إبراهيم الحجري: لا بد من إقرار تدريس مادة الفن التشكيلي أو التربية على الفن

واقع استثمار الخط العربي

تأسست هذه الدراسة "الكاليغرافية والطباعة.. حول إسهام الحروفية في تجويد الكتاب العربي" للباحث والكاتب المغربي إبراهيم الحجري والفائزة بجائزة الشارقة للأدب المكتبي للدورة الخامسة عشرة العام 2014، على فرضية مؤداها أن فن الخط العربي، بما يتميز به من بهاء سحر عقول العرب والعجم في كل مكان، إذ ارتبط به المقدس الإسلامي ليزيده بهاء على بهاء، وكرس له المسلمون كبير عنايتهم حتى ارتقى وصار فنا مستقلا، واخترق كل الفنون البصرية الأخرى، وحقق انتشارا واسعا في مشارق الأرض ومغاربها، لم ينل حظوته كتراث بصري له مقوماته الجمالية، في تزيين المطبوع العربي، ومنحه إضافة نوعية وبلاغية وجمالية من شأنها مجتمعة أن تثري مضمونه، بغض النظر عن فحواه المعرفي أو الفكري.

ولتأكيد هذه الفرضية قام الحجري بمجموعة من الإجراءات الاستكشافية، وهي: أولا معاينة نماذج تمثيلية من المطبوعات العربية، مما تطرحه دور النشر المعروفة في أسواق والمعارض الدولية والعربية والقطرية، وتحليل مظاهر الخطوط التي تستعين بها في تقديم هذا المطبوع، ومدى ملاءمة هذه الاختيارات للمضمون الفكري للكتاب المطبوع.

ثانيا: مقابلة مع عضو هيئة دار نشر توبقال المعروفة على مستوى العالم العربي بمصداقيتها ونوعية الكتب التي تنشرها، وهو بالمناسبة، رئيس رابطة الناشرين المغاربيين، من أجل محاورته حول مجموعة من القضايا التي تتعلق باستثمار الخطوط العربية، والأسناد البصرية التراثية في تجويد الطباعة العربية، ومنحها أفقا متميزا لانتشار وترويج للثقافة العربية.

ثالثا: استمارة استبيان رصدت من خلالها آراء القراء والمتلقين لمنتوج الطباعة العربية حول المظاهر الجمالية للخط والسند البصري الأيقوني المصاحب للغلاف، وتعليقاتهم عليه، ومقترحاتهم لتجويد الكتب العربية المطبوعة، وتقديمها للقراء في مختلف جهات العالم في ابهى الحلل وأجمل الصور استنادا إلى تراثنا العربي الزاخر.

وقد حلل إبراهيم الحجري البيانات والمعطيات التي جمعها من خلال هذه الأدوات، مرفقا إياها بالرسوم التوضيحية والاستشهادات المعززة، والجداول والإحصائيات الموضحة، بل وأرفقت البحث، في ملحق خاص، بالصور الموضحة. دون أن ينسى إدراج مفاهيم - مفاتيح التي يحتاجها المتلقي في فهم بعض الأمور الخاصة بهذا المجال.

ويقول الحجري: "بناء على هذا التشخيص، تأتي لي معرفة واقع استثمار الخط العربي والفن الحروفي الذي تطور بشكل كبير، سواء لدى الفنانين التشكيليين العرب أو حتى الفنانين التشكيليين الغرب، وهو واقع محبط، إذ كيف يستعير الآخر تراثنا ويستفيد منه، ونعزف عنه نحن، خاصة وأنه يمكن أن يشكل إضافة متميزة على المنجز الطباعي العربي في كل المجالات. ولا تنقصنا الخبرات في هذا المجال، ففي كل الأقطار العربية، نجد فنانين حروفيين وكاليغرافيين، يزاولون هذا الفن، ويراكمون فيه، محققين بذلك، ثروة فنية وجمالية لا يستهان بها.

وأنهيت البحث بتقديم مجموعة من المقترحات التي بإمكانها إفادة المختصين في حقل الطباعة والأدب المكتبي، من أجل الارتقاء بجودة مطبوعاتنا العربية، وتقديمها إلى السوق في الحلة القمينة باستدراج المتلقين، وإثارتهم لاقتناء الكتب، والرفع من درجة المقروئية.

وتضمن البحث المحاور والعناصر التالية: مدخل عام يناقش مشكلة البحث وسياقها، ثم مقدمة تعرض للسياق البحثي، ومشكلة البحث، وأسئلة البحث، وفروض البحث، وأهدافه وأهميته وحدوده والدراسات السابقة، مفاهيم الدراسة والمنهج المعتمد، وأدوات البحث، وأخيرا عينة البحث.

