إشارات مشجعة تدل على قرب استقرار لبنان

بقلم: حسان القطب

تشهد الساحة اللبنانية تطورات ملحوظة برزت بوضوح خلال الأيام القليلة الماضية. تقع هذه الأحداث ونحن على أبواب زيارة تاريخية يقوم بها البابا بنديكتوس للبنان. فالزيارة بحد ذاتها مؤشر إيجابي هام، نظراً لما يمر به لبنان من قلق امني وحوادث خطف واعتداءات في الداخل وعلى الحدود الشمالية مع سوريا ومن بعض حوادث إطلاق نار متفرقة واشكالات امنية، إلى جانب إطلاق تصريحات بالغة الشدة وذات نبرة عالية. مع ذلك ووسط كل هذا تأتي هذه الزيارة لتؤكد على اهمية استمرار لبنان الوطن والكيان برعاية عربية ودولية ومنها رعاية البابا بنديكتوس ودولة الفاتيكان، بالرغم مما يمر به لبنان والمنطقة عموماً، ورغم إغراق الساحة اللبنانية بالسلاح والمسلحين تحت أسماء ومسميات متعددة منها العشائر والأهالي وغيرها؟

وإلى جانب زيارة البابا إلى لبنان لا بد من التقدير إيجاباً الزيارات المتكررة لوزراء خارجية ودبلوماسيين غربيين ووزراء دفاع ومسؤولي جيوش غربية، وضرورة استثمارها في قراءة موضوعية ومتأنية لمستقبل لبنان وكيف يراه المجتمع الدولي، دون ان نتجاهل قيمة وأهمية المناورات المتعددة التي يقوم بها الجيش اللبناني مع قوات اليونيفيل في الجنوب اللبناني، ودون أن ننسى مشاركة لبنان في المناورات التي جرت قبل فترة في الأردن إلى جانب جيوش 19 دولة عربية وغربية. كل هذا يأتي في سياق تأكيد دعم لبنان واستقراره والأهم من كل هذا استمراره كوطن متعدد ديمقراطي ومستقر وان لا يبقى ساحة تصفية صراعات وتسوية حسابات، وهذا ما اكد عليه مؤخرا فخامة الرئيس.. إلى جانب ما أشار إليه إلى فخامته بانه هو من امر الجيش اللبناني القيام بملاحقة الخاطفين للرعايا العرب والأتراك ولأي جهة انتموا.. بهدف الإفراج عنهم. وأضافت صحيفة النهار خبراً وعلى لسان مراسلها الذي يتكلم باسم نبيه بري باستمرار، رضوان عقيل، بان بري قد أعطى موافقته على ملاحقة الخاطفين حتى في عمق الضاحية؟ وجاء مؤشر إيجابي أخر وهو توقيف الجيش لمجموعة من الخاطفين اللبنانيين المتعاونين مع المخابرات السورية في الشمال اللبناني بالتنسيق كما يبدو مع بعض الصحفيين الذين يقدمون خدماتهم للأجهزة المخابرات السورية باستدراج المعارضين السوريين بحجة إجراء مقابلة صحفية او المشاركة في عملية تسلل عبر الحدود وتصويرها ونشرها صحفياً كما استند في السابق ناصر قنديل في إشارته لأحد مراسلي محطة التلفزيونية.. لذا جاء هذا الاعتقال لاقامة الدليل على ان هناك من يسعى لضرب الاستقرار في لبنان واستخدام كافة الوسائل حتى الاعلامية منها.

ولكن لا بد من الاشارة إلى جملة وقائع ساعدت وأسست لما نشهده اليوم من تغيير على الساحة اللبنانية.

- الإشارة الروسية الأخيرة التي اطلقها الرئيس بوتين والتي طالب فيها بتأمين خروج أمن للرئيس الأسد وفريقه من سوريا ودون إراقة دماء.. وتأكيد لافروف لاحقاً على تفاهم روسي – اميركي على الأهداف في سوريا، لكن مع تباين في وجهات النظر حول استعمال الوسائل لتحقيق هذه الاهداف مما يعني أن التغيير في سوريا قد أصبح حتمياً.

- الموقف الصيني المستجد والذي أيد الانتقال السياسي للسلطة في سوريا. وهذا معناه أن إيران قد أصبحت وحدها صاحبة الموقف المؤيد لاستمرار الأسد.

- إغلاق السفارة الكندية في طهران والإيرانية في كندا كرد فعلٍ على موقف إيران المعادي للشعب السوري والمؤيد للنظام السوري وما يرتكبه.

- اللقاء الذي جمع جنبلاط مع الرئيس الحريري في باريس قبل أيام والتصريحات التي اعقبت هذا اللقاء، والحملة المبرمجة التي عاد إعلام حزب الله ليشنها على وليد جنبلاط مستحضراً الماضي ومتجاهلاً الحاضر.

