أين تكمن الحلول في الطوبى أم في البرامج؟

ما أكثر ما تساءلت بيني وبين نفسي: ترى هل يعرف معظم الذين طرحوا شعار "الإسلام هو الحل" حجم ومدى الإشكالات الكامنة في ثنايا هذا الشعار، بعيداً عن الرشاقة البلاغية التي يتحلى بها، مثله في ذلك مثل شعارات أخرى تتغنى بـ"رسالة خالدة" أو تنادي بـ"وحدة عمال العالم" وغيرها كثير. وطبعاً من غير المقبول السخرية من المنادين بشعارات أخرى ولا شتمهم عملاً بالآيتين الكريمتين:([يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم....] [..ولا تسبوا الذين....]). بل على العكس هم مأمورون بالحوار المنطقي الهادئ المسالم، وبالأخص الأخص بحث كيفية إدارة شؤون حياتهم وتدبير معاشهم وهو الهم الأهم.

من هذا المنطلق لم يدهشني رأي سبق أن طرحه الدكتور عصام العريان: من أنه حان الوقت لمراجعة شعار "الإسلام هو الحل". فقد أثار تفاؤلي الدعوة إلى المراجعة، وهنا بيت القصيد، فقد سبق أن ضاعت وما زالت أرواح وأموال وجهود عبر السنين بسبب الوقوف عند "استقر الرأي" عند السابقين، أو قصر الجهود على القضية المركزية، أو تكمن الحقيقة المطلقة في...، إلخ إلخ..

أيضاً ينزعج أصحاب الشعار ممن يطرحون مقولة العلمانية بدعوى أنها "ملحدة"، وأزعم بقوة أن هؤلاء لم يطلعوا – بل ولا يرغبون في الاطّلاع - على مفهوم العلمانية كما ينبغي لتحقيق معرفة علمية. وقد سبق لي أن أشرت (في مقال سابق) إلى أن العلمانية انبثقت من كنف التدين الورع.

أول انتقاد لشعار: الإسلام هو الحل، يوجه إلى صياغته اللغوية، وجود الضمير "هو" فيه، ينبئ عن انه حديث العهد، الأقدم منه المناداة بـ"لا حكم إلا لله" شعار الخوارج الذين انقرضت جماعاتهم، على اختلاف قراءتها، ولم يبق منهم سوى القَعَدَة أي الذين قعدوا عن الخروج (إلى القتال = الجهاد) من أجل إعمال الفكر والنظر، وهم الإباضية.

وإذا فالشعار قابل للنقاش من كافة الأوجه. بل يُضاف أن هذا التعبير غير لائق بما فيه الكفاية، إذ أنه يجعل من الإسلام، بإنجازه الحضاري العظيم، موئلاً للبحث عن حلول لمشكلات أنية مادية طارئة فقط. في حين أن الإسلام يكشف عن "الدين" بتحديد أركان الإيمان وتوطيد معطيات الاعتقاد، وعن الشريعة فيحدد الواجبات والمحرمات والنواهي بمطلقها ونسبيّها. ويتطرق إلى تبيان وتوصيف وتصنيف وشرح الكليّات. أما الفقه فهو استنباط أئمة عظام، لكنهم غير معصومين بل ومختلفين، لقواعد يسير عليها = يقلدّها، الناس في أمور عبادتهم ومعاشهم، على أساس أنّ اختلاف الأئمة رحمة.

قدّم الأئمة العظام منذ ألف سنة أفكاراً ورؤى وقواعد كانت في حينها قمة في التنور والتسامح والطيبة. لكن بعد مرور القرون العشر مازال هناك من يصر على التعميم بتعبيرات ومقولات ضبابية تقف عاجزة أمام تغيرات ومتغيرات تزيد وتزيد وتزيد.

أخيراً، لا يحق لأحد التطرق (بأمر قرآني ونبوي) إلى كينونة الإيمان الشخصي، فهذا ليس مجال بحث على الإطلاق، فلكل امرئ حرية الاعتقاد وإيمانه الخاص به، الذي ليس من حق أحد تصويبه أو تخطئته. وإذاً فالمشكلة تبرز صارخة في التعاطي مع أمور الحياة ومستجداتها. وكي لا نبقى في العموميات علينا التحاور حول طرائق إيجاد برامج وحلول للمتطلبات الملحة، وتأجيل البعيدة المدى، أو كما يُقال حديثاً: وضع خارطة طريق لمشاريع الحلول.