أي طريق سيسلك إخوان سوريا؟

في مقالنا السابق تساءلنا: أي طريق سيسلك اخوان سوريا بعد اسقاط النظام السوري الاستبدادي؟ طريق حزب النهضة التونسي ونموذجه حزب العدالة والتنمية التركي الذي قبل بالعلمانية كأحد أوجه الديمقراطية، أم طريق جماعة الإخوان المصرية المتبع للنموذج الإيراني في تطبق الشريعة التي فشل خلطها بالديمقراطية في أكثر من مكان؟ لمحاولة معرفة جواب هذا السؤال لا بد من العودة لمواقف ووثائق الإخوان الأخيرة وخاصة "مشروع رؤية سياسية لسوريا" لعام 2004 ووثيقة "عهد وميثاق" لعام 2012.

مشروع "الرؤية" اعترف بالتعددية الحضارية والاستفادة من تجارب الشعوب ومعطيات الحضارة الإنسانية في مجال النظم السياسية والاقتصادية، وليس في مجال التكنولوجيا والعلوم فقط. الا انه حصر ذلك فيما تقره الشريعة الإسلامية. فـ"الرؤية" مع إسلام متجدد، ولكن في "إطار مقاصد الشريعة العامة"، التي هي "المصدر الأساسي للتشريع والحقوق". وهي نقلة من: "دستورنا القرآن"، الشعار الرئيسي المناقض لها حسب الامام حسن البنا مؤسس الجماعة، الذي ما زالت أفكاره متبناة من المتشددين الإسلاميين باعتبار ان الشريعة "المصدر الوحيد للتشريع والحقوق".

أما في الوثيقة الاحدث "عهد وميثاق" فقد طور اخوان سوريا موقفهم ليصبح "الالتزام بحقوق الانسان كما اقرتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية"، وهو موقف متقدم من حيث استبدال الشريعة الإسلامية بالشرائع السماوية، لكنه لا يذكر أي من المواثيق الدولية يلتزم، وخاصة الإعلان العالمي لحقوق الانسان والعهود الدولية المتممة له، كما أنه تعبير فضفاض لا يحدد أي من المرجعين يتوجب اعتماده فيما إذا تناقضت نصوص الشرائع السماوية مع المواثيق الدولية، وهي تتناقض كما هو معروف في عدد من المواضيع وخاصة حقوق المرأة وحق تغيير الدين والعقوبات الجسدية وغيرها.

اعتبرت وثيقة "عهد وميثاق" أساسا لعقد اجتماعي جديد لمكونات المجتمع السوري بكافة اطيافه، لبناء دولة مواطنة متساوية لجميع الأعراق والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية، وهنا لا تذكر "لجميع الاجناس" المضمنة في الإعلان العالمي لحقوق الانسان، والتي تعني ان المساواة تشمل جنسي الرجل والمرأة. فالوثيقة تقبل بمساواة الرجال والنساء في "الكرامة والأهلية" فقط ولكن ليس في الحقوق، فتقر "بتمتع المرأة بكافة حقوقها"، مما لا يعني ان "كافة حقوقها" هذه مساوية لحقوق الرجل. ورغم هذا القصور فهو خطوة أخرى متقدمة على مفهوم مشروع الامام البنا للمرأة المسلمة الذي الزمها بيتها ورأى عدم حاجتها للتعلم سوى القراءة والحساب!!. كما أنه ربما متقدم على ما جاء في "الرؤية" التي دافعت عما تفترضه نصوص الشريعة من أن النساء "ناقصات عقل ودين" وأن شهادتهن وحصتهن في الإرث نصف شهادة وحصة الرجل، مما يتناقض مع المواثيق الدولية التي تقر بمساواة الجنسين التامة في كافة الحقوق.

كما يقر "العهد" و"الرؤية" بحرية الانسان في "اختيار" عقيدته وليس في "تغييرها" التي يقرها الإعلان العالمي لحقوق الانسان كما يقر بحرية الانسان بعدم اتباع أي دين، والحالتان حسب الشريعة تعتبران ارتدادا يستوجب العقاب الذي قد يصل لقتل المرتد. كما يشير "العهد" إلى حق أي مواطن في الوصول لأعلى مناصب الدولة دون تحديد إن كان ذلك يشمل رئيس الجمهورية حيث تشترط الدساتير التي يقترحها الاخوان عادة ان يكون رئيس الجمهورية مسلما، يضاف له "سنيا" كما يفضل البعض، أو شيعيا جعفريا كما في دستور الدولة الدينية الإيرانية، بناء على ان دين الدولة الإسلام، فيما الدول الديمقراطية تعتبر الدين خاصا بالأفراد وليس الدول.

كما ان وثيقة العهد تنبذ العنف وتدعو لمحاربة الإرهاب في عمومية لا تحدد أي إرهاب تقصد فيما ان الإرهاب حاليا تمارسه منظمات إسلام سياسي تكفر جميع من لا يوافقها بتطبيق الشريعة حسب تفسيرها لها. محاربة هذا النوع السائد من الإرهاب مهمة خاصة بالإسلام السياسي المعتدل إن كان فعلا يتبنى الوسائل الديمقراطية للوصول الى السلطة، ويريد ان يميز نفسه عن التكفيريين بانتقاد مواقفهم المتشددة بجرأة باعتبارها خارجة عن الإسلام العصري المتجدد الذي تدعو له وثائق الإخوان. حتى الآن لم يقدموا ما يكفي لمواجهة الهجمة الأصولية الإرهابية في المنطقة، ويخشى انهم يغضون الطرف عنها حيث يمكنهم الاستفادة من اعمالها بشكل غير مباشر، كما يفعل إخوان مصر بخصوص الأعمال الإرهابية للمنظمات التكفيرية التي انطلقت من سينا ونقلت نشاطها للمدن المصرية.

نتيجة العموميات التي تطبع وثائق الإخوان السوريين التي ذكرنا بعضها يخشى ان يكون التزامهم بالديمقراطية معاقا بأفكار مسبقة ما زالت تجرجر نفسها في وثائقهم المتتالية، دون ان يحسموا امرهم في قبول فصل الدين عن الدولة كما قبل به الإسلام السياسي التركي، والاعتراف بفشل خلط الديمقراطية مع تطبيق الشريعة بعد اعترافهم بفشل تطبيقها كدستور للبلاد حسب الشعار القديم "القرآن دستورنا". وربما يجتازون هذا القاطع بنبذ العودة لمرحلة الثمانينيات عندما انجر الإخوان وراء طليعتهم المسلحة التي مارست الإرهاب، وبالاعتماد على تجربة الخمسينيات الديمقراطية عندما طور مؤسس الجماعة مصطفى السباعي فكرها، فقبل بالاشتراكية، وكان يمكن ان ينتقل بالجماعة إلى إسلام سياسي ليبرالي. وقد شارك الإخوان في مؤسسات الديمقراطية السورية إلى ان قضت عليها الانقلابات العسكرية وآخرها الانقلاب البعثي المتحول في المرحلة الاسدية لديكتاتورية مطلقة.

الإخوان السوريون أحد القوى الأساسية في الثورة السورية، لعبوا دورا رئيسيا في المجلس الوطني اول تجمع للمعارضة السورية الساعية لإسقاط النظام الاستبدادي، فأقصوا قوى اخرى عن المشاركة في المجلس، لكنهم تعلموا من تجربتهم أن مواجهة النظام الذي ما زال متماسكا تفترض قبول التشارك مع جميع القوى الأخرى المعارضة مما جعلهم يقبلون دخول الائتلاف الوطني الجديد متنازلين عن اشتراطاتهم للهيمنة عليه. التطوير الذي حدث في برامجهم لسوريا القادمة ذو أهمية لطرحه موقفا إسلاميا معتدلا يقبل بالديمقراطية التي قامت الثورة من أجلها وتحاول قوى مسلحة إسلاموية في الداخل خطفها لأهدافها الخاصة التي من بينها ما أعلنه البعض عن "خلافة إسلامية" تكفر الديمقراطية.

التحالف مع الإخوان من اجل سوريا ديمقراطية لا يمنع نقدهم لتصحيح مواقفهم، فالتطوير الذي احدثوه في برامجهم من خلال "عهد وميثاق" غير كاف، ولكن يجب عدم تجاهله بل الدفع لتطويره للأفضل نحو التخلي الواضح والصريح وبلا مواربة عن النية لتطبيق اية شريعة ثبت تعارضها مع الديمقراطية، واعتبار الدين شأن فردي بين الانسان وربه لا يتدخل في شؤون الدولة وبحرية الانسان كما يقررها التوافق الانساني في كل مرحلة. فالشرائع السماوية يمكن قبول "مقاصدها" الخيرة التي لا تتناقض مع الحداثة الانسانية المعاصرة، فيما البعض من بنود الشرائع وان كانت صالحة في وقت النزول، لم تعد صالحة الآن.

ان إسلاما سياسيا سوريا معتدلا يقبل بعدم خلط الديمقراطية مع تطبيق الشريعة، يقطع الطريق على ما تحاول تعميمه قوى سلفية تكفيرية تحمل السلاح من أهداف تتعارض مع اهداف الثورة السورية مما قدم ذرائع للنظام فيما ادعاه من محاربته للإرهاب الاصولي. كما أن إسلاما سياسيا سوريا يقبل بالعلمانية، ينزع ذرائع القوى الدولية التي لا تتدخل بفعالية في الصراع السوري لترحيل النظام بحجة الخشية من البديل التكفيري القادم كما تتصور.