- زيارة البطريرك الراعي لمنطقة الجبل لتعزيز المصالحة التي كان قد بدأها البطريرك صفير، والتصريحات الايجابية التي صدرت عن الطرفين والهادفة لطي صفحة الماضي.

- إطلاق الضباط المتهمين بحادثة قتل الشيخين في الكويخات عكار، وقدرة قوى 14 آذار وتيار المستقبل على ضبط ردات الفعل والامساك بالجمهورالغاضب على القرار القضائي، ومنع ردات الفعل، وهذا ما كان يتوقعه البعض.

- ملاحقة آل المقداد مع ما يمثله هذا من دخول قوى الأمن والجيش إلى عمق الضاحية (الرويس) واعتقال المتورطين في عمليات الاختطاف وقطع الطرق وحمل السلاح والتهديد به ومصادرة أسلحة ومعدات كان يقال عنها سابقاً "سلاح مقاومة"، وموافقة بري كما أسلفنا وسكوت حزب الله الملفت للنظر؟

- توقف قطع طريق المطار وسائر الطرقات في الفترة الأخيرة نتيجة الموقف الحازم لرئيس الجمهورية والجيش والقوى الأمنية وارتباك حلفاء سوريا نتيجة الوضع المتدهور للنظام السوري.

- مواقف نبيه بري الأخيرة التي اطلقها من النبطية (شيعي الهوية.. سني الهوى.. لبناني الانتماء).. للدلالة على تميزه عن مواقف حزب الله ومحور سوريا – إيران واستشرافه للتغيير القادم في المستقبل القريب.

هذه الوقائع تركت أثراً بالغاً وواضحاً على الواقع اللبناني من تبدل التحالفات وتغير المواقف ووضوح الرغبة الدولية في تثبيت استقرار لبنان وامنه ونموه وتطوره..ولكن لا يزال هذا الفريق يسعى لابقاء الساحة اللبنانية عرضة للتجاذبات والمناورات وما جرى وأعلن من تصريحات يكشف وبوضوح عدم رغبة فريق لبناني في التجاوب مع المتغيرات الدولية والاقليمية او حتى فهمها والتعامل معها. ومنها...

- محاولة إثارة فتنة في منطقة صيدا عبر فتح ملف الحرب الأهلية من قبل أسامة سعد وبطلب ورغبة مباشرة من حزب الله حول موضوع استقبال قوى سياسية صيداوية لوفود من القوات اللبنانية، وكأن الحرب الأهلية لم تمر سوى في صيدا؟

- الحادثة المذهبية التي لم يتم تغطيتها إعلامياً وهذا امر جيد، والتي كادت تؤدي إلى فتنة سنية – شيعية؟ في جادة نبيه بري في منطقة حارة صيدا حين اعتدى عناصر من حارة صيدا (شيعة) على مواطنين من وادي خالد (سنة) لاسباب مذهبية وتحت هذا العنوان، ودون ان تحرك القوى الأمنية ساكناً.

- التصريحات العالية النبرة والتي تضمنت اتهامات وتهديدات مبطنة من قبل النائب محمد رعد والشيخ نبيل قاووق والوزير حسين الحاج حسن ورئيس الهيئة الشرعية في حزب الله الشيخ محمد يزبك وغيرهم من قادة حزب الله.

- مواقف العماد ميشال عون والتي يحذر فيها الأقليات في المنطقة في حال سقوط النظام السوري الحالي واعتباره ان نهاية لبنان هي في سقوط نظام بشار الأسد متجاهلاً كافة المواقف الدولية والعربية الراعية والضامنة والمؤيدة لاستقرار لبنان واستمراره.

- تصريح مساعد قائد الحرس الثوري الإيراني والتي اشار فيها إلى دور حزب الله الاستراتيجي في الرد على إسرائيل في حال مهاجمتها إيران. وهذا معناه انخراط لبنان مباشرةً في أية حرب مقبلة تتخذ طهران قرارها ويدفع الشعب اللبناني ثمنها..ونتائجها ويتحمل تداعياتها.

- الاتهامات السورية لقوى لبنانية بدعم الثورة السورية وتسليحها واستمرار قصف القرى والبلدات الحدودية في الشمال.

كل هذا يشير إلى استمرار ممانعة إيران لعودة الاستقرار إلى لبنان ومقاومة سوريا لسيادة لبنان ووحدة أراضيه وسلامة ابنائه، واعتبار حزب الله أن لبنان ساحة للمنازلة ومساحة لتسديد الفواتير وليس وطن يضمن عيش أبنائه واستقرارهم. وهذا ينذر بمزيد من خطوات التصعيد التي يجب أن نتوقعها في أية لحظة، لكن دون الوصول إلى حالة الانفجار بانتظار القرار الإيراني الذي أشار إليه مستشار قائد الحرس الثوري.

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات