إشكالية قراءة التراث (3 / 7)

تضاد عاطفي تمارسه الذات العربية مع تراثها

ما التراث ؟ سؤال له ثقل الحضور في وعي الذات العربية القارئة، وربما ـ أيضا ـ في الفكر العربي المعاصر جميعه، لأن التراث يشكل إحدى القضايا الرئيسية التي تقلق الذات العربية في توجهها نحو صياغـة مشروعها المستقبلي الذي تطمح إليه. ويوازي حضوره حضور ذلك الآخر / الغرب / المتقدم، الذي يفرض نموذجه الحضاري سلطة على الذات العربية في مجالات معرفية شتى. أو بعبارة أخرى: إن الذات العربية التي تقع هنا مثقلة بما هو كائن هناك، من حيث إنه تاريخ هذه الذات أو فاعليتها الحضارية في زمن تاريخي معين، ومهمومة في الوقت نفسه بذلك الآخر / الغرب الذي يخطو خطوات سريعة جداً في تقدمه الحضارى.

وبين الوعي بتاريخ الذات (التراث)، وهمهـا بهذا الآخر، ينشأ ما يطلق عليه جابر عصفور "التضاد العاطفي" الذي:

" يربطنا بماضينا وتراثنا، من حيث هو مصـدر قوتنا، أصالتنا، هويتنا التي يعرفنا بها أصحابنا وأعداؤنا، ونعرف بها أنفسنا في الوقت نفســـه، سر ضعفنا، تبعيتنا، عقالنا الذي يعرقلنا بدل أن يكون قوة دافعة لنا، وذلك تضـاد عاطفي تنعكس عليه علاقتنا بالآخـــر بقدر ما ينعكس هو عليها. وفي الوقت نفسه، ينعكس كلاهما على علاقتنا بالواقع، الحاضر الذي نعيشه، والذي ينسرب فيه الوجود المتصارع للأنا والآخر، والذي يدفـعنا إلى الوعي المتوتر بهما وبه في آن.. " .

هذا التضاد العاطفي الذي تمارسه الذات العربية مع تراثها، يجعل من كل قراءة للتراث تعبيراً عن أزمة تشعر بها الذات، وتلتمس كل قراءة ـ أيضا ـ من التراث أن يقدم لها حلاً لهذه الأزمة، رغبة منها في أن تحقق ما لم تحققه بعد أو ما تطمح إلى أن تحققه. صحيح أن كل قراءة منقوعة في الرغبة كما يدعى رولان بارت، ولكن ثمة فرقاً كبيراً بين اللذة التي تحدث في عملية القراءة بوصفها لذة الاكتشـاف، وبين التعبير عن أزمة، وصياغة حل لها، نتيجة لخلل في العلاقـة بين الذات المدركة وموضوعها المدرك. ولقـد ألح كثير من قراء التراث على هذا المعنى، فـ أدونيس في كتابه "الثابت والمتحول" (1973) يرى ما يلى:

" أخذ كل جيل عربي أو كل مفكر يخيط موروثه رداء مطابقا لاتجاهــه الأيديولوجي: فهو تارة واحة العقل الحر، وتارة السجن والمعتقل، وهو طوراً مهد الديموقراطية وطوراً آخر مهد العبودية. وهو حيناً، يتضمن كل شيء، وحيناً فقير يحتاج إلى كل شيء".

ولا يختلف ما يطرحه أدونيس عما يطرحه طيب تيزيني في كتابه "من التراث إلى الثورة (1976):

"قضية التراث العربي في أوجهه المتعددة، قد عوملت من كثير من المفكرين والمؤرخين والمثقفين العرب عموماً، وطوال فترات تاريخية مديدة تنتهي بالمرحلة الراهنة... بكثير من العسف والرغبــــة في إخضاعه، سلباً وإيجاباً، وعلى نحو مبتذل، لمصالح وحاجات سياسية وعملية، أو أيديولوجية نظرية، أو غير ذلك من هذا القبيل".

أما الجابري فإنه يلح على هذا المعنى ـ أيضا ـ في كتابـه "نحن والتراث" (1980) :

"القارئ العربي... مثقل بحاضره، يطلب السند في تراثه ويقرأ فيه آماله ورغباته، إنه يريد أن يجد فيه "العلم" و"العقلانية" و"التقدم" و... و... أي كل ما يفتقده في حاضره، سواء على صعيد الحلم أو صعيد الواقع، ولذلك تجده عند القراءة، يسابق الكلمات بحثاً عن المعنى الذي يستجيب لحاجته، يقرأ شيئاً ويهمل أشياء، فيمزق وحدة النص ويحرف دلالته، ويخرج به عن مجاله المعرفي التاريخي. القارئ العربي يعيش تحت ضغط الحاجة إلى مواكبة العصر، والعصر يهرب منـه، إلى مزيد من تأكيد الذات، إلى حلول سحرية لمشاكله العديدة المتكاثرة، ولذلك تجده على الرغـم من أن التراث يحتويه، يحـاول أن يكيف احتواء التراث له، بالشكل الذي يجعله يقرأ فيه ما لم يستطع بعد إنجازه، إنه يقرأ كل مشاغله في النصوص قبل أن يقرأ النصوص".

