إشكالية المثقف الديني

بقلم: د.علي عبود المحمداوي
إمكانيات المعانقة والمفارقة

من هو المثقف؟ ما تعريفه؟ وهل يمكن أن تكون الإضافة أو التقييد مقبولة مع تسمية المثقف، كأن نقول المثقف الديني على سبيل المثال؟

يعرف أركون المثقف بأنه "من يتحلى بروح مستقلة، محبة للاستكشاف والتحري وذات نزعة نقدية واحتجاجية تشتغل باسم حقوق الروح والفكر"، ومنه نرى النقد هو ما لازم معنى المثقف ومهمته.

وفي إجابة على التساؤل الآنف الذكر في معنى المثقف الديني يحاول زكي الميلاد (الكاتب السعودي) أن يجد ذلك التناسق والتجانس بين مهمة المثقف والمهمة الدينية وذلك من خلال اشتراكهما في هدف قول الحق والذي يقابله في مفاهيم منظومة المثقف الفكرية بمصطلح النقد.

وأرى أن حقيقة النزعة النقدية هي جوهر وماهية المثقف، وبالتالي فإن محاولة انتزاع النقد عن المثقف يمثل نفياً لهويته وكينونته، ومنه نتساءل أين نجد المثقف الإسلامي أو الديني؟ وهل يستطيع ان يوجه نقداً حراً مفتوحاً مع وجود تعاليم وحدود وقيود وقوانين تحد وتؤطر من مستوى ذلك النقد؟

وهذا التساؤل بقدر ما يمثل من خطورة في الفكر الإسلامي إلا أننا مطالبون بإجابة له! ويرى الميلاد إن الدين "لا يسلب من المثقف ... نزعة النقد ولا يمنعها أو يحظرها عليه، وإنما يرشدها ويضبطها، والدين لا يمنع النقد وإنما يمنع الضرر الذي قد يترتب عليه ولو احتمالا". وهذه الإجابة هي الأخرى تقودنا الى تساؤل آخر وهو؛ ما الضرر الذي يمكن ان ينتج من عملية النقد تلك التي يمارسها المثقف؟ أولسنا بحاجة الى إعادة صياغة مفاهيمنا المعرفية وبناء رؤانا وآرائنا بروح موضوعية ومواكبة للتقدم الحاصل على المستوى العالمي (بمستوييه العلمي والمعرفي)، أوليس كل ذلك إنما يكون مشفوعاً وملازماً للنقد وممارسته التي تقود الى هذه الأهداف والنتائج.

كل هذه التساؤلات حاول ان يجد الميلاد جوابا لها وأجاد (نوعا ما) في ذلك، من خلال تقريره ان العطاء النقدي وممارسته المتحررة من كل قيد، سواء كان دينيا او أخلاقياً او اجتماعياً، قد يحدث ضرراً كبيرا ستشهده المجتمعات والأفراد، و"يكون من نتائجها خلخلة تماسك وترابط وتضامن البنى والمؤسسات والتكوينات الاجتماعية خصوصاً ان ما يفصله عن الناس من مسافة جعله لا يقدر بشكل صحيح وموضوعي الأثر والنتائج التي تترتب على ما يقوله او يطرحه أمام الناس"، الا ان هنالك ما سكت عنه النص السابق عند الميلاد وهو تقريره الضمني بفكرة تعريف المثقف على انه ذلك المنطوي على نفسه الساكن البرج العاجي المنعزل عن الناس بوجوده وتصوراته وأفكاره، وهذا الرأي واحد من مجموعة آراء في تعريف ماهية المثقف ومهامه، وهنالك الطرف النقيض الذي يراه جزءا لا يتجزأ من المجتمع والمعبر الرسمي عن همومه ومشاكله وآرائه، ولنأخذ على سبيل المثال ادوارد سعيد فنجده يعرف المثقف في كتابه صور المثقف، بأنه من "يتفاعل مع أوسع جمهور ممكن، أي انه يتوجه إليه (ولا يستهجنه) فهذا الجمهور الواسع هو السند الطبيعي الذي يستمد منه المثقف قوته".

كما ولا يصح الأخذ بالرأي القائل بانعزالية المثقف كمهمة وماهية بل يمكننا ان ننظر الى ذلك الانعكاس كنتيجة واقعية، أي كانعكاس للواقع المعاش الاجتماعي الذي يؤثر مباشرة على المثقف وأفكاره، ولاسيما المثقف العربي والإسلامي، كما وان المشكلة تكمن في الجهل والاشتباه والتشبه، أي الجهل من قبل الجمهور والمجتمع الشعبي والتشبه من قبل السياسيين بالمثقفين، وفي ذلك تشويه للصورة تارة وتمويه لها تارة أخرى لذلك فإن "المثقفين العرب = المسلمين ... يتزايدون اليوم ... ولكنهم معزولون وواقعون بين فكي كماشة، فهنالك من جهة النخب السياسية التي تشتبه بهم دائما بل وتزيدهم أحيانا وهنالك من جهة أخرى الجمهور العام الذي لم يتم تحضيره بشكل جيد من اجل استقبال النظريات الفكرية والعلمية الجديدة".

وارى أن المزاوجة التي يصوغها الميلاد بين فكرة المثقف والمتدين لا تخلو من أن تكون بإحدى الصورتين أولاهما: إن هذه المزاوجة خاطئة لأصل فكرة المثقف والتي تعني من يمتلك الفكر الحر الناقد وذلك يخالف التدين الذي يفرض قيود وتعاليم معينة على المثقف بل ويحدد له زاوية الرؤية ومن منظار خاص وأيديولوجي في بعض الأحيان، وثانيتهما: أن تكون فكرة الميلاد تقصد أن نعيد صياغة مفهوم المثقف من قبل منظومة الإسلام الفكرية والتي لا ترى من بد في أن يكون المثقف وهو الناقد الحر يتماشى مع ضوابط تمثل الجانب الإيماني له، وبذلك فلا يقيدنا مفهوم المثقف حسب النظرة الغربية وإنما يجب أن نخرج خارج دائرة ذلك التعريف لكي نحدد تعريفا آخر يتفق مع المهام المكلف بها المثقف الديني الإسلامي.

مهام المثقف الديني

ان "المثقف العربي او المسلم ملزم بالتواجد الكامل في القطاعات الساخنة التي يحسم فيها المصير التاريخي للمجتمع الذي ولد فيه ولا يمكنه ان يهرب من المسؤولية او يدير ظهره لما جرى ويجري"، من هذه المقدمة يمكننا ان ننظر للمثقف على انه من لا يتوانى لحظة من ان يكون ذا شأن على الصعيد العملي والذي يقتضي ان يكون حاضرا فيه بشدة ترتقي الى مصاف القيادة والتوجيه والتخطيط في اغلب الأحيان، والقصد من ذلك ان مهام المثقف الديني بالخصوص اليوم إنما هي مرتبطة باحتياجات المجتمع العربي والإسلامي لإنتاج فكري متواصل متجدد ينظر الى المسألة الإسلامية على انها الهم المعاصر الذي تعتريه الشبهات والإشكالات من كل صوب وحدب وعليه ان ينبري لها، لذلك نجد الميلاد يورد بعض مهام المثقف الديني كضرورة لعمله من اجل الإصلاح وممارسة مهمته الأساسية وهي قول الحق = النقد، ومن تلك المهام:

1. إنتاج المعرفة وتنمية الثقافة.

2. مواجهة الاختراق الثقافي.

3. توجيه الاهتمام الى المشكلات الكبرى في الامة.

4. تطوير وعي الامة بمشكلات العصر.

5. الاندماج والمشاركة الإنمائية في المجتمع.

ومن النظر إلى المهام الآنفة الذكر للمثقف، نجد ان الميلاد حاول الانتقالة من المجال الخاص للمثقف ودفعه باتجاه المجال العام والواقع المعاش الإسلامي، والتصدي لمشكلاته، فمن إنتاج المعرفة والثقافة على المستوى الفردي للمثقف (بغض النظر عن الأثر المترتب على تلك المعارف من الجمهور) إلى توجيه اهتمامات المجتمع بالإرشاد والنصح إلى تطوير ذهنيات المجتمع من خلال المشاركة والخطابة والكتابة، وبذلك نوع من الاندماج ما بين المثقف ومجتمعه إلى اللحظة الكبرى ونهاية المطاف وهي المشاركة كفرد مندمج في المجتمع ويستطيع ان ينمي من قدرات مجتمعه ويرفع من مستواه المعرفي والثقافي والذي هو أس كل المستويات الأخرى (الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية،..).

د. علي عبود المحمداوي ـ مدرس الفلسفة المساعد في كلية الآداب - جامعة بغداد