إشكالية الكتابة والصعود إلى الأطفال

بقلم: إياد الدليمي
الكتابة السهلة سبب البلاء في القراءة الصعبة

لا تبدو عملية الكتابة للأطفال بالسهلة، حتى وان اعتقد بعض ممن ركب موجتها ذلك، فحقيقة الامر اننا ازاء عنصر بشري مغاير تماما لما قد نعتقد، واذا ما تخيل البعض ان الكتابة للأطفال تتلخص في سهولة العبارة وبساطة الفكرة، فإنهم، على ما يبدو، يتوهمون.

لقد ظلت الكتابة للأطفال عملية معقدة وعسيرة لدى من يمارسها، فهو يكتب لمتلق آخر غير الذي نعرف، متلق متلون سريع الانفعال، انطباعي، غير متمرس بعد على القراءة، ذو خيال جامح وتركيبة نمو متصاعدة وبسرعة كبيرة، وقدرات عقلية متفاوتة، وايضا مزاجية عالية.

طفل يعيش كل صنوف المتع الالكترونية الحديثة التي تجعل مهمة سحبه الى بساط القرءاة، معقدة وعسيرة، وربما مستحيلة، اذا لم يتقن مخاطب الطفل، كيفية الاستعانة بعوامل سردية وفكرية وحتى لونية ، جذابة.

ان الكتابة للأطفال، فن وابداع واحتراف وقدرة ومهارة ذوقية، قلما تتوفر لدى اصحاب الاقلام، بل هي المهمة الاكثر صعوبة للكتاب، فعلى الرغم من وفرة المنتوج، من كتب ومجلات وقصص، الا ان النزر اليسير منها يمكن له ان يجذب الطفل.

يقول جون ايكن في كتابه "كيف تكتب للاطفال" ان اعظم اثم يقترف بحق الاطفال "هو تأليف كتاب لهم وفق صيغة معينة".

والصيغة وفقا ايكن هنا هي تلك الحبكات التي دأب عليها مؤلفو قصص الاطفال من قبيل "فتاة تحاول البحث عن هويتها، دب لا يحب اللعب مع الدببة الاخرى، اطفال يفقدون كلبهم ويجدونه بمساعدة جار لهم فقدوا الثقة به".

ولعل الكثير من قصص اليوم التي استسهلت مخاطبة الطفل، تنزع الى شيء من تلك الصيغ المكرورة، متناسية ان طفل اليوم، ابن الانترنت والبلاي ستيشن والاكس بوكس، غير طفل ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بل هو ليس طفل الثمانينيات حتى، ناهيك عن عدم اجتهادية في طرح حتى تلك الصيغ القديمة بقالب سردي مميز.

ذلك لا يعني بحال من الاحوال ان طفل اليوم لا يمكن ان ينشد الى قصص قديمة، بل على العكس، اننا نجد اليوم نزوعا لدى اغلبية الاطفال للانشداد نحو قصص شعبية قديمة وحكايات مرت عليها قرون وليس عقود، مما يؤكد ان عملية جذب الطفل انما تحتاج وقبل كل شيء الى الفكرة القادرة على ان تجمع بين دفتيها مجموعة من العناصر الاخاذة المشوقة التي تلامس خيال الطفل ولغته العفوية.

ان ثورة الاتصالات والتكنولوجيا التي غيرت وجه العالم في غضون العشرة اعوام المنصرمة، انعكست على اطفال اليوم، فكلما تقدمت الاكتشافات وتطورت ثورة الاتصالات ، كلما قصر عمر الطفولة، فطفل اليوم يمتلك ما لم يمتلكه كبير الامس، وليس طفله، وبالتالي فإن مهمة الكتابة له تزداد صعوبة، وتتحول الى عملية مشي بين حقل شائك، من الصعوبة بمكان ان تستدل على نهايته.

