إسرائيل وسقوط محرمات تبادل الأسرى

بقلم: د. خليل حسين

في لغة الأرقام والسوابق ثمة تاريخ طويل لتبادل الأسرى بين العرب وإسرائيل، لكل منها ظروفها الخاصة ومعطياتها وتداعياتها، ولكل منها أيضا محدداتها كماً ونوعاٍ؛ إلا ان الصفقة الأخيرة ترتدي طابعا خاصا لما يمكن من ان تكرِّس واقعا سيحكم هذا النوع من عمليات التفاوض في حل أزمة المعتقلين الفلسطينيين خاصة.

ثمة 38 عملية تبادل تمّت على مدى ستين عاما بين 1948 و2008، شملت آلاف العرب ومئات الإسرائيليين، خضع اغلبها لمفاوضات دقيقة وشاقة، إلا أنها في المجمل خلّصت في بعض منها، رموزا كانت تعتبرهم إسرائيل من المحرمات التي ينبغي عدم التحدث عنها. وتأتي الصفقة الأخيرة لتثبت واقعا إسرائيليا آخر، هو تخليها من مقولة استحالة الإفراج عن معتقلين "أدينوا بقتل إسرائيليين". فما هي تداعياتها والى ماذا تؤشر مستقبلا؟

أولا بصرف النظر عن الكم أو النوع أو الكيف، تعتبر هذه الصفقة من أبرز صفقات الصراع العربي الإسرائيلي لما يحيط بها من تعقيدات وتداعيات محتملة، فعمرها تجاوز الخمس سنوات وتسببت في خلالها باعتداءات إسرائيلية على الفلسطينيين تجاوزت المعقول وحتى المقبول من وجهة نظر القانون الدولي الإنساني، وخلصت عمليا إلى تسوية واحد مقابل 1027 أسيراً، وهو رقم ربما يثير حساسية الكثير من المعترضين الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، لكن العبرة هنا لا تكمن في الكم بل بتمكن المفاوضين الفلسطينيين من كسر قاعدة لم يكن احد من القادة السياسيين والأمنيين الإسرائيليين التحدث فيها أو عنها، وبالتالي تعتبر في علم التفاوض الدبلوماسي من الانجازات الفارقة التي تستحق التوقف عندها والعمل بهديها. فالصفقة وإن لم تشمل رموزا فلسطينية لها أولوية الإفراج، إلا أنها في المقابل ستفرج عن مجموعة لها تاريخها وخصوصياتها. لجهة الأسيرات التي أصبحن أمهات في الأسر وربما لبعضهن أحفاد خارج المعتقلات.وثانيا شمول أسرى حُكم على بعضهم بأكثر من مؤبد.

وبصرف النظر عن نوعية الأسرى المفرج عنهم، ثمة مؤشرات لا يمكن تجاهلها، وهي شمول المفرج عنهم كافة الجغرافيا السياسية اذا جاز التعبير لفلسطين التاريخية، فمنهم من الضفة الغربية وآخرين من القطاع، وبعضهم من عرب أراضي 1948، وهو مؤشر يمكن التوقف عنده، ويعبر عن وحدة فلسطينية ربما طال انتظارها في ظروف قاسية ينبغي تجاوزها والعمل على ردم هوتها.وهي أيضا صفقة فلسطينية واعدة تؤسس لتواصل فلسطيني فلسطيني يستثمر في ملفات أخرى كمواجهة عمليات الاستيطان الإسرائيلي ومسار المفاوضات لاحقا.

لقد كُسرت شوكة إسرائيل في عملية تبادل الأسرى مع المقاومة اللبنانية في العام 2008 بعد الإفراج عن عميد الأسرى سمير القنطار، حيث كانت إسرائيل ترفض التحدث أصلا بموضوعه وقضيته، بل تسبب ملف الأسرى اللبنانيين ومنهم القنطار ولو شكلا بعدوان إسرائيلي على لبنان اعتبر بمثابة حرب عالمية إقليمية لما جرى فيها وما آلت إليها. واليوم جاء دور الفلسطينيين لتثبيت هذه القاعدة على دولة لا تفهم إلا لغة القوة لإلزامها قهرا على الولوج في أحد أكثر الملفات تعقيدا وحساسية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

طبعا ثمة أكثر من سبعة آلاف فلسطيني معتقل في السجون الإسرائيلية وسط بيئة يندى لها جبين الإنسانية، إلا ان الأمل معقود على الاستفادة من هذه التجربة الفلسطينية الواعدة مستقبلا، فهل سيتمكن الفلسطينيون من البناء عليها؟ وهل ستتمكن إسرائيل من بلع وهضم صفقة ستسبب لها مزيدا من عسر هضم سياسي لن يكون بمقدورها تجاوز تداعياتها؟

فعلا إنها مفارقة ان تتم صفقة بهذه الخلفيات وفي هذه الظروف بالذات، فمن عمل عليها؟ ومن توسط بها؟ ومن سيقطف ثمارها السياسية؟ لا شك ان وحدة الفلسطينيين أولا لعبت دورا هاما في التوصل إليها، وثانيا ثمة ظروف إقليمية تقاطعت مصالح بلدانها في انجازها، وثمة ثالثا مصلحة إسرائيلية فيها.وبصرف النظر أيضا عن هذا وذاك من المؤثرات؛ ثمة واقع فلسطيني يمتاز بطول النفس والصبر، فهم شعب يعتبر أكثر من نصفه في الاعتقال عمليا، مضى ويمضي آلاف منهم ما مجموعه مليون سنة من الأحكام الجائرة، وفوق ذلك ثمة من وصفهم بشعب الجبارين، فهل ستمتد آثار هذه الصفقة على الآلاف الباقية من الأسرى مستقبلا؟ لا شك في ذلك اذا استنسخت الوحدة الفلسطينية في الملفات الكثيرة التي تنتظر حلا لها.

د. خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

www.drkhalilhussein.blogspot.com