إسلام... جزيرة بن جاسم

بقلم: محمد طعيمة

"تأييد جماهيري، مع حياة آمنة ذاقوا حلاوتها لأول مرة لمدة عام".
هنا، لا تتحدث "الجزيرة"، الأربعاء الماضي، عن إقليم أرض الصومال المستقر فعلاً منذ سنوات، وتتداول حكمه ثلاثة أحزاب، بل عن مدينة بيدوا "المُحررة"، وفق تعبير القناة القطرية، والتي تسيطر عليها حركة شباب المجاهدين المرتبطة بالقاعدة. هي ذات الحركة التي "مررها" فيصل القاسم إلى مُستمعي حلقة برنامجه "الاتجاه المُعاكس" عن تأثير الغناء سلبياً على الشباب العربي: "والمقاومة في فلسطين والصومال"، قالها بعفوية... كحقيقة مُسلم بها.
بالطبع ليست زلة تقرير أو لسان من فيصل، فالتقرير جزء من سياق دائم لتغطية ما يحدث في بلاد بونت. فسياسة فضائية حمد بن جاسم، تنحت بعناية تعبيرات مثل "مصر تحاصر غزة" لترسيخ مشاعر سلبية ضد هدف آخر للوزير القطري، الشقيقة الكبرى، وتُصر على الانحياز لمُسمى "عملية نهاريا"... الوصف الصهيوني بدلاً من "عملية القائد جمال عبدالناصر" كما أسماها بطلها الأسير المُحَرّر سمير القنطار. وفي المقابل تُصدر تعبير "الحكومة المقالة" لتمنح شرعية بقاء لحليفتها في غزة، أو "التي تسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية" لوصف شباب المجاهدين، ومُوظفين آخرين للإسلام من الصومال لباكستان. يجمعها تفسيرات/توظيفات مسيئة للدين الحنيف، تطال بشكل خاص المرأة والتعليم، وتنحاز لكل ما يعرقل تقدم المسلمين.
لا تحتاط الجزيرة، مهنياً، بتعبيرات مثل "التي تتبنى تفسيرات متشددة/متطرفة للإسلام" كما تفعل، عادة، رويترز أو الفرنسية في وصف هذه الميليشيات، لتفصل بين الدين وبين "توظيفه"، فالجزيرة مُتسقة مع هدفها: ترسيخ التوظيفات السلبية له. من الصومال، الجناح الأفريقي من "مصر العُليا" فرعونياً، تُمرر القناة القطرية صورة إسلام: يقتل من يشاهد كرة قدم... لأنها تُلهي عن العبادة، ويجلد المخالفين لحظر التجارة والنقل في توقيتات خمسة يومياً... لأنها تُلهي عن الصلاة. يحرم تعليم الإنجليزية.. لأنها لغة الجواسيس، والعلوم... لأن التعليم الشرعي يقتصر على اللغة العربية والدين، وأول أمس الجمعة حظر أجراس المدارس... لأنها تشبه نواقيس الكنائس. إسلام يهدم دور السينما ويمنع بث الموسيقى... لأنها تثير الفتنة، ويجلد 32 رجلا وامرأة لمشاركتهم في رقصة شعبية توارثوها عن أجدادهم... لأن الاختلاط حرام.
إسلام يُحرم على المرأة ارتداء "السوتيانات"... حتى لا تخدع "الذكر المسلم" بإظهار ثديها "المُترهل" مشدوداً. وللتأكد يُوقف عناصر "حسبة/شرطة" شباب المجاهدين النساء لهز صدورهن، كما حكت صومالية، لرويترز، ما حدث لها ولبناتها. ويهدد منظمات الإغاثة بوقف نشاطها في بلد يخرج من مجاعة إلا مجاعة إذا لم تفصل النساء اللاتي يعملن معها.. لأن عمل المرأة حرام. ويقطع رؤوس سبعة رجال يعملون معها... لأنهم "مسيحيون وجواسيس"، وينهب المساعدات الدولية ويفرض إتاوات على منظمات الإغاثة... لحمايتها في "الولاية الإسلامية التي تسعى لبسط الدولة الإسلامية في كل الصومال"، على حد وصف مراسل الجزيرة.
إسلام يجبر الناس على مشاهدة رجم امرأة مدفونة حتى الرقبة وقطع الأيدي وذبح الرقبة، ويدخل معهم في قتال دموي لإصراره على رفع "رايته السوداء" فوق المدارس بدلاً من العلم الوطني، ومع جماعة "أهل السنة والجماعة" لدفاعها عن الأضرحة التي يهدمها "الشباب" الذين لا يجدون غضاضة في ذبح كهلين وثلاث نساء كبيرات تصادف أنهم أصيبوا بالرصاص على هامش معركة مع "أهل السنة"... لأنهم "مشركون". إسلام يتقاتل تحت شعاراته الحليفان "الشباب وحزب الإسلام"، لأن الأولى ترى أن الثاني لا يلتزم كفاية بتطبيق الشريعة، فيسمح بغياب الحجاب ويتحفظ على الوحشية في تطبيق الحدود، والنتيجة مقتل ثلاثة من الحزب وجرح خمسة... وتنفيذ الرجم. لكن الحليفين يتفقان على أن الإسلام يُبطل الصيام ما لم يقترن بالجهاد ضد الحكومة "الكافرة"، لتشهد مقديشو في رمضان الماضي القتال الأسوأ خلال 20 عاماً، حصيلة يوم واحد منه 32 ضحية مدنية... بينهم 18 امرأة و7 أطفال.
قصص وسموم تتجاهلها الجزيرة. لن يراها جمهورها العربي... لكنها تصل لمثيله الغربي. فهي مشغولة، فقط، بتمرير عسل توصيفات خادعة، مثل "حلاوة حياة آمنة" و"المقاومة"، مدعومة بكاميرا تُركز على الهتاف الديني وعلى أطفال يقرأون المصاحف تحت الأشجار، وبتقرير مُصور عن تشكيل "الشباب" لواء القدس لتحرير الأقصى... ولفرض تطبيق الشريعة على العالم كله.
تتناسى جزيرة بن جاسم، هنا، أن سلطة مقديشو/الرئيس، المُكَفّرة، إخوانية، ومدعومة علناً من عضوين بالتنظيم الدولي بحجم يوسف القرضاوي وسلمان العودة، فالقضية ليست أيديولوجية، بل "التخديم" على تشويه وخطف ثان للإسلام... قبلته دائماً التوظيفات الأكثر تخلفاً، حيثما كانت. خطف ثان، يوظف تقنيات عصر المعلومات. خلف الأول، الوهابية، وقف الإنجليز ثم قاعدة الظهران الأميركية، وخلف الثاني تقف قاعدة العديد... الأميركية. محمد طعيمة m.taima.4@gmail.com