أين مرسي من الديموقراطية!

مصر بلد متنوع لن يحتمل دكتاتوريات

يعتبر برنامج حكم الرئيس محمد مرسي والإخوان المسلمين لمصر مخيبا للآمال. فقد تعثر إلتزامه بالديمقراطية، ولم توفق جهوده في تحقيق شمول الجميع والتسامح السياسي.

وجاءت إجراءات مرسي ضد الكوميدي المصري باسم يوسف لتكذب بياناته الأولية بشأن دعمه للتسامح والشمول وحرية التعبير. فالفكاهة هي العمود الفقري للديمقراطية الناضجة، وتكميم أصوات المعارضة هو نذير بدكتاتورية وليدة.

وللأسف تؤكد هذه التصرفات شكوك الكثير من العلمانيين العرب والليبراليين والمسلمين من غير الإخوان المسلمين، أنه بمجرد أن يصل الإخوان المسلمين إلى السلطة من خلال الإنتخابات، فسوف يحبطون الديمقراطية ويستبدلونها بنسختهم الخاصة من الحكم الثيوقراطي أو "الحكم" الإلهي.

وكان الكثيرون يخشون من أن انتخاب الأحزاب الإسلامية السائدة من خلال "رجل واحد، صوت واحد"، سوف يؤدي لتحويل العملية إلى "رجل واحد، صوت واحد، لمرة واحدة" وإلى خنق التوجه الديمقراطي.

فعدم تسامح الرئيس مرسي مع العلمانيين، والنساء، والمسيحيين، وحتى القضاة الليبراليين، يولد مخاوف في مصر وأماكن أخرى، بأن البلاد قد استبدلت ديكتاتورية حسني مبارك العلمانية بالإستبداد الثيوقراطي.

فحكم مرسي لا يسمح بوجهات النظر المختلفة، وتفسير جماعة الإخوان المسلمين لدور الدين في الدولة برز بوصفه المبدأ التوجيهي لحكم مصر.

هذه الظاهرة المقلقة لا تبشر بالخير للإسلام السياسي، وخاصة الأحزاب السياسية الإسلامية التي أصبحت تشكل الغالبية في الحكومات العربية المسلمة.

ويقول مسؤولون في الحكومة السابقة، أن الأحزاب السياسية الإسلامية عندما تصبح جزءاً من الحكومة، ستركز على قضايا "العيش الأساسي" بدلاً من التركيز على عقيدتهم الدينية. فقد كنا نؤمن بأن اهتماماتهم السياسة من شأنها أن تتفوق على عقيدتهم.

وكشركاء يمثلون الأقلية في حكومات مصر ولبنان والكويت والبحرين والأردن والمغرب واليمن وماليزيا وإندونيسيا، تركز الأحزاب الإسلامية على التشريعات التي تستجيب لإحتياجات ناخبيهم، وتتفاوض مع الأطراف الأخرى لتمرير التشريعات اللازمة التي تنظم التجارة والنقل والطاقة، وأسعار المواد الغذائية، وغيرها من القضايا التي تهم المواطنين.

وعموماً، فهذه الأحزاب السياسية الإسلامية لم تنتخب أو أعيد انتخابها بسبب أصولها الإسلامية ولم تستخدم عقيدتها الإسلامية للحكم. فقد روجت هذه الأحزاب للمواقف المعتدلة خلال حملاتها الانتخابية، وعموما ظلت تحكم كفصائل مسؤولة في برلماناتها.

وعندما أطلعنا كبار صناع القرار، أبرزنا الفارق بين الأحزاب السياسية الرئيسية - بما في ذلك جماعة الاخوان المسلمين وفروعها في الأردن وفلسطين والمغرب وغيرها- والجماعات الإسلامية المتطرفة وهي التي لا تؤمن بديمقراطية من صنع الإنسان وبالحكم الشمولي.

في ذلك الوقت، كانت جميع تلك الأطراف ضمن الأقلية. وكنا نرى أيضا أنه عندما يحكم بعض هذه الأحزاب ستصبح أغلبية، فهي تدعم الديمقراطية والميول الشمولية.

فحزب العدالة والتنمية التركي أصبح أول حزب حاكم يشكل الغالبية السنية في المنطقة. ويحكم بأسلوب ديمقراطي، ويدافع عن العلمانية التركية، ويشجع إدراج الجميع (الشمولية) في الحياة الاقتصادية والسياسية في البلاد.

وبالرغم من جذوره الإسلامية، يدعم حزب العدالة والتنمية المفهوم الديمقراطي الخاص بفصل الدين عن السياسة.

وكان الكثيرون يأملون في أن يجلب الإخوان المسلمين نموذجا مماثلا لحكم مصر. وفي الواقع، كان ذلك هو وعد مرسي عند انتخابه رئيسا للبلاد. وقد عزز سلطته في أول مائة يوم، لكنه منذ ذلك الحين بدأ في توطيد سيطرته بأساليب غير ديمقراطية على أساس دستور ساعد في تمريره على عجل ودون مناقشة عامة.

كيف يمكن لمرسي استعادة الديمقراطية ونقل مصر إلى الإتجاه الصحيح؟

أولاً، إلغاء الدستور المخزي واستبداله بدستور يعكس الأيديولوجيات السياسية المختلفة في المجتمع المصري.

ثانياً، شمول العلمانيين والنساء والمسيحيين، والقادة من غير الإخوان، في مناصب عليا في الحكومة، وتعزيز برنامج وطني للتسامح تجاه هذه الجماعات، ومعاقبة الضالعين في الطائفية وجرائم الكراهية.

ثالثاً، عقد انتخابات مفتوحة وحرة للبرلمان المقبل، مع إجراءات مباشرة للتصويت أبسط من ذلك بكثير ودون أن تتحول لصالح جماعة الإخوان المسلمين.

رابعاً، إنشاء صندوق لتوفير دعم كبير للشباب والشابات في بدء مبادرات في مجال التكنولوجيا وريادة الأعمال لتطوير الأعمال وخلق فرص للعمل. فلابد لجيل الشباب من أن تتوفر لديهم حوافز ملموسة في المجتمع من أجل المساعدة في بناء مستقبل مزدهر.

خامساً، عقد سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى للقادة -رجالاً ونساء- من مختلف شرائح المجتمع المصري من رجال الأعمال، والبنوك، ومجتمعات السياحة، والمهن، والمجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية، وصناعة التكنولوجيا العالية، من مختلف الإيديولوجيات الاجتماعية والسياسية والدينية، وذلك لمناقشة مستقبل مصر الفوري ووضع استراتيجيات محددة لكيفية الوصول لتحقيقه.

الإخوان المسلمون ليس لديهم احتكار على الرؤية المستقبلية لمصر. وإذا أراد مرسي أن يكون رئيساً لمصر كلها، فلا بد له من اتخاذ خطوات ملموسة لتخفيف مخاوف مواطنيه حول قيادته، وأن يقوم بخلق فرص عمل للشباب، وأن يشرك قادة المشارب الأيديولوجية المختلفة في بناء مصر أكثر ديمقراطية.

فمصر تتمتع بثقافة غنية ونسيج اجتماعي متنوع ولا يمكنها أن تزدهر في ظل الثيوقراطية. ووضع البلاد على الطريق الصحيح سيكون أكبر إرث إيجابي يحققه حكم محمد مرسي. (آي بي إس)