إسلاميو السلطة.. خيارات الجعفري السيئة

حزب الدعوة من فشل إلى آخر

في الثاني من نيسان 2006 وصلت الى بغداد وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس بصحبة وزير الخارجية البريطاني جاك سترو في زيارة مفاجئة. كان الهدف من الزيارة إنهاء أزمة تشكيل الحكومة بالضغط على السيد إبراهيم الجعفري لسحب ترشحه عن الإئتلاف الوطني لرئاسة الوزراء.

في الاجتماع مع الجعفري، تحدثت رايس عن الصعوبات التي سيواجهها امام البرلمان في حال تمسك بتشكيل الحكومة، لأنه لن يحصل على الأصوات المطلوبة.

حاول الجعفري أن يُهوّن من المشكلة البرلمانية، فقال ان الدستور ينص على ان الكتلة الأكبر هي التي تقدم مرشحها لتشكيل الحكومة، وأنه فاز عن الائتلاف الوطني بهذا الترشيح. فعادت رايس لتؤكد أنه يواجه معارضة الكتل السياسية، وانه ليس بمقدوره ان يشكل الحكومة.

جرّب الجعفري محاولة أخرى، فوجه كلامه الى الوزير البريطاني بسؤال مباشر:

ـ ماذا ستفعل لو كنت مكاني وقد فزت بانتخابات الكتلة الأكبر؟.

أجابه جاك سترو:

ـ ببساطة كنت سأنسحب.

قضى السيد الجعفري نهاراً سيئاً، فلقد سمع طلب الانسحاب مباشرة من رئيسي الدبلوماسيتين الأميركية والبريطانية، مما يعني أنه خسر الموقف الغربي والعربي كله، وبذلك سيشعر خصومه بقوة كبرى مما يجعلهم يتمسكون بمعارضته.

بذل جهداً آخر، حاول أن يجري تعديلاً على قناعات كونداليزا رايس، فزارها مساء ذلك اليوم في السفارة الأميركية، وطلب منها أن تصارحه بالموقف الأميركي بشأن توليه رئاسة الحكومة، فأجابته بأن مشكلته هي مع الكتل السياسية، واذا استطاع ان يُقنعهم فان الإدارة الأميركية لا تمانع.

لم يكن سؤال الجعفري ذكياً على الاطلاق، ولذلك لم تجد وزيرة الخارجية الأميركية صعوبة في الإجابة عليه، ولعلها قد أدركت في تلك اللحظة أن الرجل لا يصلح للحكم، لأنه لا يعرف أن كبار المسؤولين الأميركان لا يجيبون على مثل هذه الأسئلة بالنفي والايجاب، إنما يصنعون جو القبول والرفض، والسياسي البارع هو الذي يستطيع أن يتحكم باتجاه الرياح وسرعتها، فيغير القناعات من هذا الاتجاه لعكسه، وإذا ما عجز عن ذلك، فيتخذ القرار لوحده من دون حاجة الى سؤال.

بعد عودة رايس الى واشنطن، وصل خبر خاص الى مكتب الجعفري مفاده أن الرئيس الأمريكي بوش قد حدد مهلة نهائية لحسم الأزمة، فليس أمام الأطراف العراقية سوى (48) ساعة فقط، فإذا لم يتنح الجعفري، فلا بد أن توافق الأطراف المعارضة، وتقبل به رئيساً للوزراء، إنها مدة محددة غير قابلة للتمديد.

إنتهى اليوم الأول، رغم الاتصالات والاجتماعات المتواصلة، دون تحول في المواقف.

في مساء اليوم الثاني إجتمعت قيادة حزب الدعوة بالجعفري، وأبدت له أن الأزمة غير قابلة للحل، ولا سبيل أمامه سوى الإنسحاب. كان المتحدث الرئيسي معه هو الشيخ عبد الحليم الزهيري، فقد بسط الحديث بالتفصيل عن انغلاق كافة الأبواب بوجهه، فالمرجعية لا تدعمه، والكتل السياسية من أكراد وسنة وشيعة تعارضه باستثناء التيار الصدري، وكذلك لم يعد يحظى بدعم إيران والولايات المتحدة، وعليه فان إمكانية حصوله على رئاسة الوزراء أصبحت بحكم المستحيل.

الحملدارية

كان كلام الشيخ الزهيري ثقيلاً على قلب وسمع الجعفري، فحاول أن يجد فراغاً يستطيع من خلاله أن يسير بضع خطوات، عسى أن يكون فيها أمل البقاء. وجه سؤاله قائلاً:

ـ هل هذا رأيك أم رأيكم انتم في قيادة الدعوة؟.

