أيحصل هذا بالنَّجف!

بقلم: رشيد الخيّون

كتبتُ كثيراً عن النَّجف، وما زلت أكتب، فهي مدينة أنشأها ضريح، وأي ضريح، ضريح علي بن أبي طالب (اغتيل 40هـ). وهي مدينة العلم أسسها لهذه الغاية، العام 448 هـ، أبو جعفر الطُّوسي (ت 460 هـ)، ومنذ ذلك الزَّمان ظلت دار علم، مرت عليها طوارئ الحدثان واستمرت منتصبة، أتاها طالبو العلم «مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق»، وتبلبلت على أرضها اللغات، هذا يرطن (مفردة آرامية تعني الكلام بلسان أجنبي) بالفارسية والأوردية، لكن الجميع نهل العربية الصَّريحة مِنْ لسانها .
لذا عندما يخطئ تلامذتها أهل العمائم بالرَّفع والنَّصب وغير المصروف يشمئز السَّامع، لكن كثرة الحوزات وتعددها، وبُعدها عن النَّجف، جعلا ألسن المعممين تضطرب، مَنْ درس بحوزة ببيت من بيوت أكسفورد مثلاً جعل لنفسه رتبة علمية على أنه تخرج من جامعة أكسفورد، وهناك وضع على رأسه العِمامة. أما مَنْ تخرج من حوزات أُخر، كحوزة حي زينب بدمشق، فيستر حاله، ويقول: درست بالنَّجف، لكن يفضحه واقع الحال عندما تخرج المفردات من على لسانه بلا تمييز بين الفاعل والمفعول !
على أية حال، ذلك مستهل إلى ما نريد قوله، لنفي بما يعنيه العنوان «أيحصل هذا بالنَّجف»! لست مستغرباً ولكني منكر ومستاء أن يذهب زائر إلى النَّجف وتسرقه الشُّرطة نفسها، وهي الحامية لمدينة العِلم! والذي سُرق، أو تحدث لي عن سرقته وضح النَّهار، وفي أحد مراكز الشُّرطة، هو مِنْ محبي المدينة، ولا يقوى على زيارة العِراق، بلده الأصلي، من دون العروج إلى زيارة ضريح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ويقصدها مِنْ كركوك، وهي أرض بعيدة، فيمكن للرَّجل أن يدخل العراق من أربيل ويزور بلدته ويعود قافلاً من حيث أتى، لكنه تحرك وقد عزم على الزِّيارة، ثم يخرج من النَّجف بعدما دفع ثمن ما سُرق منه لضابط شرطة، من العهد الجديد لا العهد القديم .
قصة مهدي، الشَّاب التركماني من المعارضة السَّابقة، أنه زار النَّجف، فاشتبهت به الشُّرطة، لأنه يحمل الكاميرا، فاستدعوه مع كاميرته، أخذوها منه مع ما لديه مِنْ محفظة نقود وجواز سفر، وقالوا له: راجع بعد كذا وقت، وأخذ يقيم بباب مركز الشُّرطة، طالباً أغراضه، بعد ثبوت أنه زائر ضريح الإمام، معتبراً الأمر حرصاً أمنياً، وهي حالة مفرحة حقاً، أن يكون رجال الأمن بهذه الشِّدة، فمَنْ يدري ربما تغير مهدي وأصبح بصف الأعداء، مع أنه كان أحد المقاتلين والجاثمين حرصاً على سقوط دولة البعث، ففيها الرَّشوة والمحسوبية وسرقة أموال العِراق! لهذا كان مهدي معارضاً !
بعد دخول الوسطاء، والإلحاح، قرر ضابط الشِّرطة، إعادة الأشياء لمهدي، لكنه فوجئ أن الكاميرا، وهي ثمينة وليست ملكه، غير موجودة بين المرجوعات، فلما سأل عنها، قالوا له: مصادرة! لكنه ظل يلح، وماذا يقول لصاحبها! فبدأ التَّسويف واستمر الحال أياماً. قالوا: كم ثمنها! قال: بكذا من الدُّولارات، ردوا: اعتبر نفسك تشتريها من جديد! فادفع ثمنها وخذها! لكن مهدي انتفض على اعتقاد أن الحال تبدل، وغدت الشُّرطة بالفعل في خدمة الشَّعب، فكيف يدفع ثمن شيء مسروق منه! عندها شاوره أحد أفراد الشُّرطة: «ادفع إلي عندك، فهذا الضابط لا يُلين، وبغير ذلك لا تسترجع كاميرتك »!
لكن المشكلة أن مهدي لما سُئل عن ثمن الكاميرا قدر لها مبلغاً أكثر من سعرها بكثير، ظناً منه أن ذلك يُساعد في إعادتها وانكسار القلوب عليه! لكنه تورط ودفع ضعف ثمن الكاميرا وعاد، فوجدته يقول: أيحصل هذا بالنَّجف ! رشيد الخيّون