إستجواب المالكي... الحل الأخير والوحيد!

بقلم: مهند حبيب السماوي

مع اجتماع الهيئة السياسية لائتلاف العراقية في الاثنين الماضي 16 تموز 2012 والذي خرج بتوصيات ابرزها، كما اعلنت الناطقة باسمهم ميسون الدملوجي، عزمهم "المضي في استجواب السيد نوري المالكي واتخاذ الخطوات اللازمة لترصين عملية الاستجواب وفقاً للدستور"، فأن الحلول لازمة العراق السياسية مازالت بعيدة عن افق كل الاحتمالات السياسية المتفائلة بالحل وبامكانيته حلحلته وزحزحته من عنق الازمة التي شلّته.

فلجنة الاصلاح التي شكّلها الائتلاف من اجل النظر في مطالب الكتل السياسية الموضوعية غير المخالفة للدستور، وعلى الرغم من رسائلها الايجابية التي بعثتها للاخرين، تبدو مثلما توقعت واكدت ومازلت، في جميع مقالاتي السابقة، عقيمة وغير قادرة على تلبية مطالب تلك الكتل التي لا تختلف في رؤيتها عن مستقبل العراق والعملية السياسية فيه عن رؤية السيد نوري المالكي فحسب بل تتناقض تناقضا جذرياً لاينفع معه اية تسوية او حل وسط بين كلا وجهتي النظر.

فكل مايجري من تسويات واتفاقات في العراق، وجميع ما يُطرح من مشاريع ومبادرات سياسية في هذا الفترة وقبلها، وحتى بعد نشر هذه المقالة، سوف لن يسير، لكل أسف، بسفينة العراق الى بر أمانها المتمثل باستقرار وطني سياسي، ونجاح امني باهر، وانتعاش اقتصادي مُزدهر، بل مجرد حلول مؤقتة لاتأتي على أصل المشكلة او تجتثها من جذورها.

الوضع السياسي في العراق، وبعد كل ما آلت اليه تداعيات الاحداث، ماعاد يحتمل حلولا توفيقية تحاول ان تجمع الاضداد، أو توحّد تحت عنوان واحد متناقضات لايمكن لها، تحت اي ظرف او فذلكة سياسية، ان تتوحد سوية، الا ونتج عنها مولود غير قادر على الحياة والاستمرار وهو ما أصطلح عليه أسم "حكومة الشراكة الوطنية".

لذلك وجدتني أؤيد، بل أدعو، وبقوة، الى استجواب السيد رئيس الوزراء نوري المالكي في البرلمان العراقي انسياقا مع الظروف والملابسات التي تحيط بالعملية السياسية في الوقت الحالي من جهة أولى، ناهيك عن السلوكيات والتصريحات التي تنطلق هنا وهنا من تلك القوى السياسية التي تُصنف في الجبهة المناوئة لرئيس الوزراء نوري المالكي من جهة ثانية.

استجواب المالكي مبدئياً هو أمر قانوني ودستوري وتقليد معروف في الديمقراطيات الحديثة لكنه في العراق، وبسبب حداثة التجربة الديمقراطية فيه، لا يمكن ان يكون ديمقراطيا صرفا وخالصا من اية أسباب ذاتية، فهو يخضع لدوافع شخصية ومبررات سياسية اكثر من كونها قانونية او دستورية، لكن ومع ذلك فانني اظن بان هذا الاستجواب هو الحل الحقيقي و"الوحيد" لجميع المشكلات الخانقة التي تحيط بالعملية السياسية.

فالكتل والاحزاب السياسية في العراق غارقة في اتهامات كل منهم للاخر بان أهدافه غير وطنية وانه يتصرف بشكل غير دستوري وبعيد عن القانون ومرتبط باجندات ومصالح خارجية، وقد خرج عن الاتفاقيات التي تعاهدت على تحقيقها مجمل الاطراف السياسية قبل تشكيل الحكومة، وهذه الاتهامات تتطاير علنا في اللقاءات والتصريحات التي تظهر في وسائل الاعلام بشكل مجاني في فضاء العراق اللفظي!

والمواطن العراقي المسكين الذي يغرق في بحر "سوء الخدمات" حائر بين تصريحات هذا السياسي وحجج السياسي الاخر، بين مبررات هذا ودوافع الاخر...فكل منهم يجيد فن التصريح الكلامي ويعرف لعبة الالفاظ واختيارها "المضلل" امام المواطن الذي تتنازعه في النظر لمواقفهم وتصديقها دوافع حزبية حينا وطائفية حينا اخر وقومية حينا ثالثا وشخصية حينا رابعا.

