إسرائيل في الخرطوم... قصف وآراء

استيقظت الخرطوم على دويّ انفجارات هائلة، وأزيز طائرات، وألسنة لهب تتصاعد في ضخامة يحسب من يراها أنها عانقت عنان السماء، في اتجاه ضاحية الشجرة الواقعة جنوب العاصمة القومية.

لم يكن باستطاعة أحد من سكان الخرطوم معرفة ما حدث وأسبابه، وما كان أحد يستطيع أن يتصور أن المعلومات التي ستنقشع فيما بعد من الممكن أن تثير هذا الجدل الكبير.

فمنطقة الشجرة التي انطلقت منها كل هذه المظاهر المفاجئة حملت تاريخا حافلا بالمؤامرات والدسائس، فهي تحتضن سلاح المدرعات أكبر أسلحة الجيش السوداني والتي اعتاد أن يكون منصّة للانقلابات السودانية المتوالية حيث تتكوّم فيه ثروة الدبابات السودانية، إضافة لبعض الأسلحة الأخرى.

أما مصنع اليرموك فكثير من المواطنين السودانيين لم يسمعوا عنه، ولا يعرفون أصلا بوجوده، خاصة في منطقة الشجرة المدنية المكتظّة بالسكان، وقد أدّى قصفه إلى بروز عدد كبير من التحليلات المختلفة الروايات، والتي تجاوزت الفاعل إلى البحث عن أسباب القصف ونتائجه وقراءته من مختلف الزوايا.

فالرئيس العراقي الرحل صدّام حسين أعلن ذات يوم، قبل الحرب العراقية بسنوات عبر لقاء تلفزيوني مفتوح أن بلاده تمكّنت من إنتاج أسلحة متطورة، وهو التصريح الذي رأى المراقبون أنه يمثّل توقيع الرجل مبكرا على شهادة وفاته، وأيضا فعلها الرئيس السوداني عمر البشير حينما كشف في لقاء جماهيري نقلته مختلف وسائل الاعلام، عن ان نجاح زوال نظام القذافي تم بواسطة أسلحة تحمل علامة الصناعة السودانية، زوّد بها نظامه الاسلامي ثوار ليبيا الاسلاميين، رغم الضائقة الاقتصادية الخانقة التي تجتاح بلاده، ورغم الصرف المرهق على المجهود الحربي في إدارة المعارك المتلاحقة مع جاره المنفصل عنه تارة، ومع الحركة الشعبية قطاع الشمال في ولايتي كردفان والنيل الأزرق، وأيضا ما تشكله حركات دارفور المقاتلة من مناوشات موجعة.

ويرى بعض المحللين أن ذلك التصريح كان السبب الرئيس في الضربات المتتالية التي أعقبته، فاختراق الطائرات الإسرائيلية للأجواء السودانية ووقصفها مصنع اليرموك لم يكن الأول من نوعه، فقد إخترقت الطائرات الاسرائيلية أجواء السودان مرات عديدة، وقصفت أهدافا محددة في الشرق، تكتمت عليها الحكومة طويلا قبل الاعتراف بها حينما تناولتها المواقع الالكترونية السودانية النشطة الخارجة عن سيطرة الحكومة، وتردد وقتها تضاربا في الآراء بين مرجح لنظرية كونها استهدافات لقادة حماس الذين يتحركون بحرية في السودان، وبين من يرجح إنها شحنات أسلحة تشحن من إيران إلى ميناء بورتسودان السوداني ويتم تهريبها بالبر عبر الطريق الصحراوي الذي يربط السودان بمصر.

ولم تتمكّن الحكومة من عدم الاعتراف بوقوع الحادث، فالشواهد كلها توصد في وجهها هذا الفعل الذي تدرك الحكومة تماما أنه سيفتح أبوابا من الانتقادات المؤثّرة لا يمكن إغلاقها بسهولة، خاصة وأن النظام الحاكم يمرّ بفترة مفصلية دقيقة، تتصارع فيها أجنحته مع بعضها البعض، وتواجه إنتقادات الفصائل الاسلامية الأخرى التي انطلقت في الفترة الأخيرة وأثارت الكثير من الجدل في أوساط الشارع السوداني الذي وجد مصيره كالكرة تتراكلها أقدام عديدة، منها النظام الحاكم الذي يمرّ بمأزق الافلاس الخططي بعدما استنفذ كل معرفته التخطيطية والتنفيذية خلال فترة حكمة الطويل التي قاربت الثلاث عقود، ووقف حمار شيخه عاجزا عند عقبة اللاجديد، خاصة وأنه قدّم نموذجا إخوانيا منفّرا أسهم في إفقار البلاد وتشريد ومضايقة أبناءها غير التابعين للنظام، واشتعلت في عهده وانتفخت قضية دارفور، وانفصل جنوب السودان عن شماله، واشتعلت الحروب في أكثر من جهة، وذادت البلاد فقرا وتخلّفا.

بقية الفصائل الاسلامية بدأت في الضغط على النظام القائم الذي يعاني الآن من عدة مشاكل تهدد مستقبله السياسي وتماسكه الطويل، فرئيسه مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية التي حاصرت تحركاته وأعاقته عن تمثيل البلاد في العديد من الملتقيات الهامة التي تتطلب وجوده، والجدل الثائر حول خليفته زاد من حدّة الصراع بين الفصائل المتنافسة، وفي الجانب الآخر بدأت أصوات قيادات الصفين الثاني والثالث في الاتجاه الاسلامي العام، وفي النظام الحاكم أيضا، تعلو مطالبة بإنهاء احتكار فصائل الصف الأول السلطة، فهي قد انتظرت دورها لفترة طويلة، وحان الوقت الآن لإمسكها بزمام الأمور وإنقاذ البلاد من التردّي المريع الذي تتدحرج في أعماقه يوما بعد يوم.

ولم يعترف النظام الحاكم في الخرطوم مباشرة بالحقيقة، فقد قالت الشرطة ان "الحريق شب في المصنع أثناء إجراء صيانة عادية بواسطة عامل لحام بعد أن تطاير شرر الماكينة إلى أجزاء من المصنع"، وأكّت بأنها تتابع حصر الخسائر.

وقبل أن يجف حبر بيان الشرطة، خرج شهود عيان لمواقع التواصل الاعلامي ووسائل الاعلام الأخرى مؤكدين مشاهدتهم طائرة مقاتلة قصفت المكان ما أدى إلى تدمير ورش التصنيع، فيما قال محافظ ولاية الخرطوم إنه لم يتضح بعد سبب الحريق الذي اندلع في المصنع لكن لا شيء يشير إلى أسباب خارجية.

ومنعت الشرطة وسائل الاعلام من الاقتراب أو التصوير، بل واحتجزت طاقم سكاي نيوز وصادرت معداتهم.

وقبل أن يستوعب الناس تناقض التصريحات خرج وزير الاعلام مفجّرا القنبلة المدويّة بإتهامه التأكيدي لمسؤولية إسرائيل عن القصف واحتفاظ البلاد بحق الرد!

بعد ذلك بدأت التفاصيل المتناقضة تترى مربكة الرأي العام عن رؤية الحقيقة، فالبعض يرى أن التفاهمات السريّة بين الحكومتين الإسرائيلية والسودانية والتي تنفيها الأخيرة، تجعل قراءة الحادث معقدة الزوايا، خاصة وأن الطائرات الاسرائيلية توجهت من إسرائيل نحو الخرطوم مباشرة بعد اجتماع مغلق ضم وزير الخارجية القطري مع نظيره الاسرائيلي ما يوّفر خيط ربط بين المعلومتين، خاصة لو وضعنا في الاعتبار نوع التبنّي المتبادل بين الدوحة والخرطوم، واشتراكهما في الكثير من القضايا المعقدة.

ويقول بعض المحللين أن إسرائيل كانت تعلم بأمر المصنع، وكانت تعلم بشحنة أسلحة خدعتها السلطات السودانية بأنها ذاهبة إلى سوريا، ولكنها فوجئت بها تستهدفها ضمن صواريخ حماس فكان هذا الردّ التأديبي القاسي، بينما يرى بعض آخر أن المصنع إيراني الملكية والتسيير، وأنه يقوم بتطوير الأسلحة الروسية والصينية وغيرها تطويرا لم تكن إسرائيل تتصور أنه وصل هذا المدى الذي تجاوز ما سمحت به.

ويذهب بعض ثالث إلى أن المصنع مملوك للنظام الاسلامي العام، وأنه يقوم بتطوير الأسلحة وتصنيعها في هذه الدولة الفقيرة، ووسط الأحياء السكنية بعيدا عن الشبهات، ليزوّد بها مجاهدي الربيع العربي في كل مكان، وأن إسرائيل قصفته لأنها تعرضت لاستهداف أسلحة من صنعه.

ويرى الكثير من المواطنين السودانيين أن دخول أربعة طائرات إسرائيلية أجواء البلاد الشاسعة المساحة حتى دخولها الخرطوم وقصفها للمصنع دون أن ترصدها رادارات القوات المسلحة السودانية، أمر يجب التوقف عنده، خاصة وأن ما حدث من نتائج القصف تعني أن المصنع لم يكن محصنا بإجراءات السلامة لدرجة تكفي حمايته عند التعرض لأية ضربة عسكرية، وهي المرة الثانية التي تخترق فيها طائرات مقاتلة أجواء العاصمة السودانية دون أن يكون للجيش علم أو متابعة أو توقّع، فقد قصفت أميركا في عهد الرئيس السابق جورج بوش مصنع الشفاء دون أن تكشف أو تعترض صواريخها رادارات الجيش التي أدمنت الغياب عن كل مشهد، خاصة وأن الكثير من المعارضين السودانيين يعتقدون بأن الجيش السوداني منذ تأسيسه في استقلال البلاد عام 1956م لم يوجّه سلاحه لغير صدور شعبه، ولم يحدث له أن قاتل عدوا أجنبيا إلا حينما انفصل الجنوب السوداني عن شماله واضطر الجيش لخوض المعارك التي هدّدت وجود النظام.

وكان مركز الابحاث السويسري المستقل "سمول ارمز سورفاي"، قد أصدر تقريرا في سبتمبر/أيلول، الماضي أوضح فيه أن أسلحة وذخائر صينية قد نقلت الى موقع الصناعات العسكرية ومنه الى منطقة دارفور الغربية التي تشهد نزاعا مسلحا منذ أكثر من عشر سنوات، وهو ما استدلّ به أصحاب نظرية أن التطوير الذي تمّ في هذه الأسلحة التي وصلت إلى حماس واستخدمتها في مناوشاتها مع الحكومة الاسرائيلية كان سببا مبلاشرا لماحدث.

وذهب بعض المعارضين للقول بأن مجمع اليرموك ومنتجاته ليست موجهة لغير الشعب السوداني، ولم ينجز المصنع في مسيرته سوى قتل مواطنين عسكريين كانوا أو مدنيين، وأن الجيش السوداني بوضعه الحالي يمثّل عصابة تحكم العزّل بقوة السلاح والبطش والإرهاب ما يجعل فقدانه لترسانة أسلحته رحمة للشعب السوداني!، بينما يقول البعض أن الضربة جاءت باتفاق بين اسرائيل والحكومة، مدللين على توقيتها الذي أعقب مغادرة حمد بن جاسم وزير الداخلية القطري السوداني كما يطلق عليه البعض مزحا، وذلك بغرض شغل الرأي العام بقضية خارجية تلفت أنظاره عن الحرب التي تخوضها الحكومة ضد الحركة الشعبية قطاع الشمال، والتي تمكّنت فيها الحركة من قصف مدينة كادقلي الحصينة عاصمة جبال النوبة البعيدة عن النيران في الفترة السابقة.

ومهما يكن من أمر فإن كل هذه القراءات تظلّ مجرد تحليلات تخمينية لحقيقة غائبة لا يعرفها خفاياها غير الحكومة السودانية، واسرائيل واميركا ومصر وقطر، وأيضا التنظيم الاسلامي العام، بينما الشعب السوداني في عمومه لايملك من المعلومات غير ما تتواتره التحليلات المتضاربة.

عبدالدين سلامه