إسرائيل أمام خيارين: وهم الجولة الثانية أو التخلي عن الجولان

يخلص المتابع للنقاش “الإسرائيلي” حول “حرب تموز” أن الإخفاق أو الهزيمة أو “الانتصار بالنقاط” بحسب المتكلم ناجم عن سوء أو نقص في إدارة الحرب. تفترض هذه الخلاصة القول إن إدارة أفضل للحرب من شأنها أن تلحق هزيمة مؤكدة بالمقاومة اللبنانية، لكنها أي الخلاصة لا تتيح تفسيراً مقنعاً لتشكيل لجنة أو لجان تحقيق لمعرفة أسباب ما حصل إلا إذا كان المقصود هو تأكيد الخلاصة نفسها وتدعيمها بتفاصيل وأدلة، وفي هذه الحالة يمكن فهم لماذا اختار وزير الحرب عمير بيريتس أحد أصدقائه ومحازبيه رئيس الأركان السابق أمنون شاحاك لتولي هذه المهمة.
لا تبدو هذه السيرورة منطقية لنفر من المعلقين الصهاينة ولعدد كبيرمن جنود الاحتياط الذين يعتقدون أن الحرب جديرة بتحقيق جدي لمعرفة أسبابها الحقيقية ومجرياتها ونتائجها، وبالتالي استخلاص دروسها، ذلك بأن مهمة من هذا النوع تتطلب لجنة مستقلة تماماً عن أصحاب القرار وبخاصة رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزير حربه عمير بيرتس ورئيس الأركان دان حلوتس الذين يحتلون المراكز الأولى في لائحة الشكوك والاتهامات المتداولة حول إدارة الحرب.
ولئن كانت المخاوف من “تحقيق ملفق” جدية، فإن أياً من الكتل السياسية الكبيرة لا يبدي استعداداً ملحوظاً لتبني هذه المخاوف والدفع باتجاه لجنة تحقيق مستقلة بما في ذلك حزب “الليكود” المعارض بزعامة بنيامين نتنياهو الذي كان مرشحاً لخوض مناظرة حامية مع أولمرت غداة انتهاء الحرب فبدا مساوماً للحفاظ على “الوحدة الوطنية” ما يعني أن الحقيقة حول الحرب من الجانب “الإسرائيلي” لن ترى النور قريباً، الأمر الذي حمل أحد المعلقين الغربيين على القول إن إيهود أولمرت مرشح للسقوط ليس بسبب الحرب، وإنما بسبب فضيحة مالية شأنه شأن رئيس الأركان المرشح للمحاسبة على أسهم باعها قبل ساعات من بدء الحرب وليس بسبب أدائه خلالها. يترافق السعي لإخفاء نتائج الحرب مع الحديث عن “جولة ثانية” في الصراع مع حزب الله، والبعض يراها “قريبة وسريعة” على حد قول بنيامين بن اليعازر وزير الحرب السابق ووزير البنى التحتية في الحكومة الحالية مع التذكير بخطاب أولمرت نفسه في الكنيست حيث أشار إلى “جولة قادمة” وهدد بملاحقة مسؤولي حزب الله في “أي مكان وزمان ومن دون طلب إذن من أحد” على حد تعبيره، وهذا يصب في التقدير المعلن من أن ما جرى لا يطال قدرة “إسرائيل” على الانتصار على المقاومة ب “الضربة القاضية” إذا ما اعتمدت إجراءات جديدة لتفعيل الآلة العسكرية “الإسرائيلية” وتحسين أدائها كما حصل في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973 حيث بدأت الحرب بمفاجأة كلفت “إسرائيل” ثمناً باهظاً، لكن نتائجها تغيرت بعد امتصاص أثر الضربة الأولى واستعادة زمام المبادرة عبر الهجوم على الجيشين الثاني والثالث المصريين.
يستخلص مما سبق أن “إسرائيل” لا ترى حاجة إلى تحقيق مستقل في حرب ربحتها ب “النقاط” ولا حاجة للبحث في عناصر ضعف جيشها لأن هذا الجيش ليس ضعيفاً ولم يهزم، وأخيراً لا حاجة للتحقيق في طريقة إدارة الحرب، لأن الحرب مستمرة في “جولة ثانية” قريبة، ولأن الوحدة الوطنية أثناء الحرب تستدعي كبت هذا النوع من الأصوات والدعوات الانشقاقية.
لا يصمد هذا التقدير طويلاً أمام فحص دقيق، أول عناصره أن الحكومة الحالية وافقت على كل طلبات الجيش وخططه، وبالتالي فإن أي تحقيق جدي سيطال الجيش وليس الحكومة، وبما أن الكلمة العليا في “إسرائيل” هي للعسكر وليس للمدنيين فإن أحداً لن يحقق في أداء الجيش بطريقة مستقلة أقله في المدى المنظور.
وثاني عناصر الفحص أن الحكومة الحالية ليست مسؤولة عن استعدادات وسياسات اشتركت في إعدادها أطراف في الحكم والمعارضة، وبالتالي لا مصلحة لأي من هؤلاء في تسليط الأضواء على أدوارهم وسياساتهم.
وثالث عناصر الفحص أن حرب لبنان لا تشبه أية حرب “إسرائيلية” أخرى فهي كشفت ما لا يريد أحد في “إسرائيل” الإقرار به علناً أي محدودية أداء الآلة العسكرية “الإسرائيلية” في مواجهة حركة مقاومة مصممة وقادرة بوسائل متواضعة على تعطيل مفاعيل التكنولوجيا العسكرية “الإسرائيلية” المتقدمة.
ورابع عناصر الفحص هو أن الكيان الصهيوني الذي أدرك هذه الحقيقة خلال المعارك استخلص منها ضرورة البحث عن مخارج سياسية، وفي وقت مبكر حيث طلب وزير الحرب عمير بيريتس من وزير الخارجية الأسباني ميغيل انخل موراتينوس نقل رسالة تطمين إلى سوريا مفادها أن بقاءها خارج الحرب يفتح الطريق أمامها نحو الجولان، وهذا ما أكدته إشارات لاحقة ومتزايدة.
وخامس عناصر الفحص هو أن “إسرائيل” “القوية” و”القادرة” على الفوز بجولة ثانية لا تسارع إلى سحب جنودها من الجبهة بطريقة تنم عن خوف من الغوص مجددا في الوحل اللبناني، ولا تبحث بأية وسيلة عن صورة تلفزيونية لانتصار إعلامي ينقذ ماء الوجه سواء عبر عمليات الكوماندوس الفاشلة أو عبر ادعاء قتل وأسر العشرات من مقاتلي حزب الله.
وسادس عناصر الفحص أن “إسرائيل” “القوية” و”القادرة” على شن حرب ثانية وسريعة وقاتلة ضد “المقاومة اللبنانية” لا تمضي القسم الأكبر من وقتها في استعجال تشكيل “القوات الدولية” وفي الرهان على قرار مجلس الأمن 1701 وما يسمى “المجتمع الدولي” لمساعدتها في لملمة آثار هزيمة مدوية في جنوب لبنان قد لا تظهر جلية في نصوص لجان التحقيق المرتقبة لكنها موجودة بقوة في رؤوس “الإسرائيليين” على اختلاف مراتبهم ومواقعهم.
يبقى القول إن “الدولة” العبرية محملة بوعي ثقافي غربي يعتبر أن الخصم خليق بالهزيمة الدائمة في أية مجابهة وإن لم يهزم فذلك مرده إلى تقصير ذاتي (سوء إدارة أخطاء بسيطة.. الخ) وليس إلى قوته وقدراته. لقد دفع “الإسرائيليون” ثمناً باهظاً لثقافة التمحور الغربي حول الذات في جولة القتال الأولى في جنوب لبنان، ولعلهم يغامرون بمصيرهم إذا ما استسلموا لوهم جولة ثانية، ففي هذه الحالة لن يكون بوسع كل شاشات العالم ومحطاته التلفزيونية تجميل الهزيمة التاريخية “الإسرائيلية” أو حجب أبعادها المختلفة. فيصل جلول