إرم ياجوق جوك ذراعك وطوق رقبتي

تغيرت المراسيم

النمل بدأ بتسلق الشجرة، الشجرة التي قربَ مدخل الدار، الدار التي بناها نعمة صادق بتكلفة 160 ديناراً و3 دراهم، النمل جاء من أرض الجزيرة مع أول موجات الهجرة، جاء بأجساد وأمتعة المهاجرين، النمل بدأ يتسلق الشجرة، للوصول الى ثقب ما في ساقها الحلزوني، الشجرة أيضا جيء بشتلتها وهي في علبة معدنية من بائع نباتات قرب سور دياربكر، ديار بكر لها شقيقتان يجاورانها بالتتابع ماردين والذهبية أورفة، النمل كجنود يتهيأ للتعداد يبدأُ بالدخول الى ساق الشجرة الحلزوني.

ثمة رؤيا عن ماردين قصها على الدروايش ساقي العطاشى في أزمر، ولشقيقتها أورفة قصص وقص يقصها عمال شركات النقل البري في جلساتهم الليلية في مقهى جوق جوك، جوق جوك الذي باع مقهاه مؤخرا تحت إلحاح زوجته (أشيق) والإنتقال الى أقصى الريف لزراعة البطيخ والعنب، البطيخ الأصفر الذي يحمل بشاحنات الفولفو القديمة الى أسواق المدينة، شاحنات الفولفو التي اشتراها لبلاده رئيس الوزراء التركي الأسبق بلند أجاويد أثناء زيارته للعاصمة الألمانية بون في العام 1974، وحينها وقع على اتفاقية الشراء واتفاقيات أخرى مع رئيس الوزراء الألماني المستر براند.

أما العنب فكان يُحمل بالعربات التي تجرها الخيول ويباع لتجار الفاكهة عند أطراف المدينة، المدينة التي تطل على البسفور عند أقرب إستدارة له وعند أقرب نقطة يلتقي بها المغيب بأشجار الزيتون، أشجار الزيتون التي زرعها أحفاد طغرل بك السلجوقي وهو ثالث حكام السلاجقة حين عسكر بجنده وسط الأناضول، وسط الأناضول الذي يضم مدن أنقرة، ملاطية، سيواس، أنقرة تغيرت، ملاطية تغيرت، سيواس تغيرت، وتغيرت (أشيق) زوجة جوق جوك.

بعد 3 أعوام تغيرت أشيق، أشيق التي أحبت البطيخ والعنب والكلاب التي تجول في القرى وأحبت مجاري المياه والغيوم الداكنة والمحاريث اليدوية، أشيق قالت لزوجها أرى الناس وكأنها لم تكن كما بالأمس وحتى سكان القرى بل وحتى الريح والنبات وحجارة الشاطئ وبائعات الكرز والقمح والصباح والليل، أشعر بأن كل شيء لم يكن كما الأمس، أكاد أختنق، تكاد تختنق ياجوق جوك قال له الطبيب، محاولة ما خذها الى المدينة، في اليوم التالي الذي أعقب وصية الطبيب عبرا جسر أتاتورك بباص النقل المحلي ولما وصلا ليلا قلب العاصمة، العاصمة إسطنبول التي تقع على مضيق البوسفور وهي المدينة الوحيدة في العالم التي تقع على قارتين.

كانت هذه المدينة عاصمةً لعدد من الدول والإمبراطوريات عبر تاريخها الطويل، فكانت عاصمة للإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية البيزنطية والدولة العثمانية وفي معظم هذه المراحل، أحيطت المدينة بهالة من القداسة، إذ كان لها أهمية دينية كبيرة عند سكانها وسكان الدول المجاورة، فكانت مدينة مهمة للمسيحيين بعد أن اعتنقت الإمبراطورية البيزنطية الدين المسيحي، قبل أن تتحول لتصبح عاصمة الخلافة الإسلامية من عام 1517 حتى انحلال الدولة العثمانية.

