مباحث تتصل بنظرية الهرمنيوطيقا، وليست الهرمنيوطيقاً أحد العلوم النفسية المعاصرة كما يقول حسن حنفي، وإنما هى نظرية لعمليات الفهم في علاقتها بتأويل النصوص، أو بعبارة أخرى: إن الهرمنيوطيقا هي:

"نظرية القواعد التي توجه تفسيراً ما، أي توجه تأويل نص خاص من النصوص أو مجموع العلامات التي يمكن النظر إليها بوصفها نصاً".

ومثلما يتحدد الإشكال المعرفي لعملية القراءة في ثلاثة أسئلة ثابتة ذكرناها أعلاه، فإن الهرمنيوطيقا تتعامل مع ثلاث قضايا رئيسية أيضا:

1 ـ طبيعة النص.

2 ـ ماذا يعني أن تفهم نصاً ما؟

3 ـ الكيفية التي يكون من خلالها الفهم والتأويــل محدداً من قبل افتراضات واعتقادات الجمهورالموجه إليهم النص المؤول.

والهرمنيوطيقا تتعدد مجـالاتها لتغطي حقولاً معرفية مختلفة، وكما تتعدد مـجالاتها تتعدد المناهج الهرمنيوطيقية التي لا تخص نصاً بعينه دون آخر، ولكنها تشمل كل أنواع النصوص.

أستاذ النقد الأدبي المشارك ـ كلية دار العلوم – جامعة المنيا