إشكالية الموت والحياة .. قراءة في سفر ألف دال (6 / 7)

أشعر الآن أني وحيد

برزت فكرة الحرب في الإصحاح الثاني سريعاً، ثم تبرز مرة أخرى تفصيلاً في الإصحاحين السادس والثامن، إن فكرة الحرب كما أشرت سلفاً، لا تطرح فكرة الموت فقط، وإنما تطرح فكرة الالتباس الإشكالي للموت والحياة.

الحرب هي موت وحياة معاً، إنها تنفي المحتل خارج الوطن وتعيد الأرض المسلوبة لكنها تصيب الأخ والزوج، إنها تأخذ بقدر ما تعطي، هي مسئولة عن تطهير الأرض وتدمير شرف المرأة وعفتها.

إن الحرب لا تحقق النصر فقط وإنما تحقق الخراب والدمار أيضاً؛ إن الإصحاحين السادس والثامن، فيما أعتقد، يطرحان مساءلة الحرب، واكتشاف الالتباس الإشكالي للموت والحياة:

كان يجلسُ في هذه الزاويةُ

كان يكتب، والمرأة العارية.

تتجوَّل بين الموائد، تعرض فتنتهَا بالثمن

عندما سألتهُ عن الحربِ، قال لها . .

لا تخافي على الثروةِ الغالية

فعدوُّ الوطن

مثلنا يختتنْ

مثلنا . . يعشق السِّلَعَ الأجنبيَّةَ،

يكره لحمَ الخنازير،

يدفعُ للبندقية .. والغانية.

. . فبكت!

يقترن سؤال الحرب بالغانية، ويتعجب "ألف دال" من السؤال، فهو يجلس في زاوية منعزلة، يكتب والمرأة العارية تتجول بين الموائد، وتعرض فتنتها بالثمن، لكن ما يستدعي الانتباه أن فعل الكتابة يتم في فراغ مطلق وفي زاوية منعزلة، وهو فعل لا يعتني كثيراً ربما بسؤال الحرب الذي طرحته الغانية. لم يلتفت الفعل إلى علاقة الغانية بالحرب، بل تعجب من أن الغانية تهتم بشئون الحرب، الغانية أجهشت بالبكاء، فتدفع الكتابة إلى اكتشاف الالتباس:

كان يجلس في هذه الزاوية

عندما مرَّت المرأةُ العارية

ودعاها، فقالت له إنها لن تُطيل القُعودْ

فهي منذ الصباح تُفتَشُ مستشفيات الجنود

عن أخيها المحاصر في الضفة الثانية

عادت الأرض . . لكنَّه لا يعود

وحكت كيف تحتملُ العبء طيلة غربته القاسية

وحكت كيف تلبس – حين يجيء – ملابسها الضافية

وأرَتْهُ له صورةً بين أطفاله .. ذات عيد

. . وبكت!!

يأتي الاكتشاف مقترناً بالبكاء مثلما اقترن التعجب من سؤال الحرب بالبكاء. إن الحرب أخذت الأخ، ودفعت المرأة العفيفة إلى البغاء. لقد عادت الأرض وتم تطهير الأرض لكن المرأة فقدت عفتها من أجل أن تتحمل عبء أطفال الأخ الذي لا يعود. إن الموت ينشر أجنحته ويعبث بالحياة، ويعبث بشرف المرأة وطهارتها، ومثلما أخذ الأخ فإنه يأخذ الزوج، وتصبح السيدة المسبلة ذات اللفتات الودود سيدة أرملة:

آه .. سيدة الصمت والكلمات الشَّرُود

آه .. أيتها الأرملة!

إنه الالتباس الإشكالي بين الموت والحياة، والمدارات المتواشجة بينهما، التي تؤدي إلى وطأة الشعور بالحيرة الإشكالية، تلك الحيرة التي جسّدها الإصحاح السابع، الذي يقع نصياً بين الإصحاح السادس والثامن، إنه يتوسط سؤال الحرب، سؤال الغانية والسيدة المسبلة:

أشعر الآن أني وحيد،

وأن المدينةَ في الليلِ ..

(أشباحَها وبناياتها الشاهقة)

سفنٌ غارقة

نهبتها قراصنة الموتِ ثم رمتها إلى القاعِ منذ سنين

أسند الرأسَ ربَّانُها فوق حافتها،

وزجاجة خمر محطمةٌ تحت أقدامهِ

وبقايا وسامٍ ثمين

إن الحيرة الإشكالية التي تضرب بعقل "ألف دال" تنسرب في عملية الشعور بالغربة والوحدة داخل المدينة التي لا يبين منها شيء، ولا يستطيع أحد أن يقبض على شيء سوى دوال الموت: السفن الغارقة، وقراصنة الموت، وزجاجة الخمر، وبقايا الوسام.

إن المدينة قد تسلل إليها الموت فبدت مدينة الأشباح التي يعبث بها الموت، وتسلل إلى أهلها وربانها فعمدت إلى الذكريات الحزينة، ولاذ بحارتها وقادتها بالصمت، وكأن المدينة بكل ما فيها غارقة في ظلمة لا يبين منها شيء، وليس ما ينبئ بالحياة فيها سوى الأمل من الخروج من تلك المتاهة، وتلك الحيرة الإشكالية، فربما يعود علمها يخفق على الساريات الكسيرة، وربما تعود إليها الحياة والحركة قبل أن يصدأ الشوق إليهما، وربما تنتصر مدارات الحياة فتقف وجهاً لوجه مع مدارات الموت، وربما تنتهي الحيرة الإشكالية للحياة والموت.