إسلاميو الغرب... أوروبا قاعة انتظار

قلق الغربي على تمدنه

تتفق أغلبية وكالات الاستخبارات الأوروبية على الاعتقاد بأنّ معظم هذه التنظيمات هي «قاعات انتظار» مؤيدة للإرهاب. كالة الاستخبارات الهولندية -على سبيل المثال- تقول: «لقد قام العديد من أعضاء التنظيمات الإسلامية مثل «شريعة من أجل هولندا» و«خلف القضبان» بالرحيل إلى سوريا للمشاركة في الحرب الأهلية هناك بدعوى الجهاد. إنّ هذا مؤشر واضح على ضآلة الخط الفاصل بين التطرّف والجهاد، فقد خلقت هذه الحركات بيئة تجمع بين أصحاب الفكر المشترك للقاء، وسرعان ما تتطور أفكارهم من التطرّف الفكري إلى الفكر الجهادي.

إنّ دينامية هذه الجماعات أدّت إلى تطرّف سريع للعديد من الأفراد، ومساعٍ متكررة وحثيثة للانضمام إلى المعارك الدائرة في سوريا.

لكن القلق الدائر حول هذه التنظيمات لا يقتصر فقط على العلاقة بين الفكر المتطّرف والإرهاب الحقيقي، وهو موضوع خلاف بين جهات عديدة، ولكن لا يختلف اثنان على حقيقة أنّ الخطاب الذي تتبناه هذه الجماعات يشكّل خطورة على النسيج الاجتماعي للبلدان التي يعيشون فيها، فمواقفهم من الاندماج وحقوق المرأة وحرية الأديان والمثلية الجنسية، وغيرها من القضايا، تصطدم مع الآراء والقيم السائدة في الغرب، ومع ما هو موثّق ومسجّل في دساتير جميع الدول الغربية.

يسعى هذا الكتاب إلى دراسة الجوانب المتعلقة بالجماعات المعارضة غير المسلحّة، التي تنشط في الغرب خلال العشرين سنة الماضية، حيث سنتطرق إلى تاريخها وطبيعة تطوّرها والإستراتيجية التي تتبعها تنظيمات عدة لها خصوصياتها. سترتكز الدراسات على طبيعة علاقة هذه الجماعات بالعنف، وعلى تحليل دوافع بعض الأفراد الذين انضموا إليها، وأخيراً ستبحث في كيفية تغيّر نظرة ومعالجة السلطات الغربية لهذه الجماعات عبر الوقت.

يقدّم الخبير الأمريكي في قضايا الإرهاب جاريت براكمان دراسة وافية عن ديناميات الحركات الإسلامية في الولايات المتحدة، التي لا تصل إلى مستوى تعقيد وتطوّر نظيراتها في أوروبا، ولكنها تتبنى منهجية تنظيم المهاجرين في النشاط السياسي الذي جذب الكثير من الانتباه.

يتابع الباحث الفرنسي في قضايا الإرهاب فيليب ميغو في دراسته تاريخ تأسيس ونمو حركة «فرسان العزّة» في فرنسا التي قادتها شخصية قائدها القوية إلى الاصطدام مع المجتمع الفرنسي.

في الدراسة الثالثة تقدم الباحثة الهولندية أنيك رويكس تحليلاً معمّقاً تقارن من خلاله بين نشاطات العديد من الجماعات في هولندا خلال السنوات القليلة الماضية. الدراسة ثرية بلقاءات شخصية مع ناشطين في المشهد وتحليلات للمنهجية التي اتبعتها هذه الجماعات في حشد الجماهير وكسب المناصرين. الدراسة الرابعة كتبتها الباحثة في مركز دراسات الشرق الأوسط المعاصرة كيرستين سنكلير والباحث في جامعة جنوب الدنمارك سعد علي خان، تتناول نشاطات كلّ من: حزب التحرير هناك، وتنظيم «الدعوة الإسلامية – كالديت» الذي هو على شاكلة تنظيم المهاجرين. يقدمُ الكاتبان تحليلاً دقيقاً يوضح للقارئ اختلاف النهج والفكر بين هذه الجماعات، والذي أدّى إلى اختلاف التعاطي مع العنف ومع الأزمة السورية. كما تستعرض الدراسة موقف الرأي العام الدنماركي من هذه الجماعات، والجدل الدائر حول حظرها قانونياً.