تلح النصوص السابقة من حيث ملازمتها لدلالة أو دلالات مشتركة على تأكيـد العلاقة المتوترة بين الذات العربية وتراثها، علاقة تعبر عن أزمة تشعر بها الذات، ولذلك فإن هذه الذات عندما تقرأ تراثها ترغب في أن يقدم لها هذا التراث الحل لأزمتها الراهنة، وأن يقدم لها البديل الذي تستطيع من خلاله أن تهرب من تبعيتها للآخر ومواجهته في آن لكي تؤكد وجودها الفاعل.

هذه العلاقة المتوترة بين الذات العربية وتراثها تنعكس بدورها على تحديد معنى التراث أو الإجابـة عن سؤال: ما التراث؟ في جميـع القراءات. فلقد اصطلح عليه كثيرون أنه الموروث الثقافي والفكري، والديني، والأدبي، والفني للذات العربية، وهناك من يجعله ثقافة الماضي بتمامها وكليتها، فـ الجابري ـ على ســـبيل المثال ـ يرى أن هذه الثقافة:

"ليست بقايا ثقافة الماضي، بل هى (تمام) هذه الثقافة وكليتها: إنها العقيدة والشريعة واللغة والأدب والعقل والذهن والحنين والتطلعات، وبعبارة أخرى إنها في آن واحد: المعرفي والأيديولوجي وأساسهما العقلي وبطانتهما الوجدانية".

إن هذا المعنى يضع التراث في تضاد ضمني مع المنتج المعرفي الحديث والمعاصر، بالتأكيد على أنه ثقافة الماضي بتمامها وكليتها، وهذا يعني أنه حدث تاريخي انقضى وكف عن الوجود الفعلي. إننا لا ننكر أن التراث منتج معرفي ينتمي إلى سياق تاريخي معين وإلى زمن تاريخى معين أيضا، ولكن لا يمكن أن نعده بأى حال من الأحوال قائم الحضور هناك وكفى، لأن له قسطاً من الحضور هنا على مستوى التفكير والوعي به.

كما يفترض التعريف السابق قدراً من القداســة للتراث، وقد عزز هذه الصفة أو هذا الوهم ـ إن صح لي أن أستخدم ذلك ـ وجهة النظر التي ترى العقيدة الدينية والتشريع السـماوي تراثاً، مثلما قرأنا في تعريف الجابري السابق ذكره أعلاه "العقيدة والشريعة". ويبدو أن هناك خلطاً وتداخلاً عجيباً بين مستويات ينبغي الفصل بينها، فالعقيدة ليست هي علوم العقيدة، والقرآن ليس هو علوم القرآن، وعلم أصول الدين أو الفقه أو أصول الفقه ليست هي الدين نفسه، "فهذه العلوم جميعاً ـ لا استثناء لواحد منها ـ هي كلام تاريخي على الدين، وعلى الوحي، وهي بهذا الاعتبار تاريخية إنسانية. أما الوحي فهو نفسه الإلهي وهو المجاوز للتاريخ، تلك العلوم تراث أما الوحي فليس بتراث".

إن الفرق كبير جداً بين نص مقدس مثل القرآن، والخطابات التأويلية المختلفة لذلك النص، فهذه الخطابات لا تكتسب شرعية التقديس حينما تتأول المقدس، إنها بالأحرى خطاب الإنسان الفاعل المنتج حول الخطاب الإلهى الموجه إليه والذي يقع خارج دائرة الزمن، فالقرآن ـ كما وصفه الشيخ أمين الخولي ـ ليس تراثاً وإنما هو:

"كتاب العربية الأكبر، وأثرها الأدبي الأعظم، فهو الكتاب الذي أخلد العربية، وحمى كيانها وخلد معها... فالقرآن هو كتاب الفن العربي الأقدس".

وهناك تعريفات أخرى تجعل من التراث جزءاً من الواقع الذي تعيشه الذات العربية، ويشكل مخزوناً نفسياً لهذه الذات يتحكم بأفكاره ومثلــه في توجيه سلوكها، كما يرى حسن حنفي.

وهذا التعريف يقلــص معنى التراث ويحيله إلى جملة من العادات والطقوس وفنون الكلام وأصناف المشارب والمآكل والملابس. ويتعمد هذا التعريف تدميراً لتاريخية النص / التراث، ويفقده زمنه الخاص بعملية إنتاجه، بل يقطعه قطعاً منه "ليسكن حاضر القارئ ويصبح بعض أقنعته وأرديته". فليس ثمة فرق يذكر بين ما يدعيـه حسـن حنفي (1980) بأن التراث:

"هو مجموعة التفاسير التي يعطيها كل جيل بناء على متطلباته الخاصة... ليس التراث مجموعة من العقائـد النظرية الثابتة، والحقائق الدائمة التي لا تتغير، بل هو مجموع هذه النظريات في ظرف معين، وفي موقف تاريخي محــدد، وعند جماعة تضع رؤيتها، وتكون تصوراتها عن العالم".

