أين أصبحت الناصرية؟

صوت العرب كانت صوت عبدالناصر

باريس - تتبع كاتب صحافي تجربة نصف قرن من الحكم أعقبت ثورة 23 تموز/يوليو 1952 في مصر. ويركز كامل اللبدي في مقال موسع كتبه في صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" (العالم الدبلوماسي) الفرنسية في عددها للشهر الجاري على التجربة الناصرية وما أعقبها.
فتحت عنوان "خمسون عاماً على ثورة الضباط الأحرار، أين أصبحت الناصرية؟" يبدأ كامل اللبدي مقاله الموسع بالإشارة إلى أنّ الضباط الأحرار "عندما خلعوا الملك فاروق، آخر ملوك مصر، في عصر كانت السلطة الفعلية في يد بريطانيا الاستعمارية، والقسم الأساسي من الثروة، الزراعية بنوع خاص، تمسك به أقلية مصرية؛ بدا منفذو ثورة 23 تموز/يوليو عام 1952 أصحاب مشروع اجتماعي واعد لموطنهم ولباقي الدول العربية، وقد جاءت عملية الإصلاح الزراعي وإعادة توزيع الثروة وتأميم قناة السويس في العام 1956 وبناء سد أسوان لتزيد من الهيبة والنفوذ لدى جمال عبد الناصر، المحرّك الرئيس للضباط الأحرار".
ورغم ذلك فإنّ اللبدي يسجل أن "إنجازات عبد الناصر، الذي تولى رئاسة الدولة حتى وفاته في 28 أيلول/سبتمبر عام 1970؛ لا تزال تسبب الانقسامات بين المصريين وتثير الكثير من الجدل".
ويقول "السبب الرئيس لهذا الانقسام يتمثل في موقف مختلف الفرقاء من السلطة الأحادية التي مارسها رئيس ذو شخصية متميزة، عرف كيف يبعث آمالاً كبيرة ليس في مصر وحسب وإنما في مجمل المنطقة التي طالما أذلها الاستعمار والتي كانت تتعطش إلى الاستقلال والنمو والكرامة. سلطة تصدت للقوى الاستعمارية في تلك الحقبة وحاربت الفقر والمظالم الاجتماعية لكنها في الوقت نفسه مارست عملية قمع شرسة في حق المثقفين والمعارضين من كل فئة وخصوصاً الإخوان المسلمين واليسار".
ويرى اللبدي أنه "لم تتوافر بعد ظروف النقاش الهادئ (حول التجربة الناصرية)، وفي أي حال فإنّ موقف الحكومة من تركة عبد الناصر ومحازبيه قد تطور على مدى السنين كما اتسع في شكل ملحوظ هامش حرية التعبير الممنوحة"، كما ذكر.
ولاحظ بدوره "تكاثر الكتب والمقالات الصحافية، وحتى البرامج التلفزيونية الخاصة؛ التي تمجد عبد الناصر أو تحاكمه، وذلك مع اقتراب الذكرى الخمسين للانقلاب العسكري الذي غيّر وجه مصر إلى حد بعيد، وسمح لها بممارسة نفوذ لا سابق له في المنطقة العربية وعلى المستوى العالمي".
ويشير اللبدي إلى أنّ "الرئيس حسني مبارك، بعكس سلفه أنور السادات، يرى أن الخطر الحقيقي على النظام يأتي من الإسلاميين وليس من الناصريين الذين قمعوا بشدة حتى اغتيال السادات".
وينقل الكاتب عن الناصري المستقل محمود قنديل قوله: "إن مأساة معظم الناصريين هي في أنهم ليسوا معتادين على العمل الجماعي، وغير قادرين على إلقاء نظرة نقدية على تجربة عبد الناصر أو على تطوير فكره. فالمناكفات الداخلية التي تواجه فيها الحرس القديم مع المناضلين الشباب بلغت ذروتها في أواسط التسعينيات وأدت إلى إضعاف الحزب العربي الديموقراطي الناصري والى خلق أجواء إحباط وخيبة أمل بين المناضلين الأكثر صدقاً"، كما نقل عنه.
