أين الراديو؟

القاهرة - من محمد الحمامصي
الاذاعة لن تتيه في زحام التطور

هل لا نزال نستمع إلى الإذاعة، نتلقى منها الأخبار ونتابع برامجها ومسلسلاتها وأغنياتها؟ هل ذهب زمن الاستماع إلى الراديو؟ هل أخذتنا وسائل الاتصال التي شهدت تغيرات جذرية وضخمة في السنوات الماضية بفضل التطورات التكنولوجية الهائلة؟

الواقع يقول أن الإذاعة أو الراديو لم تسقط كوسيلة اتصال جماهيرية كبرى، ولكن التطور التكنولوجي لوسائط الاتصال تعددت وكثرت وتطورات بحيث لم يعد الكثير منا يذكر الإذاعة، أو يفكر فيها عندما تقع أحداث ما فيفتح الراديو ويتأكد من وقوعها ومن ثم يتابعها على هذه المحطة أو تلك.
استقراءات الواقع تقول إن الإذاعة ربما تاهت في زحام التطور، لكن الحقيقة غير ذلك، وهي أن الوسائل الجديدة من إنترنت وموبايل وغيرهما لم تستطع القضاء على الإذاعة كوسيلة اتصال جماهيرية تحظى بالمصداقية والتأثير الفعال، فالطباعة لم تقض على الاتصال المباشر والتفاعل الاجتماعي بين الأفراد، والراديو لم يستطع إنهاء عصر الصحافة المطبوعة التي لا تزال تحتفظ بمصداقيتها ودلالتها، والتليفزيون لم يقوض دعائم الإذاعة وقدرتها على التأثير وهكذا.
وفي كتابهما "الإذاعة في القرن الحادي والعشرين" الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، يؤكد الباحثان حسن عماد فكري وعادل عبد الغفار قدرة الإذاعة على الاستمرارية والمنافسة في بيئة اتصالية جديدة متغيرة الملامح والسمات بفعل التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال الإذاعي.
ووجود شبكة إذاعية عالمية متخصصة في البث الفضائي الرقمي، وما يرتبط بها من القدرة على التغطية الجغرافية لجميع بلدان العالم، قد تصل إلى معظم السكان في مناطق لا تزال محرومة من البث الإذاعي الوطني مع جودة فائقة في الصوت الإذاعي، وما يؤكد ذلك من تحقيق لمفاهيم السيادة الوطنية للرسالة الإعلامية في العديد من دول العالم النامي.
كما تطرح الإذاعة بدائل وخيارات إعلامية متعددة أمام المستمعين، منها قنوات إذاعية متخصصة للخدمات الإخبارية والترفيهية والتثقيفية والتعليمية وأخرى متخصصة في مخاطبة جماهير صغيرة متجانسة.
وفي ضوء هذه التوجهات الحديثة في العمل الإذاعي تتأكد مسايرة الإذاعة للتقدم الذي شهده العالم في مجال التعددية الفكرية، وهو ما يؤكد قدرة الإذاعة على الاستمرار والنجاح في بيئة الاتصال الراهنة والمستقبلية.
لقد انعكست التطورات التكنولوجية في مجال الإذاعة حيث تزايد اتجاه محطات الراديو نحو استخدام نظام التشكيل بالتردد اف ام في الإرسال الإذاعي، بدلا من نظام التشكيل بالاتساع ايه ام.
ومن المعروف أن استخدام ترددات اف ام تقلص من اتساع النطاق الجغرافي لمحطات الراديو، وبالتالي يزداد التوجه نحو مخاطبة أعداد أقل من الجماهير ذات الخصائص المتشابهة.
ومع التوسع أيضا في استخدام قنوات إذاعية تعتمد على موجات التردد العالية في اتش اف وترددات الميكروويف وشبكات الألياف الضوئية، توفر التكنولوجيا آلاف القنوات الإذاعية التي تتميز بجودة الصوت، وعدد التداخل أو التشويش، وتسمح بإمكانية تحقيق الاتصال التفاعلي أو ذي الاتجاهين، فضلا عن بث الخدمات الإذاعية عبر الأقمار الصناعية.
وبخلاف ذلك كله يقترب الراديو من السمات التي يتمتع بها التليفزيون، وذلك من خلال تصنيع أجهزة استقبال إذاعية مزودة بشاشة صغيرة تحيط المستمع علما ببعض البيانات الخاصة بالمواد والمضامين التي يمكن الاستماع إليها، إضافة إلي إمكانيات الوسائط المتعددة، فضلا عن إنتاج أجهزة راديو صغيرة الحجم وسهلة الحمل والتنقل وتستخدم جميع أنواع الطاقة سواء الشمسية أو الكهربائية أو البطاريات الخلوية.
ويخلص الباحثان في كتابهما إلى أنه ليس من المتوقع حدوث تغيرات في طبيعة الإذاعة في المستقبل المنظور، ولكن شكل البرامج هو الذي يتغير بصفة مستمرة ليلبي الحاجات الجديدة والاتصال ذي الاتجاهين وخدمة المناطق المحلية، وسوف يظل الراديو وسيلة أساسية لنقل المعلومات ولعله أكثر الوسائل الإلكترونية استقرارا وثباتا على مر الزمن.