أيّ مستقبل لثقافة عربية أربكتها الدولة القُطْريّة؟

قلم: د. توفيق قريرة
عجز ثقافي

في عام 2000 دعت كلية الآداب بمنوبة، وهي من أعرق كليات تونس، الشاعر الفلسطيني محمود درويش ليكون ضيفا على مهرجان للشعراء الطلبة؛ ولم تَرُقْ هذه الدعوة للنظام، فسعى إلى التعتيم عليها إعلاميّا وعلى الحفل الذي حضره الطلبة والمثقفون بالآلاف؛ ودبّر للتشويش على المهرجان حيلة من الحيل التي تنطلي على الخفافيش فقطع التيار الكهربائي عن الكلية في اليوم الثاني من التظاهرة وكان مخصصا لحوار مفتوح بين الطلبة والشاعر.

اضطرت اللجنة المنظمة ـ وكنت يومها أحد أعضائها ـ إلى إلغاء اللقاء وتعويضه بحفل توقيع. ولتدارك خطأها سارعت السلطات إلى دعوة الشاعر إلى قصر قرطاج لتكريمه. لبّى الشاعر الدعوة لكنه صرّح إثر لقاء بن علي بكلمة أهمّ ما احتفظ به العارفون بسرّ التكريم قوله عن بن علي " لقد أرْبَكَ لُغَتي". فهمت السلطة الإرباك كما يحلو لها أن تفهمه: أنّ كرَم الرئيس وعنايته جعل لغة شاعر مفوّه تعجز عن إيفاء حقّ الرئيس من الكلام ما يستحقّ. وفهمنا نحنُ ما قصده الشاعر فهو لم يجد من لغة تجاري فوضى لغة الرئيس الذي عرف القاصي والداني أنّه لم يكن كسلفه بورقيبة من فرسان البيان وأنّه يسهر جرّاء اللغة ويعرق لكنّها لا تستقيم له.

فمسارا الشاعر والجنرال مختلفان لا يمكن أن يلتقيا وكيف للخطاب أن يساوي بين من روّض الكلام وتسامى بفكره ووجدانه إلى مراتب التجريد وبين من لا يعرف من اللغة إلاّ قاموس الترهيب والتكذيب والخداع؛ وكيف يمكن أن يُجَارِي من فتق الله لسانه بقضايا الحقّ والكرامة والحرية مَنْ عقد الله لسانه وجعله عييّا غير مبين لا ينطق إلاّ إذا كان قارئا مهجّيا لكلام أغلب الظنّ أنه لا يفهمه.

إنّ الإرباك الذي استعاره الشاعر درويش للغة يمكن أن يستعار للثقافة العربية في عهد الدولة الوطنية وخصوصا في العقود الثلاثة الأخيرة. منبع هذا الإرباك خلل في البنية الفكرية والإيديولوجية لأغلب الأنظمة العربية الحاكمة؛ والافتقار لسياسة ثقافية واضحة الملامح؛ فضلا عن تهميش منظّم لأعْلام الثقافة الفعّالين وإفراغ الساحة منهم وتركها للبسطاء والمسطحين والمأجورين والمتآمرين على أيّ إبداع خلاّق؛ بالإضافة إلى تسطيح ممنهج لوسائل الإعلام وتسذيج مدروس لخطابها وتهجين لدورها التثقيقي.

إنّ الإرباك الثقافي الذي نعنيه في هذا السياق هو كلّ فعل إرادي أو غير إرادي تحرّكه سلطة سياسية حاكمة بمختلف أجهزتها السريّة أو العلنية ويكون غرضها منه إثناء الحركة الثقافيّة الفاعلة والخلاّقة عن اتباع مسارها التطوري داخل المنظومة الثقافية الكونية. والإرباك الثقافي الذي مارسته الدولة الوطنية في البلاد العربية كان الغرض المعلن منه أو الخفيّ تعطيل ما يمكن أن يجعل الشعوب المحكومة تطالب بحقوقها الأساسية في الحريّة والتعبير والتنمية والديمقراطية. وبما أنّ هذه المطالب يمكن أن تتكفّل بها جميع المحامل الثقافية (أدب، فنّ تشكليلي، مسرح، سينيما) ذات المصداقية والتأثير، فإنّها تلقى ما لقيته من التعطيل والتمييع والتهميش والاتهام وكلها أشكال من الإرباك الثقافي.

ولقد سعت الحكُومات العربيّة المُتتالية بأن تخلق بدائل ثقافية من المحامل الثقافية الحقيقية ففي تونس مثلا تأسست منذ عقدين ثقافة المناسبات. وسواء أكانت تلك المناسبات سياسية أم غير سياسية فإنّها لم تكن تعني في الغالب غير طائفتين مستفيدتين هُمَا السّلطة التي تسوّق لمشروعيّتها السياسيّة الزائفة وجماعة من المبتزّين لهَا يروّجُون لتلك الثقافة بما تسمح لهم "النجومية" في عصر اعتقد فيه شعراء السلطة وكتّابها ومغنّوها وسينمائيّوها أنّ الظلمة لن تنجاب وأنّ شمس الإبداع الحقيقي لن تبزغ من جديد.