بينما ينقل أيضاً عن محمد الفايق، وزير الإعلام السابق ومسؤول العلاقات مع حركات التحرر في أيام عبد الناصر، والرئيس الحالي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، قوله "إنّ التيار الناصري واسع جداً لكن المشكلة هو أن هناك عوائق أمام حرية عمل الأحزاب السياسية".
وبالمقابل يقول رفعت السعيد، الأمين العام لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، "لقد عاملنا عبد الناصر مثل تلاميذ ليس عليهم سوى السمع والطاعة، وعندما كان يتخذ قراره لم يكن يتقبل أي نقد أو اقتراح أو تعديل".
أما السيد حامدين صباحي، البرلماني ورئيس حزب "الكرامة"، التشكيل الناصري غير المرخص له فإنه يؤكد من جهته أنه: "من واجبنا الاعتراف بالأخطاء وبالانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان التي ارتكبت في عهد عبد الناصر مثل شنق الشهيد سيد قطب وملاحقة الإسلاميين والشيوعيين. ويجب علينا تقديم الاعتذار إلى عائلات هذه الحركات".
ورأى الكاتب في مقاله المنشور في "لوموند دبلوماتيك" رغم ذلك أنّ "عبد الناصر يبقى في نظر معارضيه قائداً تاريخياً عرف كيف يحتل موقعاً مميزاً في قلوب المحرومين وفي أوساط المثقفين". ويستنتج أنّ "من الأخطاء الكبرى التي كلفت البلاد غالياً، حرمان الطلاب منذ العام 1952 تعلم الديموقراطية والحرية".
ويشير اللبدي إلى خطورة "غياب الديموقراطية" في ظل نصف قرن أعقبت الثورة بوصفه "السبب الكامن وراء جميع المشكلات التي أعاقت تحقيق حلم التطور والاستقلال والوحدة العربية، ويأتي التسلط الدائم على الساحة السياسية من جانب ضباط في الجيش ليساهم بدوره في خلق حالة من الخلل الفادح".
ويلاحظ اللبدي أنّ "وسائل الإعلام (المصرية)، وخصوصاً إذاعة "صوت العرب"، فقدت كلياً ما كان لها من تأثير زمن عبد الناصر في الشارع وفي "الدول الشقيقة". وأصبح المواطن المصري يتابع أكثر برامج تلفزيون "الجزيرة" القطري. فحرية التعبير في هذه القناة في مواضيع تعتبر من "المحرمات" في القاهرة، دفعت المسؤولين إلى توسيع هامش حرية وسائل الإعلام السمعية البصرية وحلقات من تستضيفهم، حتى باتت تضم عناصر كانوا يعتبرون إلى زمن قريب من غير المرغوب فيهم أو أنهم ينتمون إلى تيارات سياسية غير مرخّص لها".
ولذا فإنه يرى أنّ المسؤولين المصريين بدأوا "يقرون بضرورة أن يرخوا الحبل في مجال الحريات العامة كي يقنعوا بشكل أفضل الرأي العام، في غياب الخيارات الديموقراطية الفعلية، بسياسات اقتصادية واجتماعية يصعب جداً تطبيقها".
ويرى الكاتب أنه "بعد خمسين عاماً على انقلاب تموز/يوليو عام 1952، تفوّقت الأيديولوجيا الليبرالية الغربية على الثورة الناصرية التي وقفت في مواجهة الغرب وعملت، سدا، لضرب حلفائه في المنطقة. لكن حتى الآن ليس هناك سوى انفتاح هش يقوم به نظام يفتقر إلى البرنامج التعبوي، وهو انفتاح يسمح بالتعبير عن حالات القهر الهائلة التي يعيشها ملايين الفقراء الذين تفتك بهم المظالم المتزايدة، وتعيشها نخبة تتعطش إلى العدالة ليس في مصر وحسب، وإنما في فلسطين أيضاً"، على حد تقديره. (قدس برس)