إخوان الامريكان: شركاء في القمع والطغيان

بقلم: علي الصراف

الدلائل المادية على وجود صفقة بين الاخوان المسلمين والولايات المتحدة الامريكية كثيرة. ولكن أقل ما يمكن ان يقال في مدلولات هذه الصفقة وتبعاتها انها خطيرة.
الجانب الجوهري من الصفقة يقضي، من وجهة نظر الولايات المتحدة، بالسماح لاسلاميين "معتدلين"، ان لم يكن بتولي السلطة في مصر، فعلى الأقل بان يصبحوا جزءا منها. اي ان يكونوا جزءا من النظام السياسي للسلطة بدلا من الوقوف خارجه كمنبوذين.
وهكذا، فبدلا من ان يتحول هؤلاء "المعتدلون" الى خزان يغذي بيئة التطرف، بسبب علات اقتصادية واجتماعية كثيرة لا تكف بدورها عن تعبئة هذا الخزان باستمرار، فانهم يمكن ان يصبوا ماءهم في طاحونة السلطة وان يعملوا، بلغتهم الاسلاموية الخاصة، على تفريغ شحنات التطرف.
هكذا تكسب الولايات المتحدة جيشا من الاسلاميين يحارب الى جانبها ضد الارهاب؛ جيشا ميزته الأهم هو ان يصدر من بيئة الثقافة الاسلامية نفسها.
هذا اذا اقتنعنا ان الحرب الامريكية المزعومة ضد الارهاب، هي حرب ضد الارهاب فعلا.
اما اذا كان النفط والهيمنة الاستراتيجية والحفاظ على أمن اسرائيل وتشريع احتلالها للاراضي العربية، هي الأهداف الحقيقة لخدعة "الحرب ضد الارهاب"، فان كسب الاخوان المسلمين للمساهمة في الحرب ضد "التطرف الاسلامي" سوف يعني شيئا واحدا فقط: كسب جيش جرار من العملاء، يخوض حربا "صليبية" بكل معنى الكلمة لخدمة المصالح الامريكية والصهيونية في المنطقة تحت ستار حرب ربما تكون أكبر كذبة عرفها تاريخ الحروب منذ بدء الخليقة حتى الآن.
ما تريده الولايات المتحدة من الاخوان، هو ان يكونوا حصان طروادة في المجتمع المصري، ليس لكبح جماح التطرف ونشر الاعتدال فيه (وهو مجتمع معتدل بما فيه الكفاية) بل لدفعه في أحد اتجاهين: حرب أهلية، على غرار الحرب الأهلية التي يخوضها "الاسلام الشيعي" تحت حراب الدبابات الامريكية في العراق. او حرب ردة وتخلف تعيد مصر (وهي آخر القوى الاقتصادية الاقليمية التي تستطيع منافسة الدور الاقتصادي الاسرائيلي) الى العصور الوسطى، وذلك بشغلها بمعارك سفسطائية لا تنتهي حول النقاب والحجاب والارهاب والكباب، وما الى ذلك من ترهات فقهية لا توفر خبزا لأحد.
***
يذهب الافتراض النظري، الذي سوف يتداول فيه مثقفون كثيرون، الى القول انه مثلما يوجد "مسلمون معتدلون" يمارسون السلطة في تركيا، من دون ان يفضّوا تحالف هذا البلد مع الولايات المتحدة، فانه بوسع "معتدلين" مماثلين في مصر (كما هو الحال بالنسبة للاسلام الشيعي في العراق) ان يفعلوا الشيء نفسه.
الاسلام السياسي التركي، ليس بطبيعة الحال "اسلاما دينيا" ينشغل بقضايا "تطبيق الشريعة"، كما هو الحال بالنسبة للاسلام السياسي المتداول في العديد من الدول العربية، ولكن يمضي الافتراض النظري الى القول انه مثلما امكن تحويل الاسلام السياسي التركي الى "اسلام قومي" ينشغل بالمصالح القومية العليا لتركيا، ويتحول بفضلها الى "اسلام علماني"، فانه ربما يكون بوسع "المعتدلين" الاسلاميين العرب ان يخطوا خطوة مماثلة، مما يجعل اقترابهم من السلطة مشروعا ومقبولا من جانب واشنطن.
بقي ان يثبت "المعتدلون" انهم "معتدلين" بالفعل!
الاخوان المسلمون في مصر فعلوا الكثير في هذا الباب. فهم خلعوا على شعار "الاسلام هو الحل" معنى "حضاريا" لا يقتصر حصريا على "تطبيق الشريعة"، ليقولوا انهم مؤهلين للسير على خطى الاسلام السياسي التركي. وهم ظلوا، من ناحية اخرى، يكررون انهم لا يشكلون تهديدا للنظام القائم، واثبتوا ذلك بان تخلوا عن خوض معترك السباق على الرئاسة ليفوز به الرئيس حسني مبارك. وأوحوا في هذا الباب، انهم مستعدين لترك هذا السباق لوقت طويل من الزمن في مقابل ان يسمح لهم بالمشاركة الشرعية في الحياة السياسية.
والمشاركة بدأت، بانتخابات اكتسح فيها ممثلو الاخوان عشرات المقاعد النيابية في مجلس الشعب، ومن المنتظر ان يتحولوا بموجبها الى حزب المعارضة الرئيسي.
الخطر، تاليا، هو انه في ظل ديمقراطية كسيحة لا تتوفر لها بنية اقتصادية واجتماعية وثقافية متينة، تحفظ الحقوق السياسية للجميع وتضمن المساواة الاجتماعية (بين الرجل والمرأة على وجه خاص) وتُعلي سيادة القانون، وفي ظل ثقافة تسلط وقمع واستبداد (من الأسرة الى مبني الحكومة)، فان "الاعتدال" المزعوم لن يكون اعتدالا حقيقيا، كما انه لن يدوم.
أولا، سيتم سحق احزاب المعارضة العلمانية. وتشير كل الدلائل على ان هذا هو ما حصل بالفعل.
وثانيا، سيتم الاعتماد على تغييرات مزيفة في التعامل مع "الاقليات" السياسية والاجتماعية، وذلك بينما يجري خوض "حرب ابادة" ثقافية داخل المجتمع لقمعها وسحق أصواتها وتدمير قدرتها على تقديم بدائل او على المشاركة في حياة سياسية متوازنة.
وثالثا، فبمقدار ما يتحول الاخوان الى مطية بسبب تواطؤهم الضمني مع الولايات المتحدة، فانهم سيخسرون القدرة تدريجيا في التأثير على التيارات الاسلامية المتطرفة التي ستظل تضغط عليهم للعودة الى قضايا "تطبيق الشريعة". وبالتالي فان مصادر انتاج، واعادة انتاج، الارهاب لن تزول.
ورابعا، فما بدا انه "تنازلات" مجانية لحساب بعض قوى المعارضة (بالامتناع عن ترشيح اخوانيين في بعض الدوائر) ليس سوى تنازل مؤقت سرعان ما سوف يتحول، في مراحل لاحقة، الى اكتساح، والى عمل من اعمال "التطهير الايديولوجي".
وخامسا، فان منح الخطاب الاسلامي منبر البرلمان ليكون صوت المعارضة الرئيسي، في ظل غياب المعارضة الوطنية والعلمانية (وهي "معتدلة" بالتعريف) سوف يعزز قابلية هذا الصوت ليبدو وكأنه صوت الحق والحقيقة الوحيد، وهذا، بحد ذاته، كارثة؛ كارثة للإعتدال؛ وكارثة لمتطلبات التوازن السياسي.
***
يجب الاعتراف بان الاخوان المسلمين حركة شعبية كبيرة، ساعد حرمانها من المشاركة في الحياة السياسية، على توسيع دائرة نفوذها، وليس العكس. سرية هذه الحركة حولتها من حزب سياسي كان يفترض ان يتقدم ببرامج اجتماعية واقتصادية وتشريعات تخضع للنقاش، الى حركة اجتماعية تقدم لملايين المواطنين "خدمات" ميدانية تتسرب من خلالها أفكار غير خاضعة للنقاش ولا احد يجادل في مدى أهليتها.
وفي اجواء فقر واستبداد وعزلة متنامية بين السلطة والمجتمع، فقد كان من الطبيعي لخطاب الفقر الديني ان يتحول الى الخطاب السياسي الرئيسي، رغم كل خوائه العملي.
