'إرشادات عن الزهرة' والمقالات السرية

قلم: محمد الفقي
تيار هوائي خلفي

في آخر خمس دقائق من فيلم مفصلي لهِتشكوك بعنوان "درجات السلم الـ 3"، يجري مشهد النهاية على خشبة مسرح للمنوعات: مستر ميموري يستعرض قدرات ذاكرته الخارقة، ويجيب عن أسئلة في المعلومات العامة يُلقيها عليه جمهور الصالة، مُظهراً براعة في التذكر مهما كان السؤال بعيداً أو صعباً، هذه مهنته ومكمن فخره، ويظهر هذا الفخر والتعالي على ملامحه الواثقة وهو يعتلي خشبة المسرح، ينتهز البطل الفرصة فيسأله بصوتٍ عالٍ: "مستر ميموري، هلا أخبرتني عن معنى الدرجات الـ 39؟"، فجأة، يصبح مستر ميموري أمام اختبار عصيب للمهنيّة، هو يعلم الإجابة، لأنه أحد أفراد العصابة التي يطاردها البطل، يُلح البطل في السؤال، وأخيراً، يتخذ مستر ميموري القرار؛ الانتصار للمهنيّة، الانتصار للحرفيّة، فينطق بالإجابة التي يعلم أن فيها حتفه: "إنها عصابة من الجواسيس التي تجمع معلومات لصالح وزارة خارجية دولة ... "، ويتلقى من فوره الرصاصة القاتلة من رئيس العصابة الذي يجلس في شرفة المسرح.

لا المشهد، ولا شخصية مستر ميموري، لهما وجود في رواية جون بكان، التي أعد هِتشكوك عنها الفيلم، ويقول هِتشكوك لفرانسوا تريفو في حوارهما، إنه ابتكر الشخصية وكتب المشهد تحيةً للمهنيّة.

نحيا أيامنا وكأننا في عصر صُمِّمَ على مبدأ اللاحرفيّة، الموضة حلت محل الحرفيّة، والموضة تتخفى وراء قناع الذوق لتداري جهلها، أما الحرفيّة، التي تتطلب الخبرة العسيرة على الحيازة، فقد بدأت بالاحتضار بظهور الإنتاج السلعي الكبير وهمينته على العالم، سلع رخيصة لها مظهر برّاق، الرأسمالي يريد تحفيز المستهلك على الاستهلاك بلا انقطاع، استهلاك صار في حالات كثيرة إشباع لحاجات غير ضروريّة، على حساب حاجات ضروريّة يُسفر إشباعها عن ربح أقل، وشيئاً فشيئاً، نتربى على اتخاذ قرارت شراء لا بناءً على الحاجة، ولا حتى على الخبرة الضرورية بشروط السلعة الجيدة، بل على فانتازيّات الموضة الطنّانة، على الدعارة المقدّسة للسلعة، لعنة اللهاث لاقتناء الموديل الأحدث تتحول لهوس، لوسواس مزمن، أتذكر كاريكاتيراً نُشرَ منذ سنوات في مجلة "نيويوركر"، عن بائع يمسك بكاميرا تصوير رقميّة وهو يشير لمصباح صغير في هيكل الكاميرا، قائلاً للزبون: "وهذه اللمبة ستضيء لتنبهك عندما تصبح الكاميرا موضة قديمة".

