إخوان الأردن إلى أين؟

الجماعة ظهير الحركات الإسلامية في العنف

يُعد فرع الإخوان المسلمين في الأردن أكثر الفروع شبهًا بالجماعة الأم في مصر عقائديًا وفكريًا وربما إلى حد كبير تنظيميًا، كما يحمل نفس الأمراض البنيوية، لكن السياقات السياسية الخاصة للأردن ربما ستصنع له مصيرًا يحاول إخوان الأردن ألا يكون كمصير إخوان مصر.

نشأ الفرع الأردني في العام 1945على يد عبد اللطيف أبو قورة الأردني الذي كان عضوا في الهيئة التأسيسية للجماعة في مصر، والذي تولى منصب المراقب العام منذ النشأة وحتى العام 1952.

احتضن الملك عبدالله الأول الجماعة ومرشدها الأول حسن البنا، الذي عُرض عليه البقاء في الأردن، ومنحه الجنسية الأردنية ومنحه الحرية الكاملة في العمل في الأردن، لكن البنا اعتذر منه بلطف، وحين اعتلى الملك حسين العرش حظيت الجماعة منه بنفس مستوى الرعاية التي اتخذت شكلًا قانونيًا أكثر انضباطًا من الناحية القانونية، بعد أن سبق تسجيلها كجمعية شاملة اجتماعية وخيرية وسياسية على طريقة الإخوان في تعريف أنفسهم كهيئة إسلامية جامعة، وكان ذلك بقرار من مجلس الوزراء الأردني وقتها.

بدت الجماعة تنظيمًا سياسيًا وظيفيًا، اعتمد في وجوده على الرضا السامي للملك، وتعزز هذا الشعور لدى الجماعة بعدما وقفت بقوة في وجه انقلاب الخمسينات، وانحازت للقصر وللملك الذي أمم النشاط السياسي بعدها، وضيق على جميع القوى السياسية، ولم يسمح سوى للإخوان بحرية الحركة، الأمر الذي خلق حالة من حالات التوافق العرفي بين النظام والجماعة التي ظلت تنشط كجسد يمارس الدعوة والسياسة، ويسعى تدريجيًا للتمدد في جسد المملكة الأردنية، وإن ظل يعمل وفق خطوط حمراء رسمها الملك وتحت السقف الذي حدده لها، حتى حصل الإخوان على ثلث مقاعد البرلمان في العام 1989.

فشعر الملك بأنهم يتجاوزون المساحات المحددة لهم سلفًا، وغضب عليهم، وبدأت حملة من التضييق اتخذت أشكالًا قانونية وأمنية، لكنّها بقيت مبرمجة ومحسوبة بدقة ملكية، حيث بقيت المقاربة الملكية تمضي بين دمج جزئي وتضييق محسوب، حتى بدأت رياح الربيع العربي التي حملت صعود الإخوان في مصر إلى سُدة الحكم، ما فتح شهية إخوان الأردن لتمثل تجربة إخوان مصر، وقد مضوا معهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وإن ظل الإخوان في الأردن يحملون شعار الشعب يريد إصلاح النظام، بديلا عن شعار إخوان مصر الشعب يريد إسقاط النظام.

قاطع إخوان الأردن الانتخابات البرلمانية لثمانية أعوام قطعتها رياح الربيع العربي وصعود إخوان مصر، وبدا أن الاتفاق العرفي بينهم وبين العرش الأردني يتصدع، مما أغضب عليهم القصر الذي أدرك أن الإخوان في النهاية هم الرأسمال البشري الأكبر لحركات العنف الإسلامي، التي التهمت نصف العراق وربع سوريا، وأعلنت الخلافة برغم هذا التباين الظاهر بين أفكار الإخوان وداعش، لكن التقدير القديم الذي كان يقضي بأن الإخوان يصلحون حائط صد ضد التطرف انهار هو ايضا مع انخراط أجنحة من إخوان مصر في العنف وإعلان الجماعة قبل ثلاثة أعوام تنظيمًا إرهابيًا.

الأمر الذي طُرح على مائدة الفرع الأردني فك الارتباط بإخوان مصر قبل عام، ليحسم الأمر اجتماع مجلس شورى الجماعة بالأردن في فبراير الماضي بفك الارتباط بالجماعة الأم في مصر، فضلًا عما ضرب التنظيم من تصدع جعله على خمسة أقسام، الأول الجماعة القديمة برئاسة همام سعيد من أصل فلسطيني، وأقرب إلى التيار القطبي في مصر والتباين بين أعضاء الجماعة الأردنيين والفلسطينيين، أحد مشاكل التنظيم في الأردن (70% من الأعضاء من أصل فلسطيني)، ثم مجموعة زمزم وتنتمي إلى الجناح الإصلاحي وتسعى في تأسيس حزب، ولجنة الحكماء، ثم حزب الجبهة الإسلامي الذراع السياسية للجماعة، وجمعية الإخوان برئاسة عبدالمجيد الذنيبات المراقب العام السابق والمنشق عن الجماعة هو وسبعين من أهم قياداتها.

وسط هذا التشظي والاحتقان بين العرش والجماعة، أعلنت الجماعة المشاركة في الانتخابات القادمة في سبتمبر من هذا العام، في محاولة للإفلات من مصير إخوان مصر بالاحتماء بالسياق السياسي، والسكوت عن الصيغة الملتبسة بين ما هو دعوي وسياسي، بل والحديث العلني على طريقة النهضة التونسية، عن الفصل التدريجي بين الجماعة والحزب، بدا شعور الجماعة بالخطر جارفًا إلى حد حل هيكل الجماعة القيادي وتعيين لجنة مؤقتة لإدارة الجماعة برئاسة شخصية محسوبة على جناح الحمائم، ومعروفة بصلاتها الجيدة مع العرش الأردني.

تراجع طموح الجماعة تحت وطأة الانقسام التنظيمي الأخطر عبر تاريخها، والرياح العاتية ضربت التنظيم الأم في مصر، والتكلس التنظيمي والجمود الفكري والضعف المؤسسي، بعد أن كانت تراهن على المناداة بملكية دستورية والمشاركة الأوسع في الحكم، باعتبارها الفصيل السياسي الأكبر.

المؤكد أن ربيع الجماعة مضى، وربما هي تواجه خريفها عارية من دعم العرش الذي غضب عليها، ولم يعد توجسه منها خفيًا الآن.

أحمد بان

كاتب مصري