إذا بوش أنتصر

بقلم: نضال حمد

قرأت يوم أمس قصيدة جميلة للشاعر العربي أحمد مطر يصف فيها حال العرب والعربان بعدما صاروا مضحكة الزمان،وقد جاء في مقطعها الأخير ما يلي:
"قلت: إذن عربنا
سيشعرون بالخجل
قال: تعال ابصق على وجهي
إذا هذا حصل".
يأتي كلام الشاعر عن عربنا بعدما فرغت الشوارع العربية من الذين يرددون الهتافات، وأنحسر الوجود على الأرصفة والشوارع بالذين يخرجون لمغازلة ومعاكسة البنات. كأن الأمة العربية عظيمة مثلما كانت في غابر الأزمنة، وكأن البلاد العربية محررة وديمقراطية، يسودها العدل والسلام والوئام، وكأن العرب في كوكب يعمه الأمن والهدوء و السلام وما يحدث في بلادهم إنما يحصل في كوكب المريخ أو زحل.
يا سادتي الكرام! الشارع العربي لازال محكوما من قبل الحكومات التي لا تحترم حقوق البشر كما يجب أن تحترم، ولازال رهنا بأمزجة الذين اغتصبوا الحكم بمساعدة أمريكا قبل وبعد احتلال العراق. وفي مرحلة الحرب الباردة سابقا، وفي زمان الحرب على الإرهاب والدول المارقة لاحقا. هذا الشارع لازال فارغا من زحمة المتظاهرين لأجل فلسطين والعراق أو لأجل سوريا المهددة من كل صوب وحدب في هذه الأيام.
هذا الشارع لم تحركه كل المآسي التي تحدث في بلاد العرب، ولم تحركه مجازر رفح ومخيم يبنة المستمرة منذ عدة أيام، ولم تساعده على الحراك مواقف رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد الجريئة والشجاعة في القمة الاسلامية، هذا الرجل الذي سارعوا لنهش لحمه، بعدما قال أن اليهود يحكمون العالم بالنيابة.
لو لم يكن كلام مهاتير محمد صحيحا، لما قامت تلك الجموع لتدينه وتتهمه بمعاداة السامية، فهل أصبح ممنوعا ذكر اليهود بشيء أو حتى التحدث عما يقومون به من خرق لحقوق الإنسان في فلسطين؟ أليست معاناة الشعب الفلسطيني على أيديهم تستحق الكثير من التوقف عندها، ومحاسبة الذين يقتلون الضحايا ويلبسون جثتهم؟ أليست إسرائيل باعترافها واعتراف بوش وغيره دولة يهودية لليهود فقط لا غير؟ أليس الصمت - لا بل الانحياز الأمريكي وخلفه الأوروبي - لصالح القتلة وضد الضحايا جديرا بالاهتمام والمحاسبة، بوصفه عداء عنصريا وعرقيا للعرب والفلسطينيين والمسلمين وحتى لمسيحيي الشرق العربي؟
لو كان كلام مهاتير معاديا للسامية فأن مواقف الإدارة الأمريكية ومن خلفها الاتحاد الأوروبي من قضية الشعب الفلسطيني، ومما يحدث الآن في فلسطين تعتبر مواقف معادية للقيم البشرية وللأخلاق الإنسانية. ولقلنا كذلك أن كلام توني بلير مؤخرا عن "معاناة الشعب الإسرائيلي المروعة، وعن المجتمع الدولي الذي لا يلتفت لتلك المعاناة الإسرائيلية بينما يعمد لرؤية معاناة الفلسطينيين دون النظر لمعاناة الإسرائيليين الأبرياء"، أن هذا الكلام فيه خداع وتزييف وانحياز واضح على حساب الضحايا، كما انه يعتبر تحديا عنصريا واضحا، ومغالاة في معاداة الفلسطينيين والتشجيع على ما تقوم به إسرائيل من جرائم.
إذا كانت معاناة الإسرائيليين الأبرياء مريعة وإسرائيل تواجه مذبحة، بحسب كلام توني بلير أمام مجلس العموم البريطاني إثناء جلسة المساءلة الأسبوعية لرئيس الوزراء، فماذا نقول عن معاناة الشعب الفلسطيني البريء والواقع تحت نير الاحتلال منذ حوالي 60 عاما مضت وذلك بسبب بريطانيا العظمى، والوعد المشئوم لوزير خارجية استعمارها بلفور، كان الأجدر بتوني بلير أن يتحدث عن هذه المعاناة التي هو و آباؤه و أجداده من أهم أسبابها.
لم يخطأ مهاتير محمد بل قال ما كان يجب أن تقوله القمة الإسلامية بصوت واحد، وما كان يجب أن تقوله كذلك الأمة العربية بصوت واحد، وكذلك ما كان يجب أن تقوله الأمم المتحدة بصوت واحد.
بالمناسبة نفسها نسأل ماذا سيفعل صوت الرئيس السوري بشار الأسد الذي ندد بالمتعصبين ذوي النوايا الخبيثة في إدارة بوش، مادام وحده وبلا دعم وإسناد من الدول العربية الأخرى. هؤلاء العنصريون في إدارة بوش الذين كشفوا عن رؤيتهم المتوحشة للعالم بعد هجمات أيلول سبتمبر كما وصفهم الرئيس السوري، هم خطر حقيقي على العالم. إنه من الواجب القومي أن تتبنى الأمة العربية موقفا موحدا في معارضتها ورفضها ومقاومتها للموقف الأمريكي الجديد الذي وضع سوريا مكان العراق، وبدأ بشن الحملات المعادية التي تستهدف النيل من المواقف السورية القومية.
ونخشى ما نخشاه أن تكون هذه مقدمة لغزو سوريا من قبل إسرائيل وأمريكا معا. فضربة عين الصاحب لم تكن يتيمة وسوف يكون لها شقيقات في الوقت القريب، لذا على العرب الذين لازالوا نائمين أن يصحوا من نومهم ويستقضوا من الغفوة الطويلة، لعلنا ولو لمرة واحدة نفشل تنبؤات الشاعر الكبير أحمد مطر. وبدلا من أن ننشد ما جاء في أبيات قصيدته أعلاه، نستطيع أن ننشد بعد الإذن من شاعرنا الكبير هذه الأبيات:
" قلت: إذن عربنا
سيشعرون بالخطر
قال: تعال أبصق في وجهي
إذا بوش أنتصر". نضال حمد - اوسلو