الخبرة كانت مكمن فخر الإنسان في عصور كان الاتصال فيها مباشراً بين المشتري والصانع، كان المشتري هو من يعطي الأمر للحرفي بإنتاج سلعته، ويشرف على إنتاجها بنفسه، كان يملك من الخبرة بشروط الإنتاج الجيد للسلعة ما يحميه من الوقوع فريسة للمحتالين، الخبير يُلقي بالموضة إلى النسيان بنظرة احتقار واحدة، إذا أردتَ استعادة دقة اتجاه البوصلة، لزمَ الخروج من نطاق الحقول المغناطيسيّة للموضة، وإذا رغبتَ في الخبرة فاجعل الموضة وراء ظهرك، الموضة ملاذ الخارجين على الخبرة، الصين تدق آخر المسامير في نعش الخبرة، المُنتِج الصيني للسلع الرخيصة يُغرق السوق العالمي بسلع عديمة الجدوى والجودة، مموهاً نوعيتها السيّئة بمظهر زائف، معتمداً على اللون، والشكل، والملمس، وحلم الفقير بامتلاك ما لا يقدر على امتلاكه، هو يمتلكه أخيراً بفضل حرفيّة المنتج الصيني في إخفاء رداءة السلعة، ونوعيتها، وطبيعة تشطيبها، بمحاكاة شكليّة لماركات عالميّة شهيرة عسيرة على جيوب الفقراء، هل العِلم للمنتج الصيني أضرّ من الجهل؟ لا يُمكن كتابة تاريخ للغش التجاري بشكل منفصل عن تاريخ تطور الموضة.

التحول عينه حدث في تذوق الفنون أيضاً، لم يعد هناك وقت للتذوق، ولا طاقة لبذل الجهد اللازم له، لم يعد هناك وقت إلا لأخذ مهدئات فنيّة لا تحتل كثيراً من المكان في الرأس، الخبرة اللازمة لتذوق الفن والأدب الجيد، والتي تحتاج إلى جهد، ومثابرة، وريّ مستمر للمعرفة، حلت محلها مفاهيم: "البريق"، "الهالة"، "النجوميّة"، حلت كأنها تحل في أوعية خالية، خالية من خبرة التذوق، كلُ محلولٍ في وعاءٍ إنما حلَّ فيه لخلو جوفه، بدون مفاهيم النجوميّة والبريق والهالة تخسر آلية "البست سيلر" خسائر فادحة، ففي وجود متذوقين ذوي خبرة تنكشف هزالة لحمها، تنفضح هشاشة عظمها، تنكشف الكرامة عن حبٍ فارغ.

كاريكاتير مجلة نيويوركر

مسرح الـ "نو" الياباني من المسارح التي تأسست على مفهوم الخبرة، عراقة تقاليده ترجع إلى سبعمائة عام خلت، الممثلون في مسرح النو يتم تدريبهم من سن الخامسة حتى الخامسة والثلاثين، كلهم من الذكور، لا يُسمح للإناث بالتمثيل، أدوار النساء يقوم بها ممثلون ذكور، ثلاثون عاماً من التدريب المتواصل على أداء ثلاثة أدوار أساسيّة: المحارب، والمرأة، والرجل العجوز، وبالوصول لسن النضج المهني، يكون الممثل قد تخصص في أحد هذه الأدوار، ويرافق التدريب قراءة متعمقة ومستمرة لتعاليم الأب الروحي لهذا المسرح؛ زيامي، الذي وضع كتاباً ضخماً، إلى الحد الذي يُوصف بأنه أكبر كتاب إرشادي مهني عن فن التمثيل وجدَ على الأرض، اسمه "إرشادات عن الزهرة"، والزهرة مفهوم يصعب تعريفه إلا بقراءة الكتاب قراءةً متعمقة، ويلزم كذلك معرفة تعاليم طائفة الزن الدينية اليابانية المتشبّع بها زيامي، لكن يمكن تقريب المعنى بالقول إن الزهرة المقصودة تعني: تقنية التعبير عن ما هو عميق وجوهري بنفاذ بصيرة وجمال يسلب لب المتفرجين، وذلك برعاية مكثفة ومستمرة للمهارة، بالتدريب والغربلة الدقيقة للخطأ والصواب.

كتاب "إرشادات عن الزهرة" عبارة عن مجموعة ضخمة من المقالات السريّة، ممنوع تداولها علانيّة أو خارج دائرة ممثلي النو، زيامي يقول: "المهنة تجني فائدة أكبر بالاحتفاظ بأمورها سريّة"، لكن الكتاب تسرّب في القرن العشرين، ككل ما تسرّب في القرن العشرين، من يطلع عليه يجد أنه كتاب روحيّ بامتياز، وليس فقط كتاباً حرفياً لجني المهارة والصفاء في فن التمثيل، فالكتاب قد صُمّم ليُلازم ممثل "النو" منذ الطفولة حتى الممات؛ تَعهدٌ حرفيّ للممثل بالرعاية المكثفة والمستمرة لمهارته، وتَعهدٌ روحيّ للإنسان الذي ينفق عمره في التدريب بكشف قيمة الحياة، وقيمة الفن، من فنان متشبع بتعاليم زن؛ تعاليم الحقيقة التي تكمن في قلب الأشياء.

ممثل "النو"، كممثل "الكابوكي" أيضاً (وهو النوع الذي يمكن أن نطلق عليه النوع الشعبي من النو) لا يمكن أن يُصبح نجماً بين يوم وليلة، مستحيل، ولا بطلاً لمسرحيّة بين يوم وليلة، مستحيل، فممثل النو عليه أن يكافح بصبر عتيد مع جمهور عنيد، جمهور ناقد، عارف بتقنيات المعلمين الكبار الذين حملوا الشخصيّة وشاهدهم على المسرح، جمهور يحفظ المسرحيّات عن ظهر قلب، لكنه يحضر ليشاهد تقنية الممثل وينقدها، جمهور لا يحكم على مشهد واحد، ولا على عرض واحد لمسرحيّة، بل يُقيّم الممثل بناءً على تراكم العمل على مدى الحياة، على مجموع الأعمال الكاملة للممثل، مقارنةً بالأعمال الكاملة لغيره من الممثلين، جمهور لا تشتت انتباهه بهرجة الأزياء، ولا فتنة الجسد، إن لم تراع القواعد التي يعرفها بشكل صحيح، جمهور يبحث عن البهجة العقليّة، عن الأسلبة، عن التحليق على الحد الفاصل بين الواقعيّ والخياليّ، جمهور مُشبّع بالخبرة، لا يُصدر أحكامه الجماليّة وفقاً للموضة، جمهور يستمتع بالكدح الذي يبذله الممثل، وترشف عيناه عرق الخبرة، ببطء، وتلذذ، كنبيذ مُسكر.

المهنيّة هي آخر ومضة بطوليّة في أزمنة الانحطاط، الفعل البطولي الوحيد الباقي للإنسان البائس، إرادة بطوليّة لا تُقدم أي تنازلات لحمى الاشتهاء السلعي، ولا تُسَلّم لضيق الأفق، ولا للبست سيلر، إرادة تَسيرُ وراء تزمتها المعياري كما سار موسى خلف العصا، مازلت أذكر مشهداً في فيلم أميركي متواضع بعنوان "تيار هوائي خلفي" للمخرج رون هاورد، تستجوب فيه إدارة المصحة العقليّة مُشعل الحرائق دونالد سذرلاند، الذي يتذاكى بمحاولة ادعاء الحالة الطبيعيّة، وتكاد اللجنة أن تقتنع بصلاح حاله وتلاشي ميوله التدميريّة، لكن المُحقّق روبرت دينيرو، الصامت حتى هذه اللحظة، يتدخل في الوقت القاتل بسؤاله: "ما هو الشيء الأكثر إلحاحاً الذي تتمنى فعله إزاء العالم؟"، السؤال مصاغٌ بمكرٍ شديد، سؤالٌ يضع مُشعل الحرائق السابق في مواجهة مع مهنيتّه، يبتسم أخيراً سذرلاند باستعلائيّة وهو ينظر لدينيرو موقناً بهزيمته، وينطق بالإجابة التي يعلم أن فيها استمرار حبسه: "أن أحرق العالم عن بكرة أبيه!".

محمد الفقي ـ كاتب وسيناريست من مصر

mohamed_elfeki@hotmail.com