أيتها النفس .. إجلي ضبابك عنك

بقلم: ظبية خميس
حالة أقرب للبهيمية والتوحش منها للحضارة والتقدم

مغمورة الأنفس بطمي خليقة لا تدركها. من عاش ويعيش الراهن تتفتت نفسه إيابا وارتحالا في حال لا قعود له ولا التفات إلى ما كان, يحاصره اليباب وسرابات تتأرجح ومكبوتات تتفجر وقلق يدوم إلى ما يشاء الله.

لا تجد الأشجار من يشذبها ويرويها, ولا الأطفال يجدون أحضان أهليهم, وأما كائنات الله السائبة فلها الله بعد أن شوه كيانها الإنسان. لا يعرف العربي نفسه اليوم في عالم تتضانك قواه وتتضاد مصالحه ويلهو فيه من يلهو ويمتص الدماء من يمتص. لا مثل تشكل عالمه، ولا نظام يستوعبه، ودماؤه تغسل عتبات الطرق، وأنفاسه تهدر بالغضب والضجيج والمطالب التي يتوجه بها إلى من لا يجده.

العربي الذي شكلته لبنات الخليقة الأولى وتراكمت خلاياه من نسيج معتقدات وأديان وتلونت مشاربه بتعدد تشكيلات محيطه في الداخل ومن حوله, وتساربت حوله الدول والأمم. العربي الذي استعبد واستعبد وحارب واحتلته أفكار وجيوش, ذلك الذي حصد هشيم نفسه وهشيم الآخرين.

من هو اليوم وماذا يريد؟ وماذا تبقى له من ملكة الحضارة والفكر والقيادة وزمام أمره؟!

مثل خرائط من خراج مهول تتفجر الأقطار العربية: الجثث والحرائق والإقتتال والسجون. شوارع مغمورة بالهتافات والدماء وأعمار تقطف مشوهة الأجساