إخوان مصر... أزمات حادة أسست حزب الوسط

الإخوان المأزومون

من أكبر نقاط النقد التي واجهت النقد هي تاريخ النظام الخاص للإخوان المسلمين، وممارساته منذ نشأته وتأثيره على الجماعة، وضعف إشراف البنا على النظام الخاص (الجناح العسكري) للإخوان هو أكبر أخطاءه، وبخاصة أن البنا اختار طالبًا في السنة الأولى بكلية الآداب عمره 21 عامًا اسمه عبد الرحمن السندي لرئاسة هذا الجهاز العسكري، وهو في هذا السن الصغير. إنه من الطبيعي لجماعة كالإخوان أن يكون لها جناحها العسكري - خاصة في تلك المرحلة - لكن كان ينبغي على البنا رحمه الله أن يدرك خطورة هذه الخطوة وجديتها، بالنسبة لمستقبل الجماعة ككل ولأمنها عمومًا، فمواجهة الإنجليز داخل مصر عسكريًا ليس بالأمر الهين ولا مواجهة الصهاينة في فلسطين كذلك.

أكثر من ذلك أن هذا الأمر حتى لو تيسر فليس من المناسب أن يكون على رأس هذا الجهاز طالب في الجامعة في السنة الأولى لا يتعدى الحادية والعشرين سنة. لقد تسلم عبد الرحمن السندي الطالب في كلية الآداب وفي السنة الأولى فيها قيادة هذا الجهاز بعد أن بايع البنا على السمع والطاعة دون أن يدرك الأول ضخامة المهام المنوطة به؛ ولا تشابك مكانتها السياسية والأمنية ودون أن يدرك الثاني أن هذا (النظام الخاص) سوف يورط الجماعة في شبكة من المآزق السياسية وسوف يعرض الجماعة للحل والمطاردة والتشريد جراء الأعمال اللامسؤولة التي انغمس بها مثل قتل القاضي أحمد الخازندار ورئيس الوزراء النقراشي وحادث المحكمة وحادث حامد جودة رئيس مجلس النواب....

ولم يتوقف الانتقاد االموجه إلى النظام الخاص فقط عند مرحلة اغتيال البنا الذي هو أثر من آثار أعمال النظام الخاص، وبخصوصاً بعد مقتل رئيس الوزراء ووزير الداخلية آنذاك محمود فهمي النقراشي، وأكد النقد على مخاطر النظام الخاص طوال فترة المستشار حسن الهضيبي المرشد العام الثاني للإخوان: "أما أهم المشاكل الداخلية التي واجهت الهضيبي فهو النظام الخاص - أي الجناح العسكري للجماعة - والذي بات يسبب ازدواجية في القيادة، فقد كان ينافس البنا في قيادته للإخوان - وقد شعر البنا بذلك وكان بصدد معالجة هذا الوضع المعوج غير أن المنية عاجلته - أما الهضيبي فقد كان النظام الخاص لا يتعامل معه بندية فقط بل بشيء من الفوقية والاستقلال التام عنه".

كما امتد الانتقاد ليشمل النظام الخاص ورجاله حين سيطروا على الجماعة بشكل تام بعد وفاة الهضيبي السنة 1973، وقد رتبوا لهذه السيطرة منذ وجودهم في السجون في فترة الستينات وظلوا مسيطرين برموزهم ومن عاونوهم من بقايا تنظيم عام 1965.

كذلك عاش الإخوان حالة الصراعية مع السلطة:، فـ"ثمة خلط واضح في صفوف الحركة الإسلامية بين مفهوم "المعارضة" للسلطة ومفهوم الصراع للسلطة وربما على السلطة". ففي تاريخها جمعت الحركة الإسلامية بين البعد الخيري والبعد السياسي، وكيف أنها نجحت إلى حد كبير في البعد الخيري مع غياب النظرية العلمية الموضوعية في هذا المجال. "أما في البعد السياسي فلم توفق مثل التوفيق الذي حالفها في البعد الأول وذلك نظرًا لغياب الرؤية السياسية الواضحة والدليل النظري الذي تسترشد عليه. فمن الواضح في هذا المجال استعدادها الغريزي للصدام مع الفرقاء السياسيين".

" كل هذه العوامل تساعد في حشر الحركة في زاوية الصراع مع السلطة وهو صراع لم تحصد منه الحركة سوى المر والعلقم". هذا مع غياب المؤسسية الفعلية وبروز الشخصنة في قيادة الجماعة، رغم وجود هياكل لإدارة الجماعة مثل مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية إلا أن دوره شكلي والقرار أساسا بيد شخص المرشد العام، فالمشكلة "اللكبيرة في الإخوان - وبخاصة في المرحلة الحالية - تكمن في النسق القيادي الذي يميل لتركيز السلطة القيادية في يد شخص واحد بحيث يتم الإلغاء الفعلي de-facto للمؤسسات الإدارية الشرعية رغم وجودها الاسمي. فهناك مثلا مكتب الإرشاد وقد يضم 12 عضوًا لكن كما قال د. خميس حميدة وكيل الجماعة آنذاك في محاكمات 1954: "المرشد كان الكل في الكل أما الباقي ففترينات،... محاضر محاكمات 1954 – الجزء الثاني- ص 23) هذا الميل في الإخوان لتركيز السلطة وشخصنتها لا يزال هو من العيوب الرئيسية في تكوينهم القيادي".