لقد عرفت الحَركة الثقافيّة ردّة عن حيويّتهَا التي عرفتها بداية من سبعينيات القرن الماضي في جميع القطاعات ففي تلك الفترة أنتجت الثقافة العربية لحماية نفسها من التهميش ما يمكن تسميته بالنواة الثقافية الصلبة، نواة تتكوّن من قامات في الإبداع الثقافي مثلت مرجعيّات و أقطاب جَذْبٍ وقبلة لا يمكن الحياد عنها ولا يمكن اشتراء ذممها لأنها كانت وبكل بساطة غير مستعدّة لأن تبيع مرجعيّاتها الفكرية والإيديلوجية والأخلاقية الأصيلة، ولأن تحيد في الغالب عن أهدافها التحررية النبيلة.

ومن الغريب الذي لم يتكرّر أنّ كثيرا من القامات الفنية كانت تنشط في صلب الدولة لكنها لم تتخلّ عن مصداقيّتها ولا هي غيّرت أثوابها. لكنّ الضعف الثقافي والوهن الفكري قد دبّ في جسم الثقافة العربية يوم أن ضُربت النواة الثقافية العربية بمرجعيّاتها الشخصية والفكرية والأخلاقية والإيديولوجية؛ ويوم أن قرّرت الدولة الوطنية صناعة الثقافة بيدها اعتمادا على توزيع غير عادل للمَال الوطني. فشجّعت على نشر دواوين شعرية باهتة مبهمة ومجموعات قصصية لا روح للخيال فيها وموّلت سينيما الخيانة الزوجية والعري المجاني والإدمان واتهام الدين بالإرهاب وروّجت للأغاني التي كلماتها كتبت على أجسام شبقية ودوّنت لحونها على نوتات لهاث محموم. ولقد نجحت من خلال ذلك كله في خلق جمهور عينه قاصرة يبحث عن لذّة قصيرة سرعان ما يستفيق بعدها على فراغ في الروح والفكر أنّى أن تملأه ثقافة الشطحات.

كان أبرز نتائج الإرباك الثقافي في العالم العربي أنّ الثقافة أضحت في تصوّر العربي شيئا لا نفع منه فالكتاب صار منبوذا والمنابر الفكرية بات لا يؤمّها إلاّ قلة قليلة من الناس وأعلنت قاعات السينما إفلاسها وهجر الناس المسارح وصاروا يعجزون عن فكّ طلاسم لوحة زيتية تشكيلية وفقدوا كثيرا من القدرة على التفنّن والتذوّق. أمّا اللغة العربية التي هي وعاء لكثير من المحمولات الثقافية فأصبحت تنعت بـ "الخشبية" لأنّها وبكل بساطة كانت لغة الخطابات الرئاسية الممجوجة ولسان الفقهاء الذين يكفّرون الخارجين حتّى بالتظاهر عن الملوك وبها يكتب شعراء الركاب مدحيّاتهم العصماء.

لقد أربك لغتي

ويعتقد جمهور واسع اليوم أنّ الثقافة البديلة هي التي تنتجها وسائل الاتصال الرقمية والإعلامية وزادهم من وثوقية الاعتقاد أنّ الثورات التي حدثت في تونس ومصر لم تهيء لها الثقافة التقليدية بل "الفايس بوك" الذي يقدّم مادّة ثقافة وإعلامية دقيقة وواضحة وفعّالة.

إنّ المجتمعات المحرّرة في حاجة اليوم إلى ثقافة "ترى ما تريد" شعوبها ولا ترى ما تعرفه تلك الشعوب، فمن أبرز معضلات الانحطاط الثقافي العربي هيمنة المدرسة الواقعية في الفنّ والأدب. ولئن أسهمت هذه المدرسة في إعادة الواقع بأشكال جديدة لكشفه، فإنها خلقت بين ذلك الواقع والناس ألفة وحتّمت على الناس التسليم به. ولو قارنّا بين ما أنتجته المدرسة الرومنطيقية في الفنّ والأدب لرأينا أنّ هذه المدرسة على ما تتهم به ظلما من انكفاء وانطواء قد دفعت الشعوب إلى أن تحلم بواقع أفضل وحفّزتهم على التغيير والتحرير؛ ولا ننسى أنّ الشعوب الثائرة اليوم تستلهم أكبر شعاراتها من "إرادة الحياة" للشاعر الرومانسي التونسي أبي القاسم الشابي.