وبين ما يدعيه نورى حمودي القيسي (1985) بأن التراث:

"ليس وليد فترة زمنية محددة أو جهدا فرديا، وإنما حصيلة تجارب حية، وتفاعلات واعية، واجتهادات علمية، وما أثير من مواقف وطرح من آراء وعرض من اخفاقات واستجد من أحداث وتحديات، وبرز من قدرات، وأتيح من فرض وتساؤلات".

أو بين ما يؤكده محمود أمين العالم (1986) بأن التراث:

"لايوجد في ذاته! فالتراث هو قراءتنا له، هو موقفنا منه، هو توظيفنا له. قد أتجاهل التراث أو أكرره حرفيا، أو أفسره أو أستلهمه أو أهول من شـــأنه أو أهون منه. وقد أراه على هذا النحو أو ذاك. وفي أى موقف من هذه المواقف يفقد التراث ماضيه ـ حتى ولو كررته حرفيا ـ أي يفقد حقيقته الذاتيـة المرتبطة بغير شك بسياقه الزمني التاريخي الاجتماعي الخاص، ويصبح جزءا من زمني، من سياق حاضري الخاص".

واذا توقفنا عند نص العالِم الذي ينطق ـ بطريقة واضحة ـ بتدمير تاريخية التراث وسحبه من سياقه الزمني التاريخي، أو على حد تعبيره "يفقد ماضيه"، ليصبح جزءاً من سياق قارئه الزمني وحاضره وبعض مشاكله، فإن "التراث / النص" يبدو لا شيء، وإنما هو سلاح أيديولوجي لما يتبناه قارئه ويدافع عنه.

والعالم يبرر ذلك بمنطق يرى فيه أن:

"الموقف من التراث، ليس موقفا من الماضي، وانمــا هو موقف من الحاضر، فبحسب موقفي من الحاضــر يكــون موقفي من الماضي، وليس العكس كما يقال أو كما يظن".

هكذا يهدم العالم الحقيقة الموضوعية للتراث، بالإشارة إلى أن الموقف من التراث ليس موقفاً من الماضي وإنما هو موقف من الحاضر، ولكن الموقف من التراث يختلف اختلافاً جذرياً عن كون التراث حقيقة تاريخية موجودة بالفعل والقوة معاً، وحتى الموقف من التراث أو قراءتنا له يسهم فيها النص / التراث بسياقه المعرفي وشرطه التاريخي، إذ أن التعرف على سياق النص/ التراث التاريخي والمعرفي هو أولى الخطوات التي يتخذها القارئ من أجل تأويله أو إعادة تأويله، وهي تسهم من غير شك في اتخاذ موقف منه، سواء كان هذا الموقف موقفا سلبيا أونقديا أو نقضيا.

والعالم في سياق آخر يرى أنه لم يقصد نفي الحقيقة الموضوعية للتراث، شارحا ما قصده في السياق الأول ويتم ذلك من خلال خطاب مراوغ تبدو فيه الحيلة لممارسة سلطة إقناعية على قارئه، فيقول:

ليس في هذا الكلام ـ في تقديري ـ أية شبهة لنفي الحقيقة الموضوعية للتراث، أو رؤيته على نحو ضبابي لا كيان له. وإنما هو تأكيد لتعدد قراءة التراث وتفهمه بحسب موقف القارئ أو الدارس فكريا وعلميا واجتماعيا وأيديولوجيا، إنها زوايا مختلفة لقراءة التراث".

إن العالم ـ فيما أتصور ـ لم يقدم دليلاً على نفي شبهة التدمير التـــاريخي للنـــص / التراث سوى ما يطرحه عن تعدد القراءة بتعدد قارئيها، ولكن هذا ـ في حد ذاته ـ لا يعني أن يسحب التراث من زمنه الذي أنتجه ليسكن زمن القارىء الذي يعيد إنتاجه، فهذا شيء وذلك شيء آخر.

إن التراث أنتج في فترة زمنية معينة، وبشر بأعينهم يعزى إليهم صنعه وإنتاجـه، أو بعبـارة أكثر تحديداً: إن الثرات ـ فيما أظن ـ خطاب الإنسان العربي في فترة زمنيـة معينة، وقد نقل إلينا عن طريق الكتابة أو بالأحرى إن الكتابة أثبتت هذا الخطاب فجعلته نصاً إن ذلك يعني ـ باختصار شديد ـ أن التراث هو مجموع النصوص التي أنتجت في فترة تاريخية محددة، ومارست هذه النصوص سلطة معرفية على عقل وارثها، فأصبحت جزءاً من وعيه وبنية تفكيره.

أستاذ النقد الأدبي المشارك ـ كلية دار العلوم – جامعة المنيا