إشكالية قراءة التراث (1 / 7)

فتح مستويات من المعنى المضمن في المعنى الحرفي

تضطلع هذه الدراسة بفحص "إشكالية قراءة التراث"، بوصفها إشكالية قائمة في قراءة النصوص التراثية التي تنتمي إلى مجالات معرفية مختلفة.

ونرى أن هذه الدراسة مشروعة لأسباب نوردها فيما يلي:

أولاً : إن "إشكالية قراءة التراث" إشكالية واحدة لا تتغير ولا تتبدل بتغير وتبدل الحقل المعرفي. إن كل قراءة للنص / التراث تطمح ـ فيما أتصور ـ إلى إنتاج معرفة جديدة بالنص المقروء سواء كان هذا النص نصاً أدبياً، أو فلسفياً، أو دينياً، أو نقدياً، أو سياسياً... إلخ، ولذلك ينطوي الإشكال المعرفي لعملية قراءة التراث على علاقات أساسية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، مما يجعل من هذا الإشكال "إشكالاً واحداً في قراءات متعددة متباينة بتعدد حقول التراث وتباينهاً". وسوف نوضح هذه النقطة تفصيلاً في فقرة لاحقة.

ثانياً : إن النصوص التراثية على الرغم من انتمائها إلى مجالات معرفية متباينة لا فرق بينها بوصفها نصوصاً في المقام الأول، قابلة لعملية الانقراء، أو بالأحرى ما يمكن أن نطلق عليه قابلية النصوص التراثية لعملية التأويل، فلا فرق يذكر بين النص الأدبي أو النقدي أو الفلسفي أو الديني أو السياسي، إن كل ذلك موضوع للقراءة والتأويل. ربما يبدو صحيحاً أن إجراءات عملية القراءة تختلف من نص إلى آخر، ولكن هذا لا يعني أن هناك فروقاً بين النصوص.

إن الافتراض الذي يتوهم أن ثمة نصاً ما يمتلك قابلية لعملية القراءة أكثر من نصوص أخرى، تهدمه حقيقة النصوص بوصفها وقائع خطابية مثبته عن طريق الكتابة، وتهدمه أيضا حقيقة التأويل الذي وصفه بول ريكور بأنه "عمل الفكر الذي ينطوي أو يتوقف على فك شفرة المعنى المختفي في المعنى الظاهر، أو كشف وفتح مستويات من المعنى المضمن في المعنى الحرفي".

ويشترك في ذلك النص الأدبي والنقدي والفلسفي، والديني وحتى العلمي يستخدم هو الآخر تقنيات مجازية إن صح لي أن أتوهم ذلك.

ثالثاً : إن وجهة النظر التي ترى النصوص التراثية جزراً معرفية متباينة لا يمكن الربــط بينها، هي وجهة نظر مضلِلة ومضللة، لأنها تفتقد الرؤية الشمولية للنص / التراث. "وما التراث إلا موجود لغوي قائم الذات باعتباره كتلة من الدوال المتراصفة"، كما يرى المسدي بحق في دراسته عن "التفكير اللسـاني في الحضارة العربية".

وينبغى أن ننظر إلى هذا الكل جميعاً وليس جزءاً من الكل، فالذي يقدم قراءة للنص التراثى النقدي ـ على سبيل المثال ـ فقط، يهدم وحدة الموجود الكلي أو على أقل تقدير يهدم الحضور التاريخي للنص النقدي داخل النص التراث ككل، فمن منا يستطيع أن يفصل الدرس النقدي عن الدرس البلاغي ناهيك عن علاقتهما بالدرس اللغوي والفقهي والفلسفي، "فالتراث النقدي لا ينفصل ـ رغم اسـتقلاله النسبي، أو بسبب استقلاله النسبي ـ عن غيره من الحقول المعرفية من ناحية، وعن التيارات الفكرية الكبرى التي يدور في فلكها هو وغيره من الحقول المعرفية من ناحية ثانية".

أستاذ النقد الأدبي المشارك ـ كلية دار العلوم – جامعة المنيا