أين الصحافة العربية يا باريس؟

بقلم: هشام القروي

في صيف هذا العام – كما في كل موسم – يمتلئ شارع الشانزيليزيه بالسياح العرب، واغلبهم من المرفهين، الذين يأتون لقضاء عطلة باريسية والتبضع مع الزوجة والاولاد. ويكفي ان أسير خطوات نازلا من "قوس النصر" باتجاه مقهى "جورج الخامس"، الذي عادة ما أجلس فيه، حتى أسمع اللغة العربية بلهجاتها المتنوعة. وفي أكشاك هذا الشارع ايضا، توجد أهم الصحف والمجلات العربية، ومن بينها طبعا الصحافة الصادرة في المهجر. وهذا هو موضوعي اليوم.
فلطالما تساءلت خلال هذه السنوات الخمس التي قضيتها في باريس – منذ عودتي الثانية اليها- أين ذهبت كل تلك المجلات التي كانت تصدر هنا؟ انه فعلا شيء غريب. فبالرغم من أن فرنسا مقصودة من العرب، وبالرغم من انها تضم ملايين من المهاجرين أو اصيلي البلدان العربية، فان الساحة الاعلامية خالية تماما من أي صوت يخاطب هؤلاء الملايين بلغتهم. كيف أمكن أن يحدث مثل هذا الفراغ؟
ان طرحي لهذا السؤال لا يحتوي استغرابا وحسب، وانما يشمل كذلك احتجاجا، على اهمال ملايين العرب المقيمين في فرنسا . فبفقدانهم الصحافة الناطقة باسمهم، كأنه لا وجود لهم. أدرك بالطبع أن الصحافة الاخرى موجودة، أي تلك القادمة من لندن كجريدة العرب، والقدس، والشرق الاوسط...الخ... وتلك القادمة من البلدان العربية. ولكن من يتكلم باسم العرب المقيمين في فرنسا؟ من يهتم بمشاكلهم؟ من يتحدث عنهم؟ من يعرف ماذا يعيشون وكيف يعيشون؟ والجواب هو: لا أحد.
قبل بضع سنوات، كانت باريس تجمع عددا من المجلات والصحف العربية المهمة. فكانت تتجاور منها في حي الشانزيليزيه مثلا، مجلة "المستقبل" التي أصدرها المرحوم نبيل الخوري، ومجلة "الوطن العربي" التي كان يصدرها هنا وليد أبو ظهر، وعلى بعد مسافة باتجاه حي "نويي سورسين" الراقي، كانت هناك مجلة "كل العرب" التي كان يصدرها ياسر هواري وبالاضافة الى هذه المجلات المعروفة، كانت هناك مجلة "الطليعة" التي يصدرها ناصيف عواد، ومجلة "اليسار العربي" التي أصدرها محمود امين العالم، ثم صحيفة "المحرر" التي أصدرها نبيل المغربي بعد تركه "الوطن العربي".
وكل هذه المجلات – ولعلي نسيت بعضها الآخر، مع المعذرة – كانت تتنافس على تقديم الاخبار العربية الطازجة، والساخنة، والمغلاة جيدا، الى القراء العرب في فرنسا وخارجها. فماذا وقع حتى تغيب جميعا دفعة واحدة؟ أغلب الصحفيين العرب الذين كنت أعرفهم يعملون في باريس، انتقلوا الى لندن، حيث استقرت كبريات الصحف القومية والمجلات الاسبوعية. واذا كان بعضهم هاجر الى الولايات المتحدة، فان أكثرهم كما ارى استقروا في العاصمة البريطانية التي غدت بحق عاصمة الاعلام العربي، حيث يمكنكم أن تحصوا كل ما يصدر فيها بلغة الضاد، وهو ما يتجاوز حتى ما يصدر في بعض البلدان العربية.
لا أدري لماذا فضل الناشرون العرب اصدار صحفهم في لندن بدلا من باريس. الم يجدوا في فرنسا ما يشجعهم؟ هل رأوا أن سياسة الدولة الفرنسية أقل تفهما من سياسة بريطانيا؟ هل المسألة مادية ام سياسية؟ انني أدرك طبعا ما هي الصعوبات أمام اصدار صحيفة في عاصمة أوروبية، ولكن القضية الغامضة هي ما الذي يجعل لندن أفضل للصحافة العربية من باريس؟ هل من المعقول أن يكون كل هؤلاء الناشرين واصحاب الصحف العرب قد اتفقوا على فكرة واحدة، هي: عدم اصدار أي شيء من باريس؟ هل هناك مؤامرة عربية على فرنسا اطرافها أصحاب الصحف وناشروها؟ أم هناك شيء آخر يجعل من الصعب جدا، وربما من المستحيل استقرار الاعلاميين العرب لفترة طويلة في بلاد فولتير؟ فما هو هذا "الشيء الآخر" اذن؟ هل فرنسا في الحقيقة دولة بوليسية تحت "ماكياج" براق من الديمقراطية؟ هل الحرية الاعلامية هنا زائفة؟ هل هناك في الواقع رقابة مشددة على ما يكتب وينشر، بطريقة يتعذر مقاومتها، لانه لا يوجد أي اعتراف رسمي أو غير رسمي بمثل هذه التجاوزات؟ هل هذا التشدد الأمني هو الذي جعل الصحفيين العرب يهربون من باريس ؟
انها مجرد أسئلة، الدافع اليها هو الوضع المتميز بالغياب التام للصحافة العربية هنا، فهل المسألة كلها صدفة؟ هذه البلاد الفرنسية أعطت للعالم عددا من افضل رجال الفكر والثقافة والفن والعلم والاعلام، فضلا عن ميثاق حقوق الانسان والمواطن. وبالرغم من ماضيها الاستعماري – وهي ليست الوحيدة التي أجرمت – فان العديد من كبار المفكرين والكتاب العرب، يثنون على فرنسا باعجاب وتقدير كبيرين، وبعضهم درس وتخرج من جامعاتها. ومن ثم، فان جزءا من الثقافة العربية الحديثة لا شك مدين لفرنسا بالكثير. ولئن ذكرنا في هذا المجال، توفيق الحكيم، وطه حسين، ومحمود امين العالم، وسهيل ادريس، وادونيس...وحسب، فاننا لا نعطي سوى أمثلة ذات مدلول لا يخطئه كل من له اطلاع على الثقافة العربية الحديثة.
أقول ببساطة: نحن العرب، نعترف بما في فرنسا من انتاج فكري وعلمي وفني مهم، ونعتبر تراثها الثقافي والحضاري جزءا من التراث الانساني الكوني. ويكفي أن أزور متحف "اللوفر" مثلا حتى أشعر بين كل تلك الزخارف والاثار العربية والاسلامية القديمة أنني في بيتي. ويكفي أنني حين أمر بساحة "لوبوي دو ليرميت"، و أسمع الاذان يرتفع داعيا للصلاة، أو أرى الجموع يتدافعون في صلاة الجمعة، حتى أدرك أننا في هذه البلاد – كما في أي مكان – لسنا قشة أو ريشة في مهب الريح.
نحن امة لها وجود. وبالرغم من ذلك... أي بالرغم من اننا ملايين في هذه البلاد، فانني لا أرى من يتحدث باسمنا، ولا أرى من يقول: هذه صحافة العرب في فرنسا، ولا حتى هذه صحافة العرب الفرنسية. فالعرب الفرنسيون أيضا، أو الفرنسيون من غير العرب، غير مهتمين باصدار صحف ناطقة بالعربية، مع العلم أن عدد الذين يقرأون العربية في العالم يتجاوز بكثير عدد قراء الفرنسية.
فما هي حقيقة هذا الهروب الجماعي؟ ألا يمكن ان تتقيد الصحف العربية بما تتقيد به الصحف الفرنسية؟ ماالذي يتوفر في لندن للصحف العربية مما لا يمكن ان يتوفر في باريس؟ انها مجرد أسئلة. وانني سأكون ممتنا لو تفضل أحد العارفين بـ"الدهاليز" بانارتي. هشام القروي