أجابه الزهيري:

ـ أنا أتحدث نيابة عن القيادة بعد ان توصلنا الى هذه النتيجة.

لم يعط الجعفري رأيه النهائي، فقد كانت تنتظره على بعد مسافة قصيرة في حديقة قصره، مجموعة أخرى ليجتمع بها بشأن إتخاذ القرار النهائي.

افترقوا بوداع بارد بينه وبين وفد القيادة، وقد بدا الامتعاض على وجه السيد الجعفري واضحاً.

كانت قيادة حزب الدعوة قد حصلت قبل الاجتماع، على جواب السفير الأميركي بشأن ترشيح السيد علي الأديب بديلاً للجعفري، مع توضيح بأنه يحمل الجنسية العراقية وشهادة الجنسية لكنه من جذور إيرانية. جاء الجواب بأن الإدارة الأميركية ليس لديها اعتراض، حتى لو لم يكن يمتلك شهادة الجنسية، يكفي انه مولود في العراق ويحمل جنسيته. وكان ذلك يعني أن الأديب صار على بعد خطوة قصيرة من رئاسة الوزراء.

كتب الجعفري رسالته الى اجتماع الائتلاف الوطني الذي كان مقررا صباح اليوم التالي، وفيها أرجع مسألة ترشحه لرئاسة الوزراء الى الإئتلاف ليرى رأيه، وقد كلف السيد المالكي بقراءتها. وقد اتخذ الإجراءات اللازمة ليكون المالكي هو بديله وليس الأديب.

في صباح اليوم التالي فوجئت قيادة الدعوة بهذا القرار المفاجئ، لكن الأمر قد تم حسمه.

خضع اختيار الجعفري لحسابات خاصة به، فقد كان على علاقة متحسسة مع الاديب على طول تاريخهما في المهجر، وينظر اليه على انه المنافس الأقوى في زعامة الحزب من الناحية العملية، بينما نظر الى المالكي على أنه سيكون خاضعاً لرأيه، وسيتمكن من التحكم به والسيطرة على قراراته. كما ان المالكي لا يجيد الدبلوماسية والمواقف المرنة، وعليه فانه لن يتمكن من إدارة العملية السياسية وسيضطر الى التنحي بعد عدة أشهر، فيعود هو ثانية الى رئاسة الوزراء. هكذا حسبها الجعفري، حسبة خاطئة من أول سطر لآخر الصفحة، كما أثبتت الأيام ذلك.

في تلك الليلة التي قرر فيها التنحي، جلسنا معه في حديقة قصره، سكرتيره الخاص ومسؤوله الأمني وأنا. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً. لم ينتشر الخبر بعد، لكن الحرس قد اكتشفوا بأن الأمر قد انتهى.

سألنا الجعفري:

ـ ماذا تقرأون في عيون الشباب؟

أجبته: الحيرة والقلق.

بعد انسحاب الجعفري، قدم رجال بارزون في الدولة إعتذارهم له، أسماء كبيرة لامعة في التشكيلة الحكومية الجديدة طلبت منه الصفح والسماح، أشخاص لهم موقعهم المتقدم في الدولة قالوا له إن الأمر لم يكن بيدهم، عانقوه معتذرين في اول لقاء به.

عانقه بحرارة السيد جلال الطالباني وقال:

ـ أنت تعرف أني أحبك ولكنك تعلم أن الأمر ليس بيدي.

عانقه بحرارة طارق الهاشمي وقال:

ـ أطلب العذر منك سيدنا فالأمر ليس بيدي.

وشبيه بذلك قالها له اشخاص احتلوا المناصب السيادية في الحكومة، فلم يكن الأمر بأيديهم، انما جاءهم القرار من واشنطن التي يلعنونها في وسائل الإعلام علناً ويطيعونها سراً.

موقفان يتصدران مسيرة الجعفري في السنوات العشر الأخيرة:

الأول: ساهم بشكل مباشر في تولي السيد نوري المالكي رئاسة الوزراء، على أمل ان يسقط سريعاً ويعود هو للسلطة مرة أخرى.

الثاني: ساهم بشكل فاعل في تولي الدكتور العبادي رئاسة الوزراء، على أمل ان يتحكم به لما يعرفه عنه جيداً من ضعف وتردد وحيرة.

الاختيار الأول ادخل العراق في حقبة فساد لا يستوعبها التصور. والخيار الثاني سيدخل العراق في حقبة من التردي والانهيار لا يتسع لها الخيال.

سأتحدث عنهما ان شاء الله وجعل للعمر بقية.

سليم الحسني

كاتب عراقي