لقد لعبت الافكار المعدة سلفا عن الاطفال دورا سلبيا في التعاطي مع ادبهم وما يكتب لهم، فطالما ظن البعض ان الالية التي يخاطب بها الطفل يجب ان تكون بسيطة ميسرة، بفكرة جذابة بعيدة عن التعقيد، ليكتشفوا فيما بعد ان لدى الاطفال قدرات اضافية ابعد ربما عن تلك التي يفكر بها الكبار.

ما يكتب للطفل ينبغي ان يأخذ بنظر الاعتبار القدرة على الوصول الى مكامن النفس ومحاورتها بما تعتقد، لا بما يعتقد الكاتب، فأكثر ما يمكن ان يبعد الطفل عن القصة الموجهة له، حينما تكون مكتوبة بفكر كاتبها لا بفكر المخاطب.

يقول "شريدان كيلو" ان الكتابة السهلة "سبب البلاء في القراءة الصعبة".

الصعود للأطفال

ولعل واحد ابرز المشاكل التي تواجه من يتصدر لمشهد الكتابة للطفل، انه لا يستطيع بسهولة مغادرة ذاته الكبيرة والصعود، وليس النزول، الى مستوى قارئه، وأقول الصعود، لان كثيرا مما يكتب للأطفال، وبطريقة ناجحة، يتحول الى مادة يتلقفها الكبار قبل الصغار.

ان معضلة خروج المؤلف من شخصيته مازالت تشكل عائقا امام فشل العديد من كبار المؤلفين ممن تصدوا للكتابة للطفل، وخاصة في مجال القصة.

من المهم جدا ان يفكر كاتب القصة الموجهة للطفل بالصورة وان لا يشغل نفسه كثيرا بالفئة العمرية الموجهة لها القصة، فاذواق الاطفال، كالكبار، تختلف، وهي بالتالي تبحث عما يثيرها، التفكير بالصورة التي سترافق الفكرة، صورة الشخصية والمكان، وحتى الالوان، اهم بكثير من التفكير بالفئة العمرية التي ستوجه لها القصة.

يقول تولستوي "من السنة الخامسة الى السنة الخمسين خطوة واحدة فقط، ولكن من الطفل الوليد الى السنة الخامسة مساحة شاسعة جدا".

لقد نجح بعض من خاطب الاطفال في قصصه لانه مزج بين السرد والصورة، فعلى سبيل المثال رسم بياتريكس بوفر جميع الرسومات الخاصة بقصصه الموجهة للأطفال، وهو امر وان كان نادرا، إلا انه يمثل قمة في الابداع الموجهة للأطفال، فكاتب القصة اقدر على تشكيل شخوصها، وهو الاعراف بقيمة اللون الذي يضعه على الصفحة المكملة للنص.

الكتابة للطفل.. لا للثراء

واذا كان لادب الطفل غايات، تتباين من مجتمع لآخر، الا انها في النهاية تتفق على اهمية التنشئة السليمة القائمة على سلسلة من المباديء والاهداف التي تسعى الدول لترسيخها، وهو ما يجعل هذه الاهداف مجتمعة في يد مؤسسات، حكومية او شبه حكومية، لا تبحث عن الثراء والربح مما تنشره للأطفال، الامر الذي قد يحولهم لمشروع ربحي بحت بعيدا عن منظومة القيم التي تسعى لترسيخها الدول.

وهذا ما وقعت فيه اغلب دولنا العربية التي فشلت حتى الان في تكوين منظومة مؤسساتية تعنى بثقافة الطفل، الامر الذي حول تلك المشاريع الى قطاعات خاصة تسعى لتحقيق الربح من وراء ما تكتب وتنشر للطفل، فكان ان ملئت المكتبات العربية بسرديات للأطفال هي ابعد ما تكون عن ذلك.

يقول جورج اليوت في كتابة "اوراق من دفتر": "اذا لم يكن الادب ممتازا بشكل رائع فانه يكون تافها ويجب على الكاتب ان لا يجعل التأليف مهنة ذات نزعة تجارية لكي يثري من ورائها".

إياد الدليمي ـ كاتب عراقي

Iyad732@yahoo.co.uk