أيّ فكر تطبيقي لمقاومة الإرهاب؟

يتضمن الإسلام دون شك إلى جانب الفكر النظري، المتمثل في تعاليم الله جلّ جلاله والمحفوظة بين دفتي القرآن الكريم، فكرا تطبيقيا يتمثل بالخصوص في المنهج النبوي للسنّة الحميدة وأيضا في عديد العلامات المضيئة من التراث الفكري. من هذه العلامات مقولة حسن البصري "ليس الإيمان بالتمنّي وإنما ما وقر في القلب وصدّقه العمل".

لكن في الوقت الذي بقي فيه الفكر النظري مستوعَبا من طرف المجتمع المسلم بأكمله، في كل زمان ومكان وإلى هذا اليوم منذ 15 قرنا، فإنّ الفكر التطبيقي غائب. ويعزى غياب هذا الأخير إلى غياب الاجتهاد منذ أن أُغلق بابه (في القرن 9 م)، مما حدا بفكر القرون الثلاثة الأولى للإسلام أن يهيمن على الأجيال المتعاقبة إلى الآن.

هذا على الرغم من أنّ شاكلة مسلمي اليوم تختلف عن شاكلة مسلمي الأمس، ومعارف وعلوم وآداب القدامى مختلفة عن معارف وعلوم وآداب المعاصرين. لذا سيكون من باب التجني على الإسلام لو أريد تطبيقه اليوم بوسائل الأمس.

وبالتالي فمن الضروري الاستئناس بمعارف وعلوم العصر الراهن لتجديد الفكر التطبيقي (للأصل النظري/القرآني، النصي) مع الحرص على الحفاظ على المنهج القرآني بما يحتويه من عقائد وقيم وثوابت منهجية على غرار "تغيير ما بالنفس" و"العمل" و"الاستخلاف" و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر."

ما الذي "بالنفس" عند عرب ومسلمي اليوم والذي يستوجب "التغيير" يا ترى؟ وما الذي "يتمنّونه" هؤلاء و"وقر" في "قلوبهم" لكن لم "يصدّقه العمل" يا ترى؟

نحن للأسف نعتبر أنفسنا في وضع دونيّ بالمقارنة مع الأمم المتقدمة. وهذا من أكبر الأخطاء، حيث إنّ الإقرار بوضعية التخلف المادي (وهي حقيقة) لا ينبغي أن يحُول دون الارتقاء بالنفس حتى تبلغ السموّ الضروري لتوفّرِ الاستطاعة المادية. فبالإمكان أن يكون المرء/الشعب/الأمة مدركين لتفوّق الآخرين عليهم وأن يكونوا في الآن ذاته في وضعِ مقاومة لعقدة الأجنبي ولمركّب النقص المتعلق بها، في وضع صعود تدريجي نحو العُلا والسموّ بالنفس. وهذا مما يسهّل الانتقال شيئا فشيئا من حال الجمود المادي إلى حال الإنتاج والإنجاز.

ومركّب النقص والإحساس بالدونية تجاه المجتمعات المتقدمة لا ينحصر في علاقتنا (الدونية والتابعة) معها لكنه يتسرب إلى كامل كياننا فيستشري حتى ضمن علاقاتنا مع بعضنا بعضا، ناهيك أن نقدر على منافسة الآخر. فمن الوارد جدا أن نُصاب بالذهول المنتج للجمود حين يكون المطلوب منّا اتخاذ موقف موحّد حيال أمهات القضايا الحارقة (الهجوم الثلاثيني على العراق في سنة 1991، واستعماره في سنة 2003 وضرب الناتو لليبيا في سنة 2011، والفتنة في سوريا، أمثلة على ذلك).

ومن الوارد جدّا أن نردد مقولات التنديد بتنظيم داعش وبالإرهاب عموما دون القيام بأيّ مجهود لطرد المواد الغثة وإجلاء الغازات السامة الراسبة في النفس ("ما بالنفس") ومن ثَمّ تجاوز حقائق مثل "تألق" داعش (والجهات التي تموّله) ماديا وعسكريا ومثل حقيقة تآمر الجهات الاستخباراتية والامبريالية والصهيونية على بترول وغاز العرب بل على كيانهم. ومع التطهير والتجاوز سيأتي الارتقاء بالإيمان حتى يتمّ "وقاره في القلب" فتتحرر الإرادة ويتولّد القرار الصائب القابل للإنجاز المادي "فيصدّق" الإيمانَ "العملُ". نحن إذن نملك نظرية للإيمان ونفتقر إلى مثل هذه النظرية لإنجاز العمل المدعّم بالإيمان.

كثيرٌ من العلماء كتبوا ومازالوا يكتبون ويتحدثون عن الإنجاز والتطبيق. فلا ضير في أن نقتبس عنهم وننهل من نظرياتهم لنستخدمها. لسنا مطالبين باستخدامها لإنجاز العمل المتناسب مع إيمانهم (وهو ما يتوجس منه ذوو الفهم السطحي للإسلام) وإنما لإنجاز العمل المتناسب مع إيماننا نحن، وبيئتنا نحن، وثقافتنا نحن، وهويتنا نحن، وشخصيتنا نحن، وحاجياتنا نحن، وتطلعاتنا نحن. وإلا فهل يعقل أن نتخلى في يومٍ ما عن استعمال الدراجة والسيارة والحافلة والسفينة والطائرة خوفا من أن تسير بنا- بحجة أننا لم نصنعها نحن- نحو مثلث برمودا أو جهنم؟

في هذا السياق أعتقد أنّ من بين علوم ومعارف هذا الزمان المؤهَّلة لمساعدة المسلمين على تطبيق دينهم الفلسفة عموما وفلسفة الدين وفلسفة اللغة (اللسانيات الفطرية تحديدا) من جهة، وعلم الانثروبولوجيا (المجتمع والثقافة) وعلم انثروبولوجيا اللغة على الأخص من جهة ثانية. ذلك أنّ الأولى تغوص في أغوار العقل الإنساني لمعرفة طاقاته وقدراته الهائلة وكشف النقاب عن ملكاته غير المعروفة بعدُ، وأنّ الاختصاص الثاني يدلنا على كيفية تطوير الحياة الاجتماعية بفضل النفوذ الذي تستمده اللغة من المجتمع وفي الآن ذاته تؤثر به في المجتمع.

تقول أستاذة انثروبولوجيا اللغة الأميركية لورا آم. آهارن نقلا عن كارل ماركس: "الناس يصنعون تاريخهم، لكن لا يصنعونه تحديدا كما يشتهون. لا يفعلون ذلك في ظروف اختاروها بأنفسهم وإنما في ظروف موجودة ومتوفرة ومُمَررة مباشرة من الماضي."(1) وتعقب آهارن على كلام ماركس:"بالإمكان أن نستبدل "لغة" أو "مجتمع" أو"ثقافة"مكان مفردة "تاريخ" في هذه المقولة وسيبقى البيان ذا بصيرة."(2)

إنّ هذه المقاربة قابلة للتوسّع وذلك بواسطة استبدال مفردة "دين" مكان "تاريخ" في نفس البيان وسيكون هذا الأخير معبّرا عن كيفية مناسبة للتعامل الإنساني/الإناسي مع الديانة الإسلامية (ومع كل ديانة). وهي كيفيّة مماثلة لكيفية التعامل مع اللغة والمجتمع والثقافة والتاريخ. بل ستكون كيفيةً شمولية لأنها تجمع بين المكونات الخمسة. وهو جمعٌ مبررٌ طالما أنّ الدين في الآن ذاته واحدٌ من مكونات الثقافة والمجتمع والتاريخ، فضلا عن كونه يشتغل في ظل شراكة موصولة مع اللغة.

ماذا توفر لنا القراءة الخطّية لبيان كارل ماركس/لورا آم. آهارن؟ يؤدي البيان المعني الآتي:

أ. "إنّ المتديّنين بالإسلام يصنعون تديّنهم": لا أقول "دينهم" وذلك بناءا على أنّ الدين من عند الله تعالى، أما ما يستطيع أن ينجزه المسلمون فهو التديّن/ التجربة الدينية. وهنا تبرز أهمية الفرد في المعادلة الخماسية التي نقتبسها عن لورا آهارن (والتي اقتبستها بدورها عن كارل ماركس) حيث إنّ العقيدة فردية من الأساس (إشهار الشهادتين يتمّ بصفة شخصية) وحيث إنه ليس من البديهي أن نرى شخصين مؤمنين اثنين يتعاملان في المجتمع بنفس التناظر أو التطابق الذي قد يتسم به أداؤهما للمناسك الدينة. فهما لا يتخذان نفس المواقف الإنسانية والاجتماعية والسياسية من القضايا والمشكلات حتى ولو حصل اتخاذ المواقف على قاعدة إيمانية (مشتركة). وقد حثّ القرآن الكريم على سلك هذا النهج الميداني الذي يأخذ بالاعتبار التمييز بين الشخص والشخص الآخر، حيث جاء في محكم التنزيل: "قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا"(الإسراء:17) أي "على ناحيته وطريقته."(3)

ب. "لكن لا يصنعونه تحديدا كما يشتهون. لا يفعلون ذلك في ظروف اختاروها بأنفسهم وإنما في ظروف موجودة ومتوفرة وممررة من الماضي": إنّ ما يصحّ في التعامل مع الدين بهذه المقاربة التاريخية ينطبق على مفهوم السلف الصالح الذي عهدناه عند جلّ المسلمين والذي تربّينا عليه (ولو أنه مفهوم مثير للجدل). على أية حال يتفق معظم المسلمين حول أهمية الاقتداء بالقدامى من حكماء وعلماء وأتقياء.

كما أنّ بعض الحكام السابقين أقروا بقيمة السلف بوصفهم يشكّلون مرجعية روحية واجتهادية للأجيال اللاحقة. ألم يقل الخليفة العباسي المتوكل (القرن التاسع م) في لحظة إعلانه عن قرار غلق باب الاجتهاد: "ما قرره الخلف لا يرفضه السلف"؟(4) في إشارة فيها كثير من الحكمة الاستشرافية، إشارة إلى أنّ ما ستقرره الأجيال اللاحقة سيكون حتما مطابقا لما كان سيرضى عنه السلف لو كانوا على قيد الحياة.

بالنهاية، هل أنّ هذه المقاربة الانثروبولوجية تحتوي على نقاط ضعف من شأنها تحريف المنهاج الرباني/النبوي للتديّن بالإسلام، مما يشكك المؤمنين في صحة تديّنهم؟ عدا النص القرآني وسنة رسوله اللذين يبقيان هما الفيصل والمعيار الأساسي في تعديل التديّن بالإسلام، قد توحي هذه المقاربة ببعض التوجس حول مدى وفائها للحقيقة. أعني أنّ كلّ واحد من الأبعاد التي يشتمل عليها، بالإضافة إلى البعد الديني، الاجتماعي والثقافي والتاريخي واللغوي التي تشتمل عليها إضافة إلى الدين (بموجب اعتباره جزءا من الثقافة) أو بعضها أو إحداها قد يهيمن على المكوّن الديني فيضعفُ التديّنَ أو يهمشه. لكنّ صمام الأمان سوف يأتينا من العلم المعاصر أيضا كما سنرى في أدبيات مقبلة.

المراجع:

(1) في كتاب باللغة الانكليزية: "اللغة الحية، مقدمة لأنثروبولوجيا اللغة، منشورات "ويلاي بلاكوال"، سنة 2012، ص23

(2) المرجع السابق، نفس الصفحة.

(3) تفسير الطبري.

(4) ورد في مقالة للدكتور شاكر النابلسي بعنوان "لماذا الانسداد التاريخي وفشل التنوير في العالم العربي؟"، نشرت بتاريخ 4-11-2009 على موقع "المؤتمر الوطني العراقي".