إبداع سميح القاسم الشعري يمضي رجالا تحارب وتدافع وتثور

منتصبَ القامة أمشي

لم تزل القضية الفلسطينية هي قضية كل المثقفين والأدباء والمفكرين العرب، وهي القاسم المشترك بجميع إبداعاتهم، وسميح محمد القاسم من كبار المجددين في حركة الشعر العربي المعاصر، ويتميز شعره بالجمع بين صوت الشاعر الفرد وصوت الجماعة الذي يعكس نبض أمته العربية، وهو من الذين اختصتهم الأقدار أن يحملوا هموم القضية الفلسطينية حيث انبرت كلماته في ترسيخ الحق الفلسطيني على أرضه المغتصبة منذ مولده ـ عام 1939 وحتى وفاته عام 2014 ـ حاملاً على كتفه نعشًا وفي كفه قصفة زيتون، فإما الموت وإما الحياة في سلام. وهو ما جاء في قصيدته "أمشي":

"منتصبَ القامه

أمشي

مرفوعِ الهامه

أمشي

في كفي

قصفة زيتون

وعلى كتفي نعشي"

ويقول في قصيدة "مزمور الفلسطينيين":

"من هنا

من مطهر الأحزانِ

في الأرض الكليمه

أيها العالم

تدعوك القصائد اليتيمه

من هنا

من غزة الثكلى

ومن جينين

والقدس القديمه

هلّلويا

ذات يوم

كان في غزة مزمور حنينْ

لفلول ٍ من أناسٍ طيبينْ

ذات يوم كان موالٌ حزينْ

يشعل النكبةَ في كل خيام اللاجئين

ذات يوم

كان في القدس صغارٌ ينشدون:

راجعون.. راجعون.. راجعون"

ويتأكد لنا أن القضية الفلسطينية هي قضية الشاعر التي يخوضها حاملاً كلمات شعره سلاحاً ثائراً في وجه عدوٍ يملك أحدث أسلحة الظلم، بيد أنه يقف في مواجهته بثبات وقوة دون خوف، ويقول في قصيدة "أعلنها":

"أعلنها.. وليشبع من خبز العار ِ

الجوفُ الجبناءُ.. وأعداءُ الشمسْ

مازالت لي نفسي

وستبقى كلماتي.. خبزا ً وسلاحا ً.. في أيدي الثوار"

ويقول ـ أيضاًـ في قصيدة "عناد":

"بكفاحي

بدمائي النازفات

من جراحي

سوف أستل صباحي

من نيوب الظلمات

همتي الساحة والصدْرُ سلاحي"

وقد لجأ الشاعر إلى التعبير عن قضيته في قوة وشموخ من خلال أنساق لغوية تعددت فيها التراكيب والمفردات الموجزة الموحية ذات الدلالات المؤثرة كما في:

"كان في القدس صغار ينشدون: راجعون.. راجعون.. راجعون"، و"ستبقى كلماتي.. خبزاً وسلاحاً.. في أيدي الثوار"، وأيضا: "من جراحي ... سوف أستل صباحي".

فإذا تأملناها أيقنَّا أن الشاعر قد أحسن توظيف كل مفردة في موضعها الذي قصد إليه، كما توفرت له القدرة الفنية في انتقاء الألفاظ التي تعالج قضيته شعراً ينبض بالحماسة والمقاومة وروح الأمل والتفاؤل واليقين بأن النصر قادمٌ لا محالة.

ويكشف الشاعر عن قدرته الإبداعية ـ شكلاً وموضوعاًـ في قصيدته "اشربوا" وفيها تتفجر ذاته معبرة عن صوت الجماعة الذي يحمل الهم القومي، ويصرخ متوعداً من سلب أرضه وقتل حلمه، ويُقسم إن الغدَ غدُهُ وإن جذور كل فلسطيني ستبقى لتبزغ من جديد ويقول فيها:

بعضُ الأغاني صرخة ٌ لا تُطـربُ ** فإذا استفزتكم أغانيَّ اغضــبوا

يا منشئين على خرائـــب منـزلي ** تحت الخرائــــب نقمةٌ تتقلبُ

إن كان جذعي للفؤوس ضـحيةً ** جـــذري إله في الثــرى يتأهبُ

***

هذا أنا! عــــريانُ إلا من غــــدٍ ** أرتاح في أفيــائه أو أُصلبُ

ولأجـــــل عينيه وأعين أخوتي ** أمشي وأعطي الدرب مــا يتطلبُ

هذا أنا.. أسرجت خيل متـاعبي ** ودمي على كفي يغنّي.. فاشـربوا

والقصيدة نموذج للقصيدة التقليدية محكمة البناء، المكتملة السمات الفنية، من حيث الشكل والموضوع، فمن حيث الشكل: أحسن الشاعر اختيار بحر الكامل تاماً بتفعيلاته "متفاعلن" ست مرات، وهذه التفعيلة تحتوي على خمس حركات، وتدفق الحركات في تفعيلات بحر الكامل يعطي الشاعر القدرة على البوح والاستمرار في طرح ما به من ثورة وغليان.

كما أحسن الشاعر اختيار حرف الباء المضمومة كروي للقصيدة، وهذا الحرف من الحروف التي تنطق بضم الشفتين دلالة على الغيظ والغليل الدفين، فتردد هذه الباء المضمومة في نهاية كل بيت يُدْخِلُ المتلقي في معية الشاعر فيتوحد معه ويتضامن مع مضمونه.

ومن حيث المضمون: يتوازن الأداء النفسي والأداء الفني من خلال قدرة الشاعر في توظيف ألفاظ ـ جامعة مانعة ـ نجحت في التعبير عن مكنون نفسه وتحديد مقصده، كما في: (صرخة/ لا تطرب/ استفزتكم/ خرائب منزلي/ جذري إله/ هذا أنا/ عريان إلا من غد/ أعين أخوتي/ دمي على كفي/ اشربوا)، وقد ألهبت تلك المفردات الحماس في القصيدة بل أشعلت همنا القومي وأمدتنا بروح قتالية جديدة وعزيمة صادقة على الصمود.

وتتجلى أيضا القدرة الفنية في صياغة الصورة الشعرية بنسيج شعري أساسي صادق غير مفتعل؛ فالصورة في هذه القصيدة جزءٌ لا يتجزأ من القصيدة لا نستطيع أن ننزعها أو نغيِّر فيها، ولنتأمل: "تحت الخرائب نقمةٌ تتقلبُ"، "جذعي للفؤوس ضحية"، "جذري إله في الثرى يتأهب"، "عريان إلا من غدٍ"، "أسرجت خيل متاعبي"؛ فكلها صور شعرية أحكم الشاعر صياغتها من غير تكلف أثرت بناء القصيدة وامتدت فيها وأصبحت سمة من السمات الفنية في شعر "سميح القاسم".

***

وفي قصيدته "أنا وأنتِ" يقدم لنا قصيدة عذبة من الشعر المعبر بالرموز عن النضال الفلسطيني؛ فيرمز بكلمة "المحبوبة" إلى فلسطين، وبالشمس إلى الأمة العربية، وبالرياح التي تجرف الرماد إلى الشعب الفلسطيني، ويقول:

"زنبقتان في الثلوج

وجمرتان في الرماد

ونورسان يحلمان بالخليج

أنا وأنت يا حبيبتي

وبعد ساعة من الزمان

ستفرغ الشمس من الرقاد

وتهدر الثلوج

جارفة ً زنبقتين للمروج

وبعد ساعة من الزمان

ستفرغ الريح من الرقاد

وتجرف الرماد

والجمرتان تصبحان نجمتين

لا تسأليني كيف يا حبيبتي وأين

وبعد ساعة من الزمان

يموت في السفائن الضجيج

والنورسان يمضيان يمضيان

ويحلمانِ يحلمانِ بالخليج"

والقصيدة ذات بناء شعري جزل، اعتمد فيه الشاعر على استخدام المعادل الموضوعي للتعبير عن أزمته دون أن يعلن أي حزن يحس، ودون لجوء إلى القوافي التي تشترط توافر الاستقرار النفسي وصلابة الروح وهو ما يفتقده في المقطع الأول من القصيدة. ويمضي في قصيدته من خلال المعادلين الموضوعيين: زنبقتان ستتحرران من الثلوج وتجرفان إلى المروج، وجمرتان ستصبحان نجمتين، ونورسان يحلمان بالخليج.

ويعود الشاعر في الجزء الأخير من القصيدة إلى استخدام القوافي كما في:

"وتهدر الثلوج

جارفة زنبقتين للمروج"

و..

"يموت في السفائن الضجيج

والنورسان يمضيان يمضيان

ويحلمان يحلمان بالخليج"

وعودة الشاعر إلى استخدام القوافي تعود إلى شعوره بالاستقرار وإحساسه من تحقيق سعادته المنشودة، وقد أبدع الشاعر بتكرار: "يمضيان يمضيان"، وأيضاً "يحلمان يحلمان"، لتصوير حركة النورسين، وأيضا ًمدى اتساع مساحات الطيران؛ مما رسم لوحة شعرية صادقة لما يتمنى الشاعر، أحسها المتلقي وشارك فيها.

وما أروع أن يطير الشاعر مغرداً في سماء وطنه محرراً يرفل في ثوب العروبة الأمن، ويحلم كما يحلم كل حر، فعبثاً أن تحفر الرياح جبين الشرفاء، وعبثاً أن ينهش اللهيب نخاع الأقوياء، وهذا ما يعلنه في قصيدته "من المدينة":

"هذه بذرتي وهذي ذراعــــي ** وثيابي.. وأحرفي .. ومتاعي

أنا باقٍ.. باقٍ أنا حيث أمضي ** لم أبدِّلْ ملامـــحي بقنـــــاعي"

فهو لم يزيِّف الحقيقة، ولم يتخل عن قضيته، ولم يمض في ركب من باع الوطن مقابل قبلة عبر زجاج كما وقع في قرية "سيرين" الفلسطينية، ويقول فيها:

"يُقال كانت قرية ً صغيرة ً صغيره

على الحدود بين باب الشمس والمعموره

يقال بيعت مرتين

مرة ً برطل زيت

ومرة بقبلة ٍعبر الزجاج"

ففلسطين التي أصبحت ضحية دعوة ظالمة في عام 1894 من الصهيوني تيودور هرتزل إلى إقامة مستعمرة يهودية تحت وصاية إنجلترا تكون في الأرجنتين أو في فلسطين، على أن تتطور إلى دولة يهودية مستقلة، وأكد هرتزل على دعوته في عام 1897 بمؤتمر دولي عُقد بسويسرا، وفي افتتاحيته قال: "إننا هنا جميعا لنضع حجر الأساس في بناء بيت يأوي إليه كل اليهود"، ثم اقترح برنامجا من ثلاث نقاط:

تشجيع حركة هجرة منظمة واسعة إلى فلسطين وتدعيمها..

الحصول على اعتراف دولي بشرعية هذا الاستيطان..

إنشاء منظمة لضم صفوف يهود العالم إلى القضية الصهيونية..

تلك هي الأهداف الثلاثة التي لا تزال هي الأهداف الأساسية للحركة الصهيونية، وقد وضع المؤتمر الخطة ورسم الأهداف للمنظمة اليهودية العالمية التي تتولى التخطيط والتنفيذ، وانطلق تيودور هرتزل بوصفه أول رئيس للمنظمة الصهيونية العالمية إلى تحقيق هذه الدعوة.

وتلك "سيرين" ضحية هذا المخطط الدنيء، ومثلها كانت بقية بقاع فلسطين الحبيبة، حتى أعلنت دولة إسرائيل في مايو/آيار 1948 على أرضها، محققة دعوة هرتزل السالفة، ولكنها المقاومة تطل من شعر سميح القاسم الذي تربى في قراها، وتعلم في مدارسها، وعمل في صحافتها، وترأس اتحاد الكتاب العرب فيها، تطل المقاومة ثائرة نارية في قصيدته "خطاب من سوق البطالة":

"ربما تصلب أيامي على رؤيا مذله

يا عدو الشمس.. لكن .. لن أساوم

وإلى آخر نبض في عروقي

سأقاوم!"

فكيف لمقهور محتل أن يهدأ أو يساوم، وكيف لمن خُدِع أن يقدم الحُبَّ أو يطمئن، فنشأته شأن أطفال 1948 الذين جنوا ثمار غرس الجهالة والخيانة والجريمة، لذا ولدوا كارهين لهذا القرن العشرين.. وتأمل قوله في قصيدة "في القرن العشرين":

" أنا قبل قرون

لم أتعود أن أكره

لكني مكره

أن أشرع رمحا ً في وجه التنين

أن أشهر سيفا ً من نار

في وجه البعل المأفون

أن أصبح إيليا

في القرن العشرين"

ويأتي يوم الخامس من يونيو 1967 ـ حزيران الحزين ـ ليسلم كلَّ عربي ليأس مرٍّ، ونارٍ لا تُطفأ في القلوب، ويشتعل الشاعر في قصيدته "ريبورتاج.. من حزيران عابر":

"بين أنقاض حزيران التقينا

أنا والموت.. تداخلنا.. اشتعلنا وأضأنا"

ولكنه يسقط لكي ينهض ثانية مؤكدا ً عمق جذوره في أرضه فلسطين وصدق إيمانه بقضيتها وتضحيته بكل ما يملك ـ الذات/ المال/ الحلم ـ من أجل فك قيودها، ويتضح لنا ذلك في قصيدته الحوارية التي تنتمي إلى الشعر الدرامي ذي الأصوات المتعددة، والتي يتجسد فيها موقف الإنسان المقهور، المغصوب الحق في مواجهة أحداث الكون الآنية وواقعه المعيش.. ويقول فيها:

"هو الأول: بابي سدرته يد أخرى

لكن يدي على المقبض

أسقط كي أنهض ثانية

أسقط ثانية.. كي أنهض

كورس: شكرا أيتها البشرية"

والشاعر قوي الإرادة، صلب العزيمة يفتدي فلسطين بنفسه وكتبه ويُوصي ابنته، التي تمثل الامتداد للمقاومة الفلسطينية، بأن تظل رمزا ً للجهاد حتى يبزغَ فجرُ الحرية.. وفي قصيدة "النار" يقول:

خمدتْ ناري.. انهضي واحْتطبي ** يا ابنتي اشتدَّ صقـــــيعُ المغربِ

وإذا عـــــزَّ عليــــــنا خطـــــــبٌ ** يا ابنتي.. هاتي بقــــايا كتــــبي

وإذا ضنَّت بقــــــــايا كتــبي ** أحرقيني.. ومع الفجر.. اهربي!

يمتد في ابنته مؤكداً أن لفلسطين بقاء ما دام في نسلها أبناء.

وذاكرة الشاعر لا تنسى أي درب وأي زمان في أرضه الحبيبة، ويعبر عن ذلك في قصيدته "إذا نسيت القدس" بقوله:

"لتنسني يميني

إذا نسيت القدس

ولتخلد على جبيني

وصمة عصر الموت والجنون

ولتنسى وجهي الشمس

ولينعب البوم على صوتي وأطفالي وزيزفوني"

ولا يخاف الشاعر سجناً أو قيداً فهو يرى أن العالم أجمع يعيش في زنزانة كبرى طالما أن وطنه في الأسر يئن، وقد أحسن التعبير عن ذلك في قصائده القصيرة، التي يسميها البعض "الإبجرامات" ـ أي القصيدة الومضة ذات التأثير المكثف السريع ـ ومنها قصيدة "خاتمة النقاش مع سجان"، ويقول فيها:

"من كوة زنزانتي الصغرى

أبصر أشجارا تبسم لي

وسطوحا يملأها أهلي

ونوافذ تبكي وتصلي

من أجلي

من كوة زنزانتيَ الصغرى

أبصر زنزانتكَ الكبرى"

وفي قصيدة "الأعلام" يرغب في إنزال الأعلام وإنهاء الألوان، رامزا ً بذلك إلى عدم جدوى وجود الدول المختلفة التي تمثل عالما ُ أفعى ظالما ًلا يدرك ولا يعي دموع الأمهات والصبايا الوالهات بعد أن ودعن أحبابا ًفي حروب مضت خُطى نارها على أحلام أرض خضراء فأشعلتها ظلماً وغدرا . ويقول:

"أنزلوا الأعلام عن شمِّ القلاع

أنزلوا مهزلة الألوان عن شم القلاع"

و...

"لمن الرايات.. ملء الأفق.. في كل طريق؟!

ولمن تشبع من حنطتنا أفعى الحريق؟!"

ويعقد الشاعر الآمال على أطفال انتفاضة الحجارة في قصيدته "قصيدة الانتفاضة"، ويقول فيها:

"تقدموا

وراء كل حجر كف

وخلف كل عشبة حتف

وبعد كل جثة فخ جميل محكم

وإن نجت ساقٌ

يظل ساعدٌ ومعصم"

ووسْط كل هذا الغليان، وهذه الثورة الجامحة، يصرخ في وجه العالم ناشدا البراءة، ومنددا بالرصاص الظالم في قصيدته الرمزية "ضحايا حرب"، وفيها أحسن الشاعر استخدام العصفورة معادلاً موضوعياً للبراءة والطهر والأمْن الجميل، وفيها:

"عصفورة مقطوعة الجناح

ضاقت بها الرياح

وسقطت في أحد المواقع"

ويقول أيضا:

"مَنْ علَّم القناصه

أن يثقبوا الكتاب

من علم القناصه

أن يثقبوا رسائل الأحباب

وصور الأحباب

من علم القناصه

أيتها الرصاصه"

ويتقطع الشاعر حسرةً وألماً وتفوح أنَّاته بنار غربته وغضبه على الرحيل من أرض الوطن، ويتجلى هذا المعنى في قصيدة "تغريبة" الموجهة إلى "محمود درويش"، شاعر المقاومة الفلسطينية المعروف، وأخلص أصدقاء الشاعر ورفيق دربه، ويقول فيها:

"لبيروت وجهان

وجه لحيفا

ونحن صديقان

سجنا ومنفى

قطعنا بلادا ًوراء بلاد

وها نحن في تعتمات الدوار

نعود

وزاد المعاد

عناق سريع بباب المطار

أكان اللقاء اعتذار

أكان الوداع قرارا

بدون كلام نمد اليدين

ويا ليل يا عين

لا الليل ليل

ولا العين عين

يفرقنا العالم اليعربيُ

ويجمعنا العالم الأجنبيُ

ونبقى أجانب في العالمين

ويبقى الرحيل.... "

ويجيبه صوت "محمود درويش" شعرا مخاطبا محبوبتهما فلسطين بقوله:

"أحبُّكِ

إنَّ ثلاثة َ أشياءَ لا تنتهي

أنتِ والحُبُّ والموت"

ويُطِلُّ "سميح القاسم" في قصيدته "أشد من الماء حزنا" بصوت حزين وهم دفين ووجه يبوح بدم ٍ يكتب في شكل قصيدة يقول فيها:

"ولدت مهدك أرض الدياناتِ

مهد الديانات أرضك

مهدك لحدك

لكن ستمكث في الأرض.. تلفحك الريحُ طلعا

على شجر الله .. روحك يسكن طيراً

يهاجر طيفا ً ليرجع قبل الشتاء بموت جديد

وتعطيك قنبلة الغاز إيقاع رقصتك القادمه

لتنهض في اللحظة الحاسمه

أشد من الماء حزنا

وأقوى من الخاتمه"

وتلك المرارة التي تنبعث من تلك القصيدة ـ التي نُشرت بجريدة "أخبار الأدب" في السابع من إبريل/نيسان 2002 ـ تمثل ما كتب "سميح" من قصائد وهي تعبر عن ثورته وغضبه.. ولم تزل فلسطين هي الجرح الدامي في جسد الوطن العربي والنبضة الأسيرة التي لن يهدأ حال العرب والمسلمين إلا بفك أسرها، وعودتها حرة طليقة.

وقد كان اختيارنا لتلك القصائد الموجهة إلى فلسطين والمعبرة عنها من شعر "سميح القاسم" محاولة منا للتعبير عن رأي كل عربي قد عبر عنه سميح في موقفه من القضية الفلسطينية.

وإبداع سميح القاسم الشعري لم يزل يعلو ويعلو في سماء الكون ليصبح سلاحاً في وجه عدو ظالم، وليمضي رجالا تحارب وتدافع وتثور، فما أحوجنا ـ في ها الزمان ـ إلى الكلمات الرجال، وما أحوجنا في قضيتنا الفلسطينية إلى شعراء في قامة سميح تنبض فلسطين فيهم موتا وحياة ونداء يردد: نكون أو لا نكون.