تطرق الحجري في فصول دراسته وبعد استعراض الإطار النظري إلى البدايات الأولى للخط العربي من حيث الشكل والنقط والإعجام، ودعم الإسلام له، وأنواع الخطوط العربية، وعلاقة الخطّ والتلقي، ومميزات الخط العربي، والكتاب الإلكتروني وإمكانات رقمنة الخط العربي، ليحلل البيانات بدءا بالمقابلة ومرورا بالأولوان وأخيرا استمارة الاستبيان.

ويرى الحجري أنه "لئن كانت الطباعة أفقدت الخط أهم مسرح لإبراز قدرته الجمالية والدلالية؛ فإن الآلة (الحاسوب)، بحكم إمكاناتها الهائلة، تستطيع طبع الكتاب بالشكل الذي نريده، وبالجمال الذي نتوخاه شريطة أن يشرف على العملية شخص له خبرة بفن الخط وألوانه ودلالاته، بارع في استعمال البرامج الخاصة بالتصميم والتصوير والرقن، حتى يكون الجهد متكاملا والعمل متناسقا، وطامة الطباعة والإخراج الفني لتصميم المؤلفات والكتب أن أغلب من يشرفون على هذه العملية هم منعدمو المعرفة بفنون الخط وهندسة الصفحة وإخراج الشكل الطباعي في أبهى صورة يستحسنها القراء وترتقي بذوقهم الفني؛ وتحبب إليهم الكتاب والقراءة وفضول المعرفة".

وقد اقترحت الدراسة عددا من التوصيات التي ينبغي على المسئولين سواء في وزارات التعليم العربية أو دور النشر الحكومية والخاصة الالتفات إليها ووضعها موضع التنفيذ إعلاء لقيم الفن والجمال والذوق التي يتمتع بها فن الخط العربي:

1 ـ التزام السياسات التعليمية في البلدان العربية بإقرار تدريس مادة الفن التشكيلي أو التربية على الفن (ومنه فن الخط أو الحروفية) من أجل تهيئة جيل قادر على تذوق ومعرفة أنواع الخطوط العربية وما تزخر به من إيحائية وتعبيرية تفوق كافة الخطوط اللغوية في العالم.

ومن شأن هذا التقليد التربوي أن يعوّد الناشئة على اكتشاف إبداعية الحرف العربي، والتعامل معه على أساس أنه رافد من روافد المعنى والإيحاء، بغض النظر عن كونه أداة للغة، وأثرا ملحوظا لها، ووسيطا حاملا لمعنى اتفاقيّ يرتبط باللغة العربية، فقلة هم من يعرف أن الخط العربي يحمل في ذاته قدرة على إعطاء الدلالة، تبعا لسياقات التوظيف الفني.

وقد انتبه إلى هذا، حتى القدماء الذين كانوا يعتبرون أن الخط واللفظ يتقاسمان معا فضيلة البيان ويشتركان فيها. ويقتضي هذا تنمية الحس لدى الناشئين والمتعلمين من خلال التربية على الفن، وإقرار مادة الخط ضمن البرامج والمقررات التعليمية، وفي الآن نفسه، من الضروري أن يكون الخطاط مزودا بأطر فنية معاصرة، تغني خلفيته التقليدية في الخط العربي، كما يُستحبّ توظيف التكنولوجيا كسند للخطاط من دون أن تحل التقنية محل اليد الماهرة، لأن الخط هندسة روحانية كتبت بآلة جسدية.

2- التزام دور النشر باعتماد مخرجين لهم تكوين في المجال البصري والفنون التشكيلية وفن الخط العربي لإضفاء قيمة جمالية متميزة على المداخل العتباتية للمطبوعات والمنشورات العربية، وللارتقاء بجودة ما ينشر في السوق من كتب تبعثُ أحيانا، أغلفتها ومظاهرها الجمالية وطرق إخراجها على الغثيان، وتنفر القارئ منها من أول نظرة.

3- إشراك الخطاطين والكاليغرافيين وفناني الخط العربي في عملية إخراج وطبع الكتب، لأن خبرتهم في مجال تخصصهم ستفيد، لا محالة، في تجويد المادة الطباعية وأساليبها ونوعيتها.

4- مساهمة الحكومات في دعم المطبوعات وتسديد نسبة من تكاليف الطبع للرفع من مستوى جودة الطبع والتأليف؛ وتشجيعا منها للمطبعات ودور النشر على الإعلاء من مستوى التأليف وتقديم منتوج طباعي يكون في مستوى يليق بحجم التطلعات، بحكم أن هذا العمل يندرج في صميم الهوية الثقافية؛ ويدخل في إطار ما يسمى بالتراث المادي للثقافة العربية الإسلامية.

5- الإكثار من التخصصات الجامعية والمدرسية المتعلقة بالفنون، ومنها فن الخط، وفتح مراكز خاصة بالجماليات التراثية؛ واعتماد المراكز الجامعية لوحدات الماستر والدكتوراه "الفن الحروفي والبصريات والجماليات التراثية" موضوعا من مواضيعها من أجل خلق نقاش وجدال حول آليات استثمار هذه المعطيات التراثية؛ وجعلها في خدمة الهوية الثقافية والجمالية المعاصرة؛ خاصة فيما يتعلق بالطبع والتأليف وإخراج المنشورات باللغة العربية.

6- انتداب لجان وطنية وعربية متخصصة تراقب مستوى إنتاج الكتب والمطبوعات؛ وتقوّم عمل دور النشر، وتفحص ما ينشر من كتب من حيث جودة معطياتها الطباعية والجمالية.

7- اعتماد شبكة عربية أو وطنية لجودة الطبع، وانتداب لجان خبيرة لتطبيقها من خلال تقويم المنتوجات السنوية للطبع والنشر على مستوى المعارض العربية والدولية.

8- دعم دور الطبع والنشر التي تحقق أعلى درجة من الاحترام لهذه الشبكة المعيارية.

9- تخصيص جوائز عربية على مستوى الوطن العربي، وأخرى وطنية على المستوى القطري لفائدة دور النشر المتميزة التي تحترم الضوابط الجمالية والطباعية، وتستثمر التراث المادي والجمالي الإسلامي في صناعة الكتاب. وننوه، في هذا الصدد، بمبادرات دولة الإمارات العربية المتحدة في دعم دور النشر عبر جوائز متعددة.

10- انخراط كل هيئات ومؤسسات المتجمع المدني حكومية وغير حكومية من جمعيات واتحادات ورابطات ذات الاهتمام الثقافي الغيورة على التراث الجمالي والمادي العربيين الإسلاميين في هذا العمل الهادف؛ والسعي؛ بكل الوسائل إلى تثمينه وتشجيعه ودعمه ماديا ومعنويا.

11- التزام الإعلام بشتى أنواعه؛ المكتوب والمسموع والمرئي والتفاعلي بتنوير الرأي العام؛ وتشجيع تذوق فن الخط والترويج للكتب والمطبوعات؛ والدعوة إلى القراءة والمطالعة والإقبال على التذوق الجمالي لفن الخط العربي المستثمر في المؤلفات والكتب المطبوعة؛ توقا إلى دعم المقروئية ونشر الوعي الثقافي والجمالي.

12- الاستناد، عند الطبع، إلى آراء وملاحظات المؤلف التي من شأنها الإفادة في تحسين صورة المطبوع، بوصفه شريكا ومبدعا للعمل ومتذوقا للجمال، خاصّة في ما يتعلق باللمسات الجمالية النهائية "الغلاف، الإخراج الفني، الخط الطباعي..".

13- تقنين الترخيص لفائدة الناشرين والطابعين؛ بحيث إنه لا يمكن أن نسمي طابعا كل من يملك آلة طباعة؛ فيجب على الإدارة الوصية اختيار معرفته بهذا المجال؛ وخبرته الفنية والجمالية، وتكوينه التقني، حتى لا يؤثر ذلك سلبا، على المنتوج الطباعي الذي سيقدمه للقراء، وحتى يستطيع تقديم الإضافة النوعية لهذا التخصّص الصّعب.

14- لفت اهتمام دور النشر إلى الاستعانة بلجان متخصصة في المجالات التي تطبع فيها كتب (الأدب – التاريخ – الفكر – الفلسفة – علم الاجتماع – الإبداع...).

15- اعتماد كل دار نشر لفنان حروفي (خطاط) أو فنان تشكيلي قصد الاستئناس بتوصياته وآرائه ومواهبه وخبرته في عملية الإخراج البصريّ والفنيّ للمؤلفات.

16- التفكير في صيغ مناسبة لاستثمار فن الخط العربي في صورة تراثية على شكل برانم يعمم ويستخدم في المطبعات ودور النشر؛ ليكون رهن إشارة التقنيين والفنيين، حيث يبدو أن أغلب المطبعات توظف خطوطا نمطية حديثة في غياب شبه تام لاستحضار روح الفن الحروفي العربي الذي عرف أمجادا لا نظير لها في عصر المخطوطات.