ضمن هذا الإقبال التاريخي والذي يزدحم كل عام بالملايين من السائحين، لم يجد جوق في المدينة مأوى لهما فركب الباخرة الى أوسكودار وهناك استطاع الحصول على غرفة بحمام مشترك ونافذة واحدة في أحد الفنادق، وما أن وضعت أشيق جسدها على الفراش حتى بكرت في نومها العميق، حلمت بأشياء كثيرة بالدود وبالبطيخ وبسيارات الفولفو وبالمحاريث اليدوية وببيض دجاجاتها حين كانت تجمعه كل صباح من تحت سقيفة العنب، وتوسعت في سرد أحلامها صبيحة اليوم التالي حين جلست وجوق في مطعم السوق يتناولان إفطارهما من القيمر والعسل وحليب الماعز. ولما نهضا تمنت أن يضع يدها بيده بل تمنت أن يضع ذراعه على كتفها وهما سائران نحو مرفأ البواخر.

في طريقهما بدأ باعة الفاكهة والأحذية والملابس ولعب الأطفال وباعة السكائر وبطاقات اللوتو يرتبون بضاعتهم في أماكنها وينادون المارة للشراء وهكذا الى أن إجتازا الطريق الرئيس الذي يفصل المدينة أوسكودار عن الميناء، عندها ركبا الباخرة التي ستوصلهما قرب محطة القطارات في سيركجي، أعادت أمنيتها على نفسها من جديد أن يلقي جوق جوك أحد ذراعيه على كتفها بعد أن هدت الأجواء الشاعرية مشاعرها وهي تراقب الأمواج والفنارات والأسماك والطيور والسفن العملاقة وكان كل كيانها يصرخ بــ جوق، إرم ياجوق جوك ذراعك وطوق رقبتي بها، ثم أغمضت عينيها لتتذكر عربة زفافها وصندوقها وصيغتها الذهبية وصويحباتها وبكاءها وهي تنظر بحسرة وبفرح بعد أن أركبها جوق العربة واتجه بها الى عش الزوجية.

وصلت الباخرة الميناء، وأشتهيا أن يأكلا السميط من أحد الباعة الجوالة وما أن قضم جوق أول قضمة من السميط، بدأت أفكاره في قضايا كثيرة تأكل منه لكنه انتبه لتلك المغادرة العقلية المؤقتة وتوجها الى مقبرة محمود باشا لزيارة جده الأكبر الجنرال صوفان مندرس والذي قتل في حرب البلقان الأولى، وهناك في المقبرة التي تقع في الطريق المؤدي الى السلطان أحمد والتي تبعد عن سوق كاباكلي مسافة 50 مترا، شاهدت القبور المنتشرة ما بين الزهور وراحت تمر ما بين ممراتها فتلامس هذا القبر أو ذاك وهي ترتل كل شيء قد تغير حتى في المقابر.

تذكرت كيف دفن والدها الذي أصيب بمرض الجدري ووافاه الأجل حين حمل على الأكتاف ودفن في منطقة هضاب خالية من الحياة، وكذا أمها التي توفت بالسكتة القلبية ودفنت هي الأخرى في ذات المكان بعد أن وضع عليها ما سترها من التراب، ولم تجد من بدء وهي تتابع خطاها في مقبرة محمود باشا وتتفرس في الشواهد وتحاول قدر الإمكان جمع الحرف فوق الحرف لمعرفة من هذا المتوفي ومن ذاك وهي تنعي زمنها الجميل بـــ كل شيء قد تغير.

تغيرت المراسيم، القبور، شواهد القبور، ومع نفسها أخافتها مقولة كل شيء بدأ يتغير ونظرت بحنية عالية الى جوق وكأنها تخشى أن يمتد التغيير الى قلبه فأخذته بقوة من ذراعه وهو لا يزال أمام قبر جده الأعلى وأتجهت به خارج مقبرة محمود باشا، وخوفا من أن يتغير طوقته بعنف بحيث بدأ لا يقوى على الحراك وألقت بنفسها وبه تحت عجلات القطار الذي تركهما جثتين هامدتين، ومن بين المتجمهرين من سمعها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة:

هناك متغيرات سيئة كل يوم تحدث في هذا العالم

ليتغير كل شيء، ليتغير

أشعر الآن بالأمان

فلم يعد يهمني ما سوف يحدث بعد الآن.