"ولم يعد من الممكن قبول فكرة (الإمام) المرشد الحجة ذو العلم المحيط الذي ينهل منه الناس الحكمة والمعرفة والرأي السديد. فهذا زمن المؤسسات الكبيرة والنظم المرنة وتوفير متطلبات الابتكار وسيطرة العلاقات أكثر من سيطرة الهيكل وتكثيف دور الاختصاصيين لا تهميشهم وتفتيت السلطة لا تركيزها وتعقيد قرار الحرب والسلام لا تبسيطه، وكل ذلك غير متحقق في جماعة الإخوان بصيغتها الإدارية الحالية".

لكل هذا وغيره ظهر ت تجربة الوسط من داخل الإخوان، وهي تعني محاولة مجموعة من الشباب الإسلامي تأسيس حزب مدني ذي مرجعية إسلامية باسم حزب "الوسط". ولقد كانت المحاولة الأولى يناير في 1996 وقوبلت برفض حكومي، ثم كانت المحاولة الثانية في مايو 1998 باسم حزب الوسط المصري ولاقت مصير التجربة الأولى. أما المحاولة الثالثة في مايو 2004 باسم حزب "الوسط الجديد" فقد قابلتها محكمة الأحزاب بطلب استثنائي هو إعادة التقدم مرة أخرى وفق التعديلات الجديدة الخاصة بشروط التقدم التي كانت قد أُدخلت على قانون الأحزاب أثناء نظر الدعوى أمام المحكمة، وهو ما يقوم به المؤسسون هذه الأيام (مارس 2009) ليعيدوا المحاولة للمرة الرابعة، وفي هذه التجارب كلها شرفت بأن اختارني المؤسسون لأكون وكيلاً عنهم في السعي الرسمي والشعبي للحصول على الرخصة.

ولم تمهل أحداث سبتمبر 1981 الخاصة بقائمة التحفظ (أو الاعتقال) الشهيرة للرئيس الراحل أنور السادات هذه الحالة كثيرًا، وذهب أغلب القيادات المؤثرة سواء في الجيل القديم من الإخوان أو الجيل الجديد في غياهب السجون وخرج أو غادر أو هرب عدد مهم من قيادات ما عُرف بعد ذلك بالحرس القديم وجيل 65، ثم عاد الجميع للنشاط بقوة بعد الإفراج عن معظم المعتقلين وبعد اغتيال الرئيس السادات وذلك في نهاية عام 1982، وبداية عام 1983، وانطلق الشباب الجدد في جماعة الإخوان بقوة في هذه الفترة، وبخاصة في ظل غياب أسماء محددة من رجال النظام الخاص وتنظيم 65 والمقربين منهم خارج مصر حتى عام 1986، وهو عام وفاة المرحوم عمر التلمساني المرشد العام الأسبق.

وفي هذا العام ظهرت أسماء ورموز خرجت من مصر عام 1981 بعد قائمة التحفظ الشهيرة أو لم تكن موجودة من قبل منذ خروجهم من السجن في بداية السبعينات (أ.مصطفى مشهور، المستشار مأمون الهضيبي، أ.محمد مهدي عاكف، الشيخ عبد الله الخطيب، د. محمود عزت، م. خيرت الشاطر وآخرون).

في ذلك الحين بدأت تواجه مجموعة الشباب الذين دخلوا الإخوان في نهاية السبعينات (وهم قيادات طلابية كما سبق الإشارة) مشاكل وتضييقا متعمدا من رموز وأسماء معينة علمنا بعد ذلك أنها من رموز النظام الخاص القديم أو من بقايا تنظيم 65، وبدأ – تدريجيا - يتبلور داخل الجماعة تياران أو ما عرف بعد تفجر أزمة حزب الوسط بـ "التيار الإصلاحي المنفتح" و"التيار الراديكالي المنغلق"، لكن رموز التيار الأول (كان أغلبها من جيل قيادات الشباب في فترة السبعينات) لم تكن تدرك المشكلة بتعقيداتها وتراكيبها في بداية المراجعة التي بدأت فورًا بعد وفاة المرحوم عمر التلمساني.

بعدها وضحت الرؤية عن ماهية المشكلة وطبيعتها وبدأ التفكير والعمل داخل جماعة الإخوان المسلمين لإصلاح هذه العيوب وتطوير الجماعة من داخلها، وهو العمل الذي بدأ تدريجيا من عام 1986 بعد وفاة عمر التلمساني لكنه لم ينضج وتكتمل صورته إلا بعد محاولات الإصلاح والمراجعة من داخل الإخوان ولما كان الطريق مسدوداً كانت تجربة حزب الوسط.

هامش:

حزب الوسط هو حزب سياسي مصري ذو مرجعية إسلامية، ترجع فكرة تأسيسه إلى مجموعة من قيادات الحركة الطلابية الإسلامية في السبعينات، وقيادات النقابات المهنية المنتمين للتيار الإسلامي ومعظمهم كانوا أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، ثم انفصلوا عنها عام 1996، وتقدموا بطلب للجنة شئون الأحزاب لإنشاء حزب سياسي يحمل اسم حزب الوسط ثلاثة مرات في أعوام 1996، 1998، و2004 وتم رفض الطلبات الثلاثة، وبناء على هذا الرفض تقدم الحزب بطعن على قرار اللجنة أمام دائرة شئون الأحزاب بمجلس الدولة المصري، وبعد ثورة 25 يناير وتحديدا في 19 فبراير 2011 قضت الدائرة بالسماح بإنشاء الحزب، وإلغاء قرار لجنة شئون الأحزاب بالاعتراض على تأسيس الحزب.