يستعرض الباحث البريطاني جو مولهول أصول ونشاطات تنظيم المهاجرين والجماعات الكثيرة التي تلته مثل: «إسلام من أجل بريطانيا». يبحث الكاتب في العمق الروابط بين الشبكة غير الرسمية التي انبثقت عن تنظيم المهاجرين والعنف الذي انتشر في بداية القرن الحالي، انتهاءً بالصراع الدموي الجاري في سوريا.

يسعى الباحث الإيطالي المختص في الحركات الإسلامية والعنف السياسي في أوروبا وأميركا الشمالية لورينزو فيدينو إلى تحليل دينامية المقاتلين الأجانب القادمين من أوروبا إلى سوريا. كما يعمل على قياس حجم هذه الظاهرة في بلدان عدة، مع تسليط الضوء على المخاوف التي أثارتها هذه التعبئة غير المسبوقة في القارة الأوروبية. ثم يقوم البحث بتحليل تنوع أوضاع الأفراد الذين غادروا من أوروبا إلى سوريا، والديناميات اللوجستية التي دفعتهم إلى مغادرة بلدانهم إلى الدولة التي مزقتها الحرب. وفي النهاية، يقدم الباحث لمحة عامة عن كيفية سعي الحكومات للحد من هذه الظاهرة.

وفي الدراسة الأخيرة يتبع الباحث البلجيكي المختص في شؤون الشرق الأوسط بيتر فان أوستاين منهجية مماثلة لرويكس في دراستهِ التي قدمها حول الجماعات الإسلامية في بلجيكا، حيث يصف مراحل تأسيس ونمو تنظيم «شريعة من أجل بلجيكا»، والذي اعتبر بادئ الأمر غير ضارٍ ولا يتعدى مجموعة مشاغبة تسعى لاستفزاز الشارع العام، ولكنها غير قادرة على المساس بالأمن، ويوضح الكاتب أنّ هذه الرؤية تغيرت تماماً بعد أنْ أصبح التنظيم جهة تجنيد أساسية لضخ المجاهدين إلى سوريا.

يسعى هذا الكتاب إلى توضيح طبيعة الجماعات التي غالباً ما يتم تجاهلها من قبل الباحثين في مشهد الإسلام السياسي في الغرب على الرغم من أهمية ودور هذه الجماعات. يظهر لنا الكتاب علاقة هذه الجماعات بالعنف، والتي يتبين -من خلال دراسات عدة في الكتاب- أنّها ليست علاقة خطية، حيث تلعب عوامل عدة دوراً في تشكيل ذلك المسار، سواء على مستوى الفرد أم الجماعة، ممّا يصعّب من وضع نظرية شاملة أو أنموذج تنبؤي.

يترك لنا الكتاب التساؤل حول أفضل الأساليب لمواجهة هذه الجماعات، حيث شهدت السنوات الخمس عشرة الماضية جدلاً محتدماً بين صنّاع القرار في الغرب وأصحاب الرأي، حول حظر جماعات مثل «حزب التحرير» و«المهاجرون». تكمن صعوبات الحظر في مستويات ثلاثة هي على التوالي:

أولاً: الأمر ليس باليسير من المنظور القانوني. تختلف القوانين والتشريعات من بلد لآخر، ولكن إجراء مثل حظر تنظيم فكري، لن يكون سهلاً في أية دولة أوروبية.

ثانياً: في حال حصول الموافقة القانونية على حظر تنظيم ما، فإنّ تأثير الحظر لن يكون مضموناً، ويوضح مولهول في دراستهِ كيف تمكّن تنظيم «المهاجرون» من الالتفاف على قوانين الحظر التي فرضتها عليه الحكومة البريطانية من خلال تغيير اسم التنظيم.

ثالثاً: هناك جدل قائم حول الدلالات السياسية والأخلاقية التي تكمن في حظر الجماعات غير المتورطة بشكل مباشر في العنف والإرهاب. سيفعل الغرب حيال الجماعات التي تستغل بعض حقوقهِ المقدسة مثل حرية التعبير والحرية الدينية في سبيل نشر فكر يسعى في نهاية الأمر إلى القضاء على هذه الحريات؟ أمّا فيما يخص المسائل الأخرى المتعلقة بالإسلام السياسي والإرهاب، فإنّ أكبر المعضلات تتمثل في درجة التنازل والتخلي عن بعض المبادئ الغربية الأساسية بدافع الضرورة من أجل ضمان الأمن واحتواء الذين يشكلون خطراً على البلاد.