إسلامات سياسية: سُنية وشيعية وتكفيرية

كيانات عابرة لجغرافيا الأوطان

أما الخوض في حالة الإسلام السياسي السني مع موضوعة الدولة الإسلامية عبر التاريخ (الأموية والعباسية والعثمانية) ففيها الكثير من التفاصيل،لكن بإمكان مقارنة عامة تختص بعلاقة الشيعة والسنة عموما مع هذه الدولة أن تكشف عن حقيقة أن الخطاب السني راح يتراكم في مساحة العلاقات الإيجابية مع موضوعة الدولة، أما الخطاب الشيعي فقد تأسس وتراكم تاريخيا في مساحة معارضة الدولة.

لكن الأمر على الجانب السني لم يكن كله عسلا. إذ حينما يتعلق الأمر بمفهوم العلاقة ما بين الإسلام السياسي السني، المتمثل إلى حد كبير بالإخوان المسلمين من جهة، والدولة المدنية الحديثة من جهة أخرى، فإن الإسلام السياسي السني سرعان ما وجد نفسه متناقضا وخصما لهذه الدول الجديدة الخارجة من رحم إنهيار الدولة العثمانية، وبخاصة في مصر، التي كانت أرضها قد شهدت مرحلة التأسيس والنهوض للإخوان قبل ان ينتشر تنظيمهم في مختلف الأقطار الأخرى، التي كان من بينها العراق.

نرى أن هناك الكثير الذي يصف العلاقات السلبية بين الأخوان والدولة المصرية منذ أوائل عهد النظام الملكي المصري إلى وقتنا الحالي مرورا بعهد الرئيس عبدالناصرحيث سار الصراع إلى أشده، ثم عهد الرئيس السادات الذي حاول تهدئة اللعبة مع الإخوان لغاية تجيشهم ضد خصومه ومنافسيه من الحركة العلمانية الوطنية، والذي إنتهى إلى إغتيال السادات نفسه على يد عناصر من الإسلام السياسي، وحتى وصول الإخوان إلى الهيمنة على النظام السياسي وتربع محمد مرسي العياط على سدة رئاسته.

لقد مارس الإخوان المسلمون، في عهد نظامهم الذي لم يعمر غير سنة واحدة، ممارسات متقاطعة مع مصلحة الدولة الوطنية المصرية العميقة، من خلال علاقتهم بحماس مثلا، وإقتراباتهم التركية الخارجة على الدور القومي المعروف لمصر.

إن هذه التقاطعات لم تكن تأسست حينها بفعل من ضغط الحاجات السياسية للدولة المصرية وإنما كانت تأسست على فقه إسلامي اممي يجعل من التركي المسلم أقرب إلى مرسي العياط من القبطي المصري، ثم دخلت الدولة الميكرسكوبية (قطر) في ساحة التأثير الواضح بفعل وجود شيخ الإحوان المسلمين فيها، ألا وهو القرضاوي، الذي كانت تنحني له جباه قادة السلطة في مصر من الإخوان، فمسخوا بالتالي ما تعنيه كلمة مصر سواء في تاريخها الفرعوني العميق أو على مدار تاريخها في العصور التي تلت، وجعلوا أبا الهول يكاد ان يخر ساجدا لشيخ قبيلة قطرية متخلف.

وقصة الإخوان في تونس على قصرها كشفت أيضا عن ميول للتبعية في الإتجاه نفسه الأمر الذي ادى إلى تصاعد حركة المعارضة ضد سلطتهم وضياعها منهم سريعا. إن المَثليْن، المصري والتونسي، كشفا بسرعة عن وجود خلل بنيوي في عقيدة الإخوان المسلمين الذي سرعان ما تظهر تاثيراته السلبية وتداعياته المؤذية حال وجود الإخوان في السلطة، أما عن حماس فمعروفة قصة لجوء مكتبها السياسي ورئيسه (خالد مشعل) إلى قطر بعد أن أدارت ظهرها لحليفها السوري بشار الاسد لاسباب ليست بعيدة عن قضية التبعية المحاورية المنشدة إلى مركزها التركي الإقليمي بعد ان ترتبت التحالفات بشكل يتبع تطور الأحداث في الساحة السورية..

وبكل تأكيد فأنا أتحدث هنا عن إسلام سياسي ولا أتحدث عن شيعة وعن سنة، الموضوعتان مختلفتان كاملا وعلينا أن لا ندع الخطاب المذهبي السائد حاليا يتدخل ليخرب علينا طريقة طرح أفكارنا، كل إنسان وطني سواء أكان شيعيا أو سنيا يعتز بوطنه. ومن ناحية المواطنة كلاهما سواء برغم إفتراق مذهبهما الفقهي أو تماهيه.

إن الإسلام متى ما تسيس فستكون له تبعات وتداعيات مَرَضية سواء اكان شيعيا أو سنيا. الإسلام السياسي الشيعي محكوم بمعدلات فقهية تجعله عابرا للحدود وقابلا لأن يلتحق بمراكز إقليمية على حساب الإلتزام الوطني لكن السنة المسيسين هم ميالون أيضا للتبعيات الإقليمية والدولية لأن الإسلام السياسي بشكل عام محكوم بفقه الإسلام نفسه العابر للوطنيات والقوميات والذي يميل إلى الإلتزام الأممي على حساب الإلتزام الوطني.

هناك أيضا إسلام التكفيرين المنتمين إلى داعش والقاعدة وغيرها من الحركات التكفيرية ولا يصح بالمطلق ان نتحدث عنهم وكأنهم يمثلون السنة. وفي النهاية ويوم أن نتحدث عن سنة وشيعة كبشر وليس كإنتماء مذهبي فإن دور السنة العلمانيين في تأسيس الدولة الوطنية العراقية كان عابرا للمذهبية. على الجهة الأخرى فإن قراءة سريعة لتاريخ الدولة العراقية الحديثة سوف تضع أمامك كثيرا من الأسماء الشيعية التي لعبت دورا أساسيا في تأسيس الحركات الوطنية والعروبية والماركسية.

جعفر المظفر

كاتب وطبيب عراقي