ولذا يكون الاستجواب "لحظة مواجهة حقيقية لاتقبل الشك" بين المالكي وجبهة المعارضة لسياسته ستتخذ بعدها العملية السياسية برمتها مسارا اخرا يختلف على مسارها السابق ليس منذ ان بدأ في عام 2003 بل منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة، حيث ستمزق نتائج الاستجواب رداء التوافق السياسي "البالي" الذي حكم العراق بعد سقوط نظام صدام وسيزيل عن الجسد السياسي العراق غبار التوافق وظلمة الشراكة الوهمية.

اذن سيكون لأستجواب المالكي نتائج حاسمة على مجمل العملية السياسية سواء انتهى الاستجواب الى سحب الثقة عن المالكي او التجديد له بمنح الثقة ثانية، اذ حينها ستنشئ جبهة سياسية كبرى ذات اغلبية سياسية هي التي صوتّت على بقاء المالكي وادانة خصومه،وهو ما سيحدث واقعا، وحينها سيكون المالكي قادراً مع هذه الجبهة على تشكيل حكومة أغلبية سياسية قوية قادرة على تنفيذ برنامجها الانتخابي الذي يهدف الى خدمة المواطن اولا واخيرا.

بقى عليّ أخيرا ان أوكد ان الدعوة لاستجواب المالكي لاتهدف لدعم جهة معينة ضد جهة أخرى ولا للوقوف مع كتلة ضد اخرى مع أنني أتوقع بأن نتائج الاستجواب ستكون لصالح المالكي وجبهته، بل هي دعوة لـ:

1. حل المعضلة العراقية التي باتت اليوم في أوجه تدهورها وقمة تعطّلها وشللها.

2. تشكيل حكومة اغلبية سياسية في العراق تستطيع ان تكون حرة التصرف في اجراءاتها وغير خاضعة لمزاجات وآفات المحاصصة.

3. العمل بمبدأ المسؤولية القانونية والاخلاقية للحكومة عن كل مايجري في العراق وخصوصا الملفات التي تتعلق بالمواطن على نحو مباشر، بدلا من تكبيل رئيس الوزراء بـ"كابينة" وزارية على أساس المحاصصة واختيارات احزابها التي يعمل وفقا لأطرها هذا الوزير اكثر من عمله وفقا لتوجيهات رئيس الوزراء.

4. تفعيل دور البرلمان بصفته الجهة الرقابية التي تقوّم عمل الحكومة ومسارات عملها واتجاهات برامجها، فلا حكومة قوية من غير برلمان قوي وفعّال يمارس دوره بكل حرية ومسؤولية.

5. تعزيز وتقوية الدستور العراقي الذي اشار الى عملية الاستجواب ووضع شروطها وحدد الياتها وكل الملابسات والظروف المحيطة بها.

6. كشف وتعرية الملابسات والحقائق والاتفاقيات التي لايعلمها المواطن العادي والتي تجري داخل اروقة المطابخ السياسية.

7. ارسال رسائل ايجابية مشددة للداخل العراقي، الذي سيعلم ويشهد "سياسيا ومجتمعيا" انه لاشيء فوق الدستور والقانون في العراق، اذ ها هو رئيس الوزراء، وهو اقوى واعلى سلطة في العراق وقد حصل على اعلى الاصوات الانتخابية، يخضع للمساءلة والنقد والمحاسبة.

8. أشعار العالم الآخر والقوى الدولية والاقليمية وحتى الدول العربية بنجاح التجربة العراقية التي اصبحت الان ترتكز الى حكم الشعب والدستور والديمقراطية بدلاً من تاريخها السابق المظلم الذي كان عماده الحكم الدكتاتوري الشمولي المتمثل بكل السلطات والقوى التي حكمت العراق بعد نشوء دولته الحديثة في عشرينات القرن الماضي.

9. تشكيل حكومة اغلبية سياسية في العراق تستطيع ان تكون حرة التصرف في اجراءاتها وغير خاضعة لمزاجات وآفات الاحزاب والمحاصصة... وهي النقطة عينها التي ذكرتها اولا والتي اعيدها واكررها لاهميتها واعتبارها الغرض الاساسي من عملية الاستجواب.

مهند حبيب السماوي

alsemawee@gmail.com