أي ايران يصدّق عرب الخليج ...

أي ايران يمكن أن نصدّق؟ هل ايران التي تبعث برسائل ودية إلى دول الجوار... أم ايران التي تعتبر بلسان قادة "الحرس الثوري" أن حرب النظام السوري على شعبه هي حربها وأنّ هذا النظام لن يعوزه لا المال ولا الرجال ولا الإسلحة من أجل ذبح شعبه نظرا إلى أنّ إيران أعدّت اثنتين وأربعين فرقة عسكرية وما يزيد على مئة وثلاثين كتيبة من أجل المشاركة في الحرب السورية؟ لم يتردد أحد قادة "الحرس الثوري" في الاعلان أن الحرب في سوريا هي حرب بين أميركا وايران وأنّه إذا خسرت ايران الحرب، سيكون "العدو" عند حدودها!

في مثل هذه الأجواء، ليس كافيا أن يطمئن وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل الدول الخليجية إلى أن بلاده معنية بأمنها وأنّه لن يتغيّر شيء في نظرة الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط في حال التوصل إلى إتفاق بين المجتمع الدولي وإيران في شأن برنامجها النووي.

الأكيد أنّ الإجتماع الذي عقده وزير الدفاع الأميركي خلال زيارته الأخيرة للملكة العربية السعودية مع وليّ العهد الأمير سلمان بن عبدالعزيز ومع وزراء الدفاع في دول مجلس التعاون كان مهمّا، أقلّه شكلا. جاء الإجتماع بعد أسابيع قليلة من زيارة للسعودية قام بها الرئيس باراك أوباما الذي تلقّى عبر الطريقة التي استقبل فيها ومن محادثاته الملك عبدالله بن عبدالعزيز إشارات معيّنة.

أوحت الإشارات بأنّ على الولايات المتحدة التعاطي مع مشاكل الشرق الأوسط بطريقة مختلفة تأخذ في الإعتبار أن دول مجلس التعاون الخليجي مهتمّة بالإستقرار الإقليمي... ولكن ليس على حسابها.

هناك مفاوضات بين المجتمع الدولي، بين مجموعة خمسة زائد واحد، التي تضمّ الاعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وألمانيا من جهة وإيران من جهة أخرى. التركيز في هذه المفاوضات، التي تدور في وقت يبدو همّ إدارة أوباما محصورا في التوصل إلى إتفاق "تاريخي" مع إيران، هو الملفّ النووي.

من الواضح أنّ ما يعني دول الخليج العربية والعرب عموما يتجاوز الملف النووي الإيراني الذي يعكس التركيز الأميركي عليه دون سواه نظرة تبسيطية إلى الشرق الأوسط.

هناك بكلّ بساطة مخاوف عربية من إدارة أميركية تميل إلى التفرّج على ما يدور في المنطقة غير آبهة بالتهديدات الإيرانية لها. هل في إستطاعة الولايات المتحدة إقناع دول الخليج والعرب عموما بأنّ المفاوضات مع إيران لا تعني التغاضي عن نشاطات طهران على الصعيد الإقليمي؟

تمتدّ هذه النشاطات الإيرانية المرتكزة على إستخدام الغرائز المذهبية والإستثمار فيها وفي مشاريع سياسية واضحة كلّ الوضوح من اليمن إلى لبنان. تمر المشاريع الإيرانيةّ في طبيعة الحال بالبحرين والعراق وسوريا والسودان وحتّى إريتريا وتشمل كلّ ما له علاقة بالفلسطينيين وفلسطين، خصوصا في قطاع غزّة الذي تمتلك فيه ميليشيا خاصة بها هي "الجهاد الإسلامي".

لا تشبه هذه الميليشيا الفلسطينية سوى ميليشيا "حزب الله" في لبنان. هذا الحزب الساعي، بقوّة السلاح، إلى تغيير طبيعة المجتمع اللبناني وطبيعة النظام السياسي في البلد بعد نجاح تغلغله في عمق الطائفة الشيعية اللبنانية وتحويلها إلى رهينة لديه.

لا يمكن مقاربة الموضوع الإيراني من زاوية الملف النووي الذي يهمّ إسرائيل أوّلا فقط. إسرائيل لا تختزل الشرق الأوسط ولا تختزل العرب لا في الخليج ولا في المشرق ولا في شمال إفريقيا.

ليس هناك في المنطقة من يعترض على الحوار مع إيران. ليس هناك من لديه أدنى تحفظ عن التوصل إلى اتفاق في شأن الملف النووي، خصوصا أن مفاعل بوشهر يمثّل تهديدا لدول الخليج العربية نظرا إلى قربه من بعض المدن الكبرى فيها في مقدّمها الكويت. هذا ليس سرّا. ليس سرّا أيضا أنّ أن القلق الناجم عن السياسة الإيرانية يعود إلى أنّ هذه الدولة، ذات الشعب الحيّ والحضارة العريقة، باتت تعتبر نفسها بفضل السياسة الأميركية قوّة إقليمية يحقّ لها التدخل في شؤون كلّ دولة عربية. إيران باتت تضع فيتو على تولّي شخصية معيّنة رئاسة الجمهورية في لبنان. صار على اللبنانيين إنتظار الضوء الأخضر الإيراني ورفع الفيتو عن هذه الشخصية أو تلك التي لا تعجب "الحرس الثوري"، حتى يصبح لديهم رئيس للجمهورية!

باتت إيران قادرة على التحكّم باللعبة السياسية في العراق. باتت إيران في وضع يسمح لها بإرسال عناصر لبنانية وعراقية، وحتّى أفغانية، إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام فيها من منطلق أنّها حامية لهذا النظام الطائفي الذي يذبح شعبه يوميا...

هذا غيض من فيض ما تقوم به إيران في المنطقة. هل تؤيّد الإدارة الأميركية هذه السياسة؟ هل تؤيّد التدخّل الإيراني في اليمن أكان ذلك في الشمال أو الجنوب؟ هل أخذت الولايات المتحدة علما بأنّ إيران صارت تسيطر، عبر الحوثيين، على جزء من شمال اليمن وهي في قلب صنعاء وعلى أبوابها؟

ليس مطلوبا تطمينات أميركية إلى أهل الخليج الذين يسعون منذ سنوات عدّة إلى بناء قوة ذاتية وتحصين مجتمعاتهم عن طريق تحسين مستوى التعليم أوّلا. ما تبدو الحاجة إليه أن تكون إيران دولة طبيعية يمكن أن تستغلّ رفع العقوبات الدولية عنها، في حال حصل ذلك، من أجل تحسين أوضاع شعبها وإقامة علاقات حسن جوار مع دول الخليج خصوصا ودول المنطقة عموما.

هل تستوعب الإدارة الأميركية هذه المعادلة وتقرّ بأن هناك ما هو أهمّ من الملفّ النووي؟ هناك ملفّ إسمه وهم الدور الإقليمي الذي تعتقد طهران، بغض النظر عن الصراعات الدائرة بين الرئيس حسن روحاني ومنافسيه، أنّ في إمكانها تحويله إلى حقيقة بفضل السذاجة التي تتحلّى بها ادارة أوباما...

في النهاية، لا أفق للسياسة الإيرانية نظرا إلى أن ليس في استطاعة أي دولة في العالم لعب دور يتجاوز حجمها فيما اقتصادها في وضع يرثى له. ولكن في إنتظار وصول إيران إلى طريق مسدود، سيدفع كثيرون، بينهم لبنان، ثمنا لسياستها المتهوّرة القائمة على فكرة أن في استطاعة طهران تقاسم النفوذ في الشرق الأوسط مع الولايات المتحدة... واسرائيل وتركيا التي كان هناك من يراهن قبل فترة قصيرة على أن حكومتها الإسلامية تمتلك بعض المنطق والعقلانية.