وحين انفتحت الثقافة العربية وخصوصا الأدبية منها على التجربة الرمزية لم تكن لديها من النّجاعة والفعاليّة ما يمكّنها من أن تحسن استخدام الرمز بشكل منهجي وبيداغوجي يُيسر على متقبّل الثقافة الربط بين الرامز والمرموز إليه من دون مشاكل إدراكية تؤدي إلى الإلغاز والإبهام.

لقد قادت التجارب الفنية الرمزية في الوطن العربي إلى تضييق دائرة الثقافة وإرجاع المثقف إلى برجه العاجي الذي قطعه عن أيّ تأثير جماهيري. وحين ضيّقت السلطة السياسية على شعوبها مَدَارات التعبير كان من الممكن للخطاب الرمزي في الفنّ أن يستردّ وظيفته بما أنّ الرمز هو المخوّل أكثر من غيره من العلامات لأن يقول من خلال ما يرى ما لا يرى؛ أي أن يجعل من المدلول القريب دالا على مدلول بعيد؛ لكنّ المثقفين فشلوا في هذا الدور لأحد سببين أو لكليهما أوّلهما: قلة الخبرة في بناء خطاب ثقافي حول الرمز فهذا لا يتوفّر إلاّ لمثقف قادر على رؤية مزدوجة ينفتح فيها المعنى القريب على البعيد وعلى بناء خطاب وفق هذه الثنائية؛ وثانيهما: قلة خبرة المتلقي على إعادة تفكيك هذا الخطاب الثقافي الرمزي في ظلّ موجَة من التسطيح والتسذيج والإغراق في الخطاب المباشر. قام الخطاب الرمزي بدوره الفعال في ثقافات الاستبداد حين كان لديه من مثقفون يحسنون بناءه وتركيبه وكان لديه متقبّلون يقدرون على فكّه وتحليله كذا فعل في القديم عبدالله بن المقفع في كليلة ودمنة وأبو العلاء المعري في رسالة الغفران.

إنّ الثقافة العربيّة عليها لكي تكون بنّاءة أن تضمّ جميع مفرداتها ولا تترك المجال لهيمنة قطاع على آخر وفي الثقافة العربية الإسلامية هيمن الأدب على غيره من المحامل الثقافية هيمنة لا يمكن القبول بها اليوم في عصر تعدّدت محامله الثقافية وبدلا من عصر الهيمنة علينا أن نمرّ إلى عصر التفاعل بين الأسانيد الثقافية فلا يمكن للسينما والمسرح أن تعيش من غير أدب ولا يمكن للرسم أن يعيش من غير قدرة على تنشيط ملكة التخيّل التي ليست حكرا على الأدباء بل هي ضرورية حتّى للعلماء فلا يمكن أن تنتعش الرياضيات من غير قدرة على التجريد وهي قدرة مرتبطة كما هو معلوم بملكة التخيّل.

إنّ من أبرز الأغاليط التي خلقها التهميش الثقافي في المؤسسات التربوية الفصل بين الثقافة والمعرفة وربط الشأن الثقافي بالاختصاصات الإنسانية المهمّشة رسميا واجتماعيا وإحالة الثقافة على المعاش في التخطيط والتمويل والنظر إليها بمنظار القطاع الطفيلي الذي يعيش عالة على غيره من الثقافات. لذلك تحتاج الثقافة في العقول المتحررة حديثا إلى أن توضع مواضعها الريادية التي تستحقّها؛ إذ من العسير على مؤسسات التعليم أن تضع التعليم في خانة مفردة ولا تبنيه على هرم أطرافه المعرفة والتربية والثقافة.

لقد احتاج شباب الثورة في تونس اليوم إلى الثقافة التي لم يجدوها في المدرسة ولا الجامعة أو وجدوها بشكل آخر؛ أحتاجوها كي يجيبوا عن أسئلة راهنة في السياسة عن الديمقراطية والبرلمان والمجلس التأسيسي وفي القيم الاجتماعية عن التنمية والتضامن والعدالة وفي الفنّ عن الأغنية الملتزمة وفي الأدب عن الشابي ومضامين شعره. فهذه الأسئلة وغيرها غابت وغاب كثير منها عن أبجديّات الثقافة التونسية الرسمية وحريّ بالمثقفين أن يضعوا "خارطة طريق" تقضي على ما يسميه رولان بارت بـ "تردّد العلامات" الثقافية الراهنة وعدم دقّتها في الإيفاء بمضامينها، وهذا التردّد من شأنه أن يخلق عجزا في مستوى تأدية التعبيرات الثقافية لما يراد لها أن تؤديه؛ ولقد عبّر فرويد عن هذا التردّد بقوله لخطيبته: "إنّ أكبر شيء يجعلني أتألّم أن أكون في وضعية عجز على أثبت لك حبّي". هذا العجز عن إصدار مفردات الحبّ يعرفه العربي اليوم كثيرا لكنه لا يعرف أنّه نابع في جوهره من عجز ثقافي.

د. توفيق قريرة ـ أستاذ بالجامعة التونسية