ملايين الفقراء المصريين يرددون اليوم "الاسلام هو الحل". ويستفيد شيوخ الخواء من بساطة الشعار لاقناع ضحاياهم بان لديهم حلولا سحرية نابعة من الاسلام لجميع المشاكل. (وهل يعقل بالنسبة لمسلم ألا يكون إسلامه هو الحل؟)
ولكن لا أحد يقول لهؤلاء الضحايا، كيف يكون الاسلام هو الحل عندما يتعلق الأمر بعجز الميزان التجاري؟ او كيف يكون الاسلام هو الحل في العلاقات مع منظمة التجارة العالمية؟ او كيف يكون الاسلام هو الحل عندما يتعلق بالهوة التكنولوجية التي تفصلنا عن العالم المتقدم؟ او كيف يكون الاسلام هو الحل عندما يتعلق الأمر بالتعريفات الجمركية على المنتجات الزراعية التي تصدرها مصر الى الخارج؟ او كيف يكون الاسلام هو الحل عندما يتمكن القطن المعدل جينيا، بجودته الفائقة، من سحق فرص القطن المصري في السوق الدولية؟
هذه قضايا لا يتناولها شيوخ الهبل والاستهبال الاسلاميين عندما يقنعون البسطاء والفقراء والاغبياء بحلهم السحري القائل ان "الاسلام هو الحل".
في الواقع، وفي الكثير من جوانب العمليات الاقتصادية او متطلباتها الدولية، فان بعض فقه الاسلام (على الأقل) هو بحد ذاته مشكلة أكثر بكثير من كونه حلا، لانه عقدة تتطلب الكثير من لوي عنق التفسيرات.
مع ذلك، فقد كان بوسع الثقافة السرية للاخوان التي تتداول هذا الشعار ان تحوله الى كعبة لجميع الأذهان؛ كعبة تُلخّص جميع المشكلات وتقدم لها حلا شاملا كافيا ووافيا، وكأننا ما نزال نعيش في عالم معجزات.
كان من الأفضل، على الدوام، فتح الأبواب والشبابيك على الغرف المتعفنة لنخوض سباق الأفكار، ولنقدم للناس المشكلات الحقيقية، كما هي، ونستعرض كفاءة الحلول المقترحة لمعالجتها. فاذا بدا ان احد شيوخ الجوامع لديه حل منطقي (ومستمد من الاسلام) للتغلب على منافسة مايكروسوفت في سوق البرمجيات، فما الذي يمنع الأخذ به؟ اما اذا ثبت ان الخطاب الديني في هذا الباب سخيف وغير ذي صلة، فلسوف يكون من المفيد الكشف عن تفاهته السياسية أمام الناس.
ولكن ما من سبيل لمكافحة خطاب سياسي بقمعه.
فهل سبق السيف العذل في مصر؟ الوقت فات، فيما يبدو، على معالجة الكارثة قبل ان تقع. إذ صارت اليوم تحتل موقع المعارضة الرئيسي في البرلمان. وألا ليت شعري، لو انها كانت معارضة في مواجهة سلطة تستحق البقاء. ولكن الكارثة الأكبر هي ان هذه المعارضة صارت صوت الشعب الرئيسي تجاه سلطة قمع وفساد واستبداد، حتى لكأن المطلوب ان يحظى خطابها الخاوي بالمزيد من الشرعية!
بمقدار ما يتعلق الأمر بنا، فالارهاب الحقيقي، ارهاب العنف والردة، انما سيبدأ الآن.
اما بالنسبة للولايات المتحدة، فلو كانت المسألة مسألة مكافحة ارهاب حقا، لكان من الواجب البدء بمكافحة أسبابه الجوهرية: الفقر والاستبداد من ناحية، والانحياز الأعمى لاسرائيل من ناحية اخرى.
كل ما تريد ان تفعله الولايات المتحدة، بدعمها الضمني للاجتياح الاسلامي للبرلمان المصري، هو انها تريد ان تقلب بضاعتنا علينا. وهي مثلما حملت "اسلاما شيعيا" على ظهور دباباتها لاحتلال العراق، ها هي تحمل اليوم، على أسنة رماح الاستبداد، "اسلاما سنيا" لاحتلال مصر.
وفي الواقع فان هذه البضاعة، كانت مشكلتنا التي لم نحلها من قبل، وستظل مشكلتنا التي يجب ان نحلها نحن، من دون تدخلات خارجية ولا نصائح ولا... دبابات. علي الصراف
كاتب عراقي