إشارة 'غير أخلاقية' تحيل كوميديا تونسيا على التحقيق

حصار الفن في أوجه

تونس - استدعت فرقة خاصة بجهاز الحرس الوطني التونسي الثلاثاء الفنان الكوميدي التونسي الشهير لطفي العبدلي للتحقيق معه بتهمة القيام بحركة "غير اخلاقية" خلال برنامج تلفزيوني حضره وزير حقوق الإنسان التونسي سمير ديلو، كما قال الكوميدي.

وتعزز هذه المحاكمة مخاوف الفنانين في تونس من تزايد دور الإسلاميين ومن أن يستغلّوا وصولهم للحكم لتمرير أفكارهم، ولو بالقوة.

وقال العبدلي المعروف بانتقاده الحكومة التي تقودها حركة النهضة الاسلامية "تم استدعائي للمثول اليوم امام الادارة العامة للأبحاث والتفتيش بالحرس الوطني (..) وهي الإدارة المكلفة بالتحقيق في القضايا الإجرامية الكبيرة للدولة".

واضاف ان "هذا الامر يضحكني لأن سلاحي الوحيد هو الفكاهة والسخرية".

ويلاحق العبدلي بعد ان اقيمت بحقه دعوى قضائية بتهمة القيام بإشارة غير اخلاقية باصبعه الاوسط خلال برنامج تلفزيوني مسجل، شارك فيه سمير ديلو وبثه تلفزيون حنبعل التونسي الخاص يوم 21 تشرين الاول/اكتوبر 2012.

وكان سمير ديلو وهو قيادي في حركة النهضة انسحب من البرنامج احتجاجا على ما اعتبره عدم احترام من الكوميدي.

ونفى لطفي العبدلي القيام بأي حركة أخلاقية بإصبعه خلال البرنامج وقال انه تلاعب فقط بالكلمات.

وكانت الشرطة رفضت صيف 2012 تأمين بعض عروض لطفي العبدلي في مهرجانات تونسية بعدما انتقد في احدى مسرحياته رجال الأمن باسلوب ساخر.

ويقول مراقبون إن المشهد الثقافي التونسي أضحى أشبه بصراع علني بين جماعة من المتشددين الإسلاميين وبعض الفنانين.

وفي 14 آب/اغسطس 2012 منع سلفيون لطفي العبدلي المتهم بالإساءة إلى الأخلاق الحميدة، من تقديم عرض مسرحي بمدينة منزل بورقيبة من ولاية بنزرت (شمال شرق) بعدما اتهمه امام مسجد بالمدينة بـ"التهكم على الدين الإسلامي" وهو امر نفاه العبدلي بشدة.

وفرش مئات الاسلاميين المتشددين السجاد أمام المركز الثقافي في المدينة التي تبعد حوالي 70 كيلومترا إلى الشمال من تونس العاصمة، وأقاموا صلاة في نفس المكان الذي كان من المفترض أن يقدم فيه الممثل لطفي العبدلي عرضا مسرحيا ليمنعوا بذلك العرض احتجاجا على مضمون المسرحية الذي قالوا إن فيه إساءة للإسلام.

وفوجئ العبدلي الذي كان يستعد لتقديم مسرحية "مايد اين تونزيانا مئة بالمئة حلال" وهي مسرحية ساخرة ينتقد فيها الخلط بين السياسة والدين بملاحقة إسلاميين متشددين له في كافة عروضه بهدف منعها.

وبالفعل نجحوا في منع عدة عروض قبل أن يستعين بمجموعة من الحراس لحماية عرضه في الحمامات.

وعرف لطفي العبدلي، وهو من أشهر الممثلين في تونسن بمواقفه الناقدة لنظام بن علي حتى قبل الثورة.

ويقول المسرحي التونسي "أنا لا أخشى التهديدات أو الاعتداء، ولكني أخشى بقوة من أن تسلب منا حرية التعبير والابداع -وهي المكسب الحقيقي الذي منحته الثورة للتونسيين- جراء عدم قيام الدولة بواجبها في توفير الحماية للمبدعين".

ويتهم لطفي العبدلي حكومة النهضة بالتواطؤ مع السلفيين المتشددين لأنها لا تتصدى لممارساتهم ضد النشاط الفني في البلاد.

وكان العبدلي قد اشتكى في وقت سابق من تعرضه الى جملة من التهديدات على صفحته الخاصة على الفيسبوك، معربا عن تخوفه "من تكرار السيناريو الجزائري في تونس حين أهدرت دماء المثقفين الذين ثاروا على القمع."

ويقول كثير من التونسيين إن حرية التعبير أصبحت أبرز مكسب حصلوا عليه بعد رحيل بن علي في ظل استمرار الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد، غير انهم يرون أن هذه الحرية أصبحت في خطر في ظل هيمنة الحكومة الإسلامية على مراكز القرار في البلاد.

وفي شهر يونيو – حزيران 2012 شهدت البلاد مظاهرات عنيفة خلفت قتيلا وعشرات الجرحى احتجاجا على معرض قال اسلاميون انه عرض رسوما مست من حرمة الإسلام.

وعلى خلفية هذا المعرض استدعى القضاء الرسامة نادية الجلاصي في إحدى المرات القلائل التي تحاكم فيها فنانة في تونس في العقود الأخيرة.

وقالت نادية الجلاصي التي افرج عنها بعد المحاكمة "أنا مصدومة من أسئلة القاضي الذي سألني عن نيتي الحقيقية من رسم هذه اللوحات.. إنها أول مرة يقف فيها فنان في تونس أمام قاض ليسأله عن نواياه."

وحذرت من "خطورة انعاكسات التشدد الديني على حرية الإبداع والتعبير وفرض نمط عيش متشدد على كل التونسيين".

وقال وزير الثقافة مهدي مبروك إنه تم منع 12 عرضا فنيا هذا الموسم لأسباب أمنية وبسبب تهديدات مجموعات سلفية.

وقال الشاعر الصغير أولاد أحمد الذي تعرض للاعتداء في 2012، بسبب قصيدة يسخر فيها من بعض المتشددين إن

"حرية الإبداع في مرحلة حرجة في ظل حكم النهضة، أنا أعتبر أن النهضة متواطئة وأعتقد أن السلفيين والنهضة يتقاسمون الأدوار".

وعبر الصغير أولاد أحمد بدوره عن خشيته من "تكرار السيناريو الذي عاشته الجزائر في التسعينات بقتل وضرب المثقفين."

ومنذ وصولها الى الحكم نهاية 2011، تواجه حركة النهضة الإسلامية اتهامات متزايدة بمحاولة التضييق على حرية التعبير في البلاد.