أيهما أحق بالقصاص، الغالب أم المغلوب؟ طارق عزيز ورفاقه نموذجا

بقلم: إبراهيم الزبيدي

إلى أي مدى يمكن احترام المحكمة الجنائية التي حكمت على طارق عزيز بالسجن 15 عاما بتهمة ارتكاب «جرائم ضد الإنسانية» في قضية إعدام 42 تاجرا في بغداد يقال إنهم تلاعبوا بأسعار المواد الغذائية أيام الحصار الاقتصادي، ثم بالسجن سبع سنوات لإدانته في قضية تهجير الأكراد الفيليين من محافظتي كركوك وديالى، في ثمانينيات القرن الماضي؟
فتلك المحكمة واقعة تحت الهيمنة الروحية والفكرية والسياسية والطائفية والعشائرية والقومية لأحزاب السلطة الجديدة، ومنها أحزاب حليفة لدول ومؤسسات خارجية، في مقدمتها إيران التي رحبت بتسليم طارق عزيز وباقي السجناء المدنيين والعسكريين من قادة النظام السابق لحكومة حلفائها العراقيين. وقد تبين فيما بعد أن بعض أعضاء المحكمة إياها أعضاء منتسبون رسميا لبعض تلك الأحزاب الغالبة.
ومنذ تأسيسها ورائحة النزعة الثأرية تفوح من جلساتها المنقولة تلفزيونيا، (بعد تقطيع أجزاء من بعضها، وإغلاق الصوت في أجزاء أخرى منها). ومما رأيناه في بعض تلك الجلسات لا يقبل الشك ولا التبرير. فرئيسها وأعضاء هيئاتها يعاملون المتهمين بروح التعالي والتشفي والتحقير والتشهير. وهذه ليست من صفات القضاء العادل الذي يعتبر المتهم بريئا إلى أن تثبت إدانته، حتى لو كان أخا للديكتاتور الراحل، أو من أقرب المقربين إليه.
فرئيسها يحتكر لنفسه وحده حق اختيار ما يؤخذ وما لا يؤخذ به من الأدلة والشهادات والوثائق، ويسخر، أحيانا، بسماجة وثقل دم فظيع، من بعض المتهمين، أو من بعض الوثائق والأدلة التي كان يحاول المتهمون الاستناد إليها.
نستثني من ذلك بعض قضاة تلك المحكمة ممن حاولوا جاهدين أن يحترموا حيادهم واستقلالهم، وكانوا يصرون على تطبيق العدالة بنزاهة، دون تسييس، ولكنهم طردوا منها وجيء بحكام أقل دماثة وأكثر شراسة.
هذا مضاف إلى السياسة الانتقائية التي سارت عليها المحكمة في اختيار الشهود والمحامين.
وكثيرا ما كان الرئيس يمنع المتهم أو محاميه من الكلام، أو يأمر بطرد المحامي أو المتهم من القاعة بطريقة معلم المدرسة الذي ينهر تلاميذه الصغار، الأمر الذي جعل من كثير من جلساتها تمثيليات فجة مضحكة ومبكية في آن، وشبيهة، إلى حد كبير، بالمحاكم الثأرية التي أقامها البعثيون لخصومهم السياسيين في انقلاب 1963. بمعنى آخر، إن هذه محاكم ينتقم فيها الغالب من المغلوب، ويشهر به، ويتشفى بهوانه، ويجاهر بتحقيره.
وقد تأسست تلك المحكمة بقرار من مجلس الحكم المنحل، في العاشر من كانون الأول/ديسمبر عام 2003، ثم أقرته الجمعية الوطنية في الثامن عشر من تشرين الأول/اكتوبر عام 2005، قبيل وضع الدستور العراقي في العام ذاته.
ومعروف أن مجلس الحكم تشكل، أساسا، من القادة الكبار لأحزاب المعارضة العراقية السابقة، وأضيف إليهم بعض المستقلين الآخرين، وهم أيضا من المعارضين السابقين. وهذا يجعل من المجلس المذكور، ومن كل ما صدر عنه، وما تشكل على منواله فيما بعد كالجمعية الوطنية والبرلمان، مؤسسات وهيئات سياسية غير حيادية وغير مؤهلة لمحاكمة رجال العهد السابق، لأنها ببساطة أجهزة قامت أساسا على فكرة إسقاط النظام وتدمير مؤسساته والتخلص من رجاله. تماما مثل هيئة أحمد الجلبي المسماة هيئة اجتثاث البعث، والتي تغير اسمها لاحقا، فأصبحت تسمى هيئة المساءلة والعدالة، ويشرف عليها أيضا أحمد الجلبي نفسه، ويساعده علي اللامي، وهما من أشد الخصوم السياسيين للمشمولين بقراراتهما سيئة الصيت.
المسألة الأخرى الجديرة بالمناقشة أن التفريق بين رأس النظام السابق ومعاونيه واجب أخلاقي وإنساني متحضر ينبغي عدم الإخلال به بأية حال. فالنظام كله كان صدام حسين وحده، لا أحد قبله ولا بعده، ولا فوقه ولا تحته. وإذا أردنا العدل والموضوعية فينبغي ألا تزر وازرةٌ وزرَ صدام حسين، لأن جميع الذين عملوا في خدمته، سواء كان اختيارا واقتناعا بالنظام وقائده، وإيمانا بأفكاره وعقائده، أو اضطرارا، بحكم الظروف القاهرة التي أجبرت كثيرين على العمل داخل النظام، بل حتى في قياداته العليا أحيانا، غير مسؤولين عن سلوك قائد النظام وقراراته. أي أن الواحد منهم كان عبارة عن "عبد مأمور"، حتى وهو في قمة القيادة. والسبب بسيط وهو أن أحدا، حتى لو كان من إخوة صدام وأفراد أسرته، لم يكن يملك حق الاعتراض ولا الرفض ولا الاعتذار عن تنفيذ ما يأمر بتنفيذه. وإذا ما أحب صدام أحدا واختاره لمرافقته فكأنما حكم عليه بالموت الافتراضي وسَلبَه روحَه وعقله وأمواله وأسرته، وحكم عليه بالذوبان التام، والتخلي عن الآدمية، والخروج من خانة البشرية السوية. ويقال إن مخابرات النظام كانت تحتجز أسرة المسؤول الموفد بمهمة خارج العراق، لضمان عودته وعدم الهرب أو التعاون مع أميركا والمعارضة العراقية في الخارج.
هذا من حيث الشكل العام للقضية. أما بالتخصيص، فطارق عزيز، بما عرف عنه من هرب مقصود من العمل في أجهزة النظام القمعية والغوص في شؤون السياسة الخارجية وحدها والتفرغ لها، وبما اشتهر به من إحساس بالرعب الشديد من صدام وأخوته وأبناء عشيرته، كان لا يٍسأل عن شيء، ولا يحاول أن يقترب من أي عصب حساس في جسد النظام، على أساس "إبعد عن الشر وغني له". فكيف تريد لنا المحكمة العتيدة أن نصدق أنه مشارك في إعدام التجار، ومسؤول عن ترحيل الأكراد الفيليين عن العراق؟
أما الحكم بإعدام سلطان هاشم وحسين رشيد وأمثالهما من المهنيين العسكريين فمسألة أخرى أكثر إشكالية. فهؤلاء كانوا يؤدون واجبهم الوطني العسكري في حماية الوطن الذي تعرض للعدوان الخارجي. ولم يكن لهم من مهمة وظيفية في الدولة سوى هذه المهمة، ولا شيء غيرها، وإن تقاعس أحدهم عن أدائها أو تهاون فمصيره الموت المهين على أيدي جلاوزة المخابرات التي لا ترحم. ونخشى أن يكون الحكم عليهم هدية متواضعة يقدمها العراقيون لإيران، ردا لجميلها وأياديها على كثيرين من حكام العراق الجديد.
وأسأل، ماذا يفعل ضباط القوات المسلحة الحالية وقوى الأمن الداخلي لو احتلت إيران أو تركيا أو سوريا أو السعودية أراضي عراقية، ووظفت مواطنين عراقيين أدلاء وجواسيس، أو مجندين يحاربون وطنهم ويقتلون أبناءه المدنيين والعسكريين؟
وفي هذا الإطار تجدر الإشادة بما فعله قادة الأحزاب الكردية، وهو صفحهم نهائيا عن الأكراد الذين قاتلوهم ضمن قوات النظام السابق، وطي صفحة الماضي، ومنحهم فرصة للتوبة والاستغفار.
وقد دأب التاريخ على تذكيرنا بأمثال سلطان هاشم وحسين رشيد من الولاة والقادة الذين خلد التاريخ غلوهم في محاربة خصوم النظام الذي استخدمهم، وتعذيب من يعارض خليفتهم، وكانوا متدينين جدا، ومحافظين على أداء الفرائض الخمس، ومكثرين من ذكر الله. حتى قال شاعر في أحدهم:
قد بلـينا بأميــــر *** َظلم الناس وَسبَّحْ
هو كالجزار فينا *** يذكر اللــه ويذبحْ
فالحجاج بن يوسف الثقفي الذي ظهرت مواهبه القمعية في عهد عبدالملك بن مروان حين حاصر إبن الزبير في الكعبة ورماها بالمنجنيق، والذي مارس في العراق أغرب أنواع العنف بحق معارضي نظام سيده الخليفة الأموي، من ذبح وتقطيع وشي وتجليس على الخوازيق، كان متدينا ومؤمنا بقدسية واجبه الأمني في حماية النظام، ومصدقا بأن خصوم سيده الخليفة هم أعداء الله ورسوله والأمة ومقدساتها.
ويروى عنه أنه طلب مؤدبا لأبنائه، فوصفوا له معلما مسلما عِلمُه محدود، وآخر نصرانيا عِلمُه مشهود، فاختار المسلم. وحين أتاه قال له، لقد اخترتك أنت رغم أن النصراني أكثر علما منك، وذلك لأني كرهت أن أضم أولادي إلى من لا ينبههم للصلاة عند وقتها، ولا يدلهم على شرائع الإسلام ومعالمه. إذن فالحجاج الذي نعتبره نحن اليوم مجرما قاتلا يستحق غضب الله وعباده كان يدافع عن الدين وعن الأمة من أعدائهما المارقين، ويؤدي واجبا مقدسا فرضه عليه الله ورسوله وسيده أمير المؤمنين.
وبنفس المبدأ يمكن النظر إلى أمور أخرى حدثت وتحدث كل يوم في عراقنا الجديد. فهل من العدل أن تـُجيز حكومة المالكي إعدام جميع الصدريين لأن السيد مقتدى يكره رئيسها ويرفض إعادة تعيينه أربع سنوات أخرى؟ وهل يحق للمحكمة الجنائية ذاتها أن تحكم بإعدام جميع المنتسبين لمنظمة بدر لأنهم قاموا بقتل أعدائهم السنة لأنهم أعداء الطائفة والدين؟ وهل تحكم بالإعدام على كبار ضباط وزارة الداخلية لأن وزيرها البولاني أمرهم بمهاجمة القاعدة مثلا؟
والأمر ذاته يمكن أن نطبقه على رئيس المحكمة إياها، وعلى أعضاء هيئتها القضائية وادعائها العام. فلو سقط النظام الحالي، بغزو آخر بقوة خارجية أو داخلية، هل يصح أن يحاكموا ويتقرر إعدامهم لأنهم كانوا يؤدون واجبا ظنوه هم وطنيا وطائفيا وعنصريا عادلا ومقدسا، مثلما كان الحجاج بين يوسف الثقفي يظن وهو يذبح كل يوم وكل ساعة، على الشبهة والظن، عشراتٍ وأحيانا مئاتٍ من عباد الله الصالحين؟
والسؤال الواجب الطرح هنا، بماذا يختلف فلان أو فلان من دهاقنة سلطة تصريف الأعمال الحالية عن طارق عزيز أو سلطان هاشم وحسين رشيد؟ بل عن وطبان وسبعاوي وعبد حمود؟ وأيهما أحق بالقصاص، الغالبون الجد أم المغلوبون السابقون؟
ورغم كل شيء تظل الرجولة تعني أن يكون الحاكم رجلا وشريفا ومنصفا وعادلا وعاقلا مع أي "عزيز قوم ذل"، حتى لو كان قاتل أبيه. فالدنيا تدور، ولن يبقى سوى ما سوف يذكره التاريخ. وعندها سوف يحترم الناس غدا ذلك الذي تعالى على نفسه، وكتم أحقادها وأسكت شرها حين ملك رقاب خصومه. لكنهم سوف يلعنون، وإلى أبد الآبدين، أؤلئك الحكام الذين شاء حظ العراق العاثر أن يكونوا على رأس الوليمة، وهم صغار لا يعرفون سوى الحقد والضغينة والتشفي والانتقام. إبراهيم الزبيدي