إشكالات وتحوّلات الوجود الفلسطيني في لبنان

بقلم: ماجد كيالي

ظلت مخيمات اللاجئين في لبنان تشكل نوعا من حالة استثنائية بين مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الأخرى، سواء في الأراضي المحتلة (الضفة والقطاع)، أو في سوريا والأردن، قبل انطلاقة حركة التحرر الفلسطينية وبعدها.
ففي مرحلة ما بعد التشرّد والنكبة، وفي ما قبل انطلاقة الكفاح المسلح، عانى فلسطينيو لبنان من التهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، الناجم، على الأغلب، من تداعيات التركيبة الطائفية والمذهبية السائدة في هذا البلد.
بعد تأسيس منظمة التحرير، وانطلاقة العمل الفدائي في منتصف الستينيات، شهدت مخيمات لبنان حالة من النهوض السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بعد أن بات لبنان بمثابة قاعدة مستقلة (بمعنى ما) للعمل الفلسطيني المسلح. في حين لم توجد هذه الحالة في أماكن أخرى، إذ تم حسم هذا الأمر نهائيا وبفترة مبكرة في الأردن (أيلول 1970)، لجهة منع التواجد العسكري الفلسطيني. أما مخيمات سوريا فهي لم تشهد البتة مثل هذه الحالة من العسكرة للمخيمات، أو لجهة تحدي السلطات، لأسباب تتعلق بوضع مخيمات الفلسطينيين، وقوة السلطة السورية.
ويبدو أن وضع لبنان، بتناقضاته الداخلية والمعطيات العربية والدولية، التي كانت سائدة في السبعينيات والثمانينات، سهّلت تفشّي الظاهرة المسلحة في المخيمات، وتغوّلها، في سيطرتها على هذه المخيمات، واحتكاكها السلبي بالوضع اللبناني، خارج نطاق الوظيفة المفترضة أو المنوطة بها، وهي مقاومة إسرائيل.
على ذلك يمكن اعتبار فلسطينيي لبنان، بين كل تجمعات اللاجئين، أكثر من دفع ثمن النكبة (1948)، وأكثر من دفع ثمن إطلاق الثورة الفلسطينية (في منتصف الستينات)، وانحسارها (بعد العام 1982)، وأيضا أكثر من دفع ثمن ولوج طريق التسوية (1993)، وانتقال مركز العمل الفلسطيني إلى الداخل.
منذ البداية لم يستطع لبنان بأحواله وتعقيداته هضم الفلسطينيين اللاجئين، حيث قطن غالبيتهم في 12 مخيما (من أصل 59 مخيما في بلدان اللجوء)، في أوضاع مزرية، وحرموا من العمل في عشرات المهن، وتم إخضاعهم لنوع من المراقبة الأمنية ما فاقم حال البؤس والحرمان لديهم.
هكذا لم يكن بوسع لبنان الرسمي التعاطي مع اللاجئين الفلسطينيين وفق المفاهيم الوطنية والقومية، باعتبارهم جزءا من الأمة العربية، ولا التعاطي معهم من البوابة الإنسانية، باعتبارهم ضحية للعدوان والتشرد، للتخفيف من معاناتهم، بقدر ما تعاطى معهم باعتبارهم موضوعا سياسيا وأمنيا. وكانت التبريرات الرسمية، في هذا الشأن، تنصب على ضرورة تفهم حساسية، أو فرادة وضع لبنان، بمعنى تفهم تعقيدات تركيبته الطائفية؛ في محاولة للتحسّب من امكان أن يخلّ الوجود الفلسطيني في لبنان، بالتركيبة اللبنانية.
في أواخر الستينيات وبعد بروز حركة التحرر الفلسطينية، دخل لاجئو لبنان في مسار جديد مختلف، حيث تمكنوا من إعادة بعض الاعتبار لذاتهم، عبر الانخراط الواسع والنشط في التشكيلات الفلسطينية بكافة أشكالها: السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية. وكانت الحركة الفلسطينية نجحت، بهذه التشكيلات، وبفضل الدعم المالي الذي أغدق عليها، في إقامة نوع من دولة داخل الدولة في لبنان، وخصوصا بعد إخراجها من الأردن (1970)، كما قدمنا.
وبديهي أن هذا الوضع أدى إلى انعكاسات متباينة على الوضعين الفلسطيني واللبناني، إذ بات للفلسطينيين عموما، وخصوصا للاجئين، نوع من كيانية سياسية تناطح من أجل دحر الاحتلال من أرضها، وبات للاجئين وتحديدا في لبنان نوع من حماية، أو نوع من تعويض، في مواجهة السياسات الرسمية المجحفة.
المشكلة أن هذا الوضع الجديد للفلسطينيين، ولاسيما بحكم الفوضى والانفلاش السائدين في العمل الفلسطيني، خلق نوعا من السلطة المزدوجة في الساحة اللبنانية، وأقحم الفلسطينيين في الملفات الداخلية اللبنانية المعقدة، ما أدى إلى احتكاكات سلبية ودامية بين حركة التحرر الفلسطينية، من جهة، والسلطة اللبنانية ومعها القوى اللبنانية المتخوفة من الوجود الفلسطيني والمعترضة عليه.
بعد الغزو الإسرائيلي للبنان (1982)، وخروج قوات منظمة التحرير منه، تكبّد اللاجئون في لبنان خسائر معنوية وسياسية وبشرية فادحة. فقد خسروا كيانهم المعنوي الموحد، وتعبيراتهم السياسية الوطنية، وعادوا من جديد وحدهم في مواجهة السياسات المجحفة التي تنتهجها الدولة اللبنانية ضدهم، بدعوى رفض التوطين. وفي هذه المرحلة حدثت مجازر صبرا وشاتيلا (1982)، ثم الاقتتال الفلسطيني في البقاع وطرابلس (1983 ـ 1984)، ثم حروب المخيمات، التي شنتها بعض القوى اللبنانية بدعوى محاربة نفوذ عرفات (1985 ـ 1987)، كما تجدد الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني أكثر من مرة، في بعض المخيمات.
المعضلة اليوم أن المخيمات الفلسطينية في لبنان تبدو مكشوفة للتوظيفات والتجاذبات السياسية المحلية والإقليمية، بعد أن باتت، لأغراض، متباينة مجرد جزر أمنية، بدليل ما حصل مع ظاهرة "فتح الإسلام" في نهر البارد، والتلميحات إلى ما يمكن أن يحصل بمخيمات أخرى. وبدليل تحول مخيم عين الحلوة إلى جزيرة أمنية، تعشعش فيها بعض القوى المتطرفة والخارجة عن القانون، والمطلوبة من قبل السلطة اللبنانية.
على ذلك فإن المطلوب من كل الأطراف المعنية العمل على وضع حد لمأساة فلسطيني لبنان المديدة، وإنصافهم، لناحية الحقوق المدنية والاجتماعية، وتمكينهم من تخليق تعبيراتهم السياسية الجامعة، في إطار منظمة التحرير، لتوليد وضع يحول دون توظيف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الخلافات والتنافسات السياسية الضيقة، اللبنانية والفلسطينية والإقليمية، إذ يكفي الفلسطينيين اللاجئين في لبنان ما أحاق بهم من بلاوي التشرد والحرمان من الوطن والهوية. ماجد كيالي