إبداعات سعودية معاصرة في القاهرة

كتب ـ محمد الحمامصي
لكل فنان بصمته الخاصة

ثلاثمائة لوحة ومجسم فني لأربعة وعشرين فناناً سعوديًا من مختلف الأجيال، ضمها معرض "إبداعات سعودية معاصرة" الذي يقام بقصر الفنون بدار الأوبرا المصرية، بالتعاون بين قطاع الفنون التشكيلية في مصر وأتيليه جدة للفنون الجميلة في السعودية.
مفاجأة المعرض الذي يعد الثاني من نوعه لتشكيليين سعوديين في القاهرة، حيث أقيم المعرض الأول عام 2001، كانت مشاركة أربع فنانات هن: ريم الديني، وتغريد البقشي، وشاليمار شربتلي، وعلا حجازي.
الأعمال المشاركة تميزت بالتنوع في الأسلوب والفكر والطرح، تتكشف من خلالها أبعاد وملامح تطور الحياة في المملكة العربية السعودية، وما يلفت النظر حدة الخطوط وقتامة الألوان التي تضفي جوا من الحزن على اللوحات، وحالة الهروب التي يعاني منها الجسد، لا نجد في اللوحات ترفا، ولا وجود لبيئة مترفة أساسا، والزخرفة جزء من الزخرف التقليدي للبيئة لا خارجة عنه.
أعمال الفنانات جاءت متميزة عن غيرها، فاللوحات التصويرية للفنانة علا حجازي يمكن اعتبارها مدونات يومية بديلة عن الورق، تقول الفنانة "أعيش معها لأسجل حالة خاصة بي، ولكنها ليست مذكرات كما يظن البعض، فأنا أحب السفر كثيرا، وأحاول ربط ما أشاهده في الشارع خلال هذه السفريات في لوحاتي، ولأنني فنانة معاصرة لعالم اليوم أحاول استلهام بعض المفردات القديمة وإضافة الجديد لها مما أعاصره بهدف أن أترك بصمة وحتى لا أكرر أفكار الغير".
الفنانة تغريد البقشي عرضت لصور الأمومة والمرأة في أكثر من موضع وأكثر من وجه، تجسد إحساس الأم والمرأة، والزمن والمرأة والحب والحياة، وتؤكد أعمالها على معاني التعبيرية من خلال تلك الشخوص النسائية دقيقة الملامح ذات الوجوه البيضاوية والأطراف الرفيعة التي تجدد فيها، وفتاة وحيدة تضع يدها على وجهها وقلب أحمر على مقربة منها وكأنها في حالة حب، وتنتقل اللوحة معها إلى صدر تلك الأم الصغيرة التي تحمل طفلها محفوفة بأفق أخضر وشمس بيضاء وحمامتان في أرضية اللوحة، وهذا التعبير يؤكد على أهمية معنى التواصل الإنساني في أفق الفنانة.
وتترك أعمال الفنانة ريم الديني إحساسا خاصا لدى متلقيها بلغة فنية مجردة تعبر عن شخصية خاصة بها، وتعكس ملازمة الإنسان المعاصر بشكل أكثر حدة بتلك الشخوص القائمة ذات الملامح المبهمة والسكون بالأسود الفاحم الذي يتخلله بعض الهمسات الضوئية على خليات بين الأسود والرمادي مشبعة بمسحة من الأحمر الهادئ، والفنانة نجحت في تقديم صور متكررة من الشخوص التي تعانق الصمت والسكون، وكل شخص هو لوحة بذاته وكل لوحة مساحة تعبيرية من الحزن العميق.
الفنان عبدالرحمن المغربي يشارك بعشر لوحات خشبية من فن الرليف (النحت البارز) تمثل ذاكرة الجدار، حيث تعبر عن ذكريات الإنسان السعودي عبر العصور على الجدران القديمة مثل بعض الكتابات والرموز العاطفية أو رموز من البيئة السعودية، حيث حاول المغربي التعمق في هذه الجدران، وإعادة صياغتها بما يعطي لها قيمة فنية تصل للمتلقي بإضافة بعض المكونات والمعالجات مثل صفائح الحديد وبعض الخردوات.
المصور سعود محجوب يشارك بخمس عشرة صورة فوتوغرافية تعتمد على فكرة السيمترية لكنها مختلفة، تبتعد عن رتابة السيمترية المعتادة للأعمال الفوتوغرافية، حيث تعتمد أعماله على تصوير الحجر والنبات المستوحاة من الطبيعة لكن ليس بشرط أن يكون كل جزء مساوٍ للجزء الآخر في حجمه وشكله، وهو ما نتج عنه بعض الأشكال والبروفيلات غير المعتادة.
ثلاثة أعمال تصوير زيتي بألوان الأكريلك من المستوى الكبير هي كل مشاركة الفنان محمد العبلان، الذي رأي في خروج الفن السعودي عن حدود المحلية سواء في معارض جماعية أو شخصية أمرا مفيدا للفنان وللفن التشكيلي.
مدير اتيليه جدة والمنسق العام للمعرض هشام قنديل أشار إلى حرص اتيلية جدة على اختيار الفنانين المشاركين بالمعرض من مختلف المدارس والاتجاهات الفنية حفاظا على الإبداع الفني دون الانحصار في مدرسة بعينها أو اتجاه بذاته، وقال "لكل فنان بصمته الخاصة وأسلوبه المميز".
وقال المشرف العام على اتيلية جدة الفنان طه الصبان إن "الأعمال والأطروحات كلها معاصرة يحكي فيها كل فنان عما يجول في فكره وإحساسه وإرهاصاته، لذا جئنا بها لنعرف رأي النقاد المصريين فيها خاصة أنه كان لنا معرض سابق في عام 2001، فنريد معرفة مدى تطور الفن التشكيلي السعودي خلال هذه الأعوام وفي ظل ما تشهده المملكة حاليا من مساحة حرية واسعة في التعبير".
وقد شهد افتتاح المعرض الذي يعد أضخم معرض للفن التشكيلي السعودي خارج المملكة الملحق الثقافي السعودي في القاهرة محمد بن عبدالعزيز العقيل ورئيس قطاع الفنون التشكيلية المصري الفنان محسن شعلان وعدد كبير الفنانين التشكيليين والإعلاميين من الجانبين، الذين أبدوا سعادتهم بوجود الفن التشكيلي السعودي على أرض مصر، بما يسمح لمتذوقي الفنون التشكيلية التعرف على الفن السعودي عبر مدارسه الفنية المتنوعة.
الفنانون المشاركون: بكر شيخون، طه الصبان، عبدالرحمن السليمان، عبدالله حماس، فهد الحجيلان، محمد الغامدي، عبدالله إدريس، عبدالله الشاهر، عبدالرحمن المغربي، علا حجازي، فهد خليف، باسم الشرقي، حسين المحسن، محمد الرباط، محمد الشهري، أحمد حسين، وهيب زقزوق، محمد العبلان، ماجد بالعلاء، وسعود محجوب.
تعرض أعمال معرض "إبداعات سعودية معاصرة" لمدة أسبوعين، وتعقد على هامشه ندوة عن حركة الفن التشكيلي السعودي المعاصر بمشاركة نخبة من النقاد والتشكيليين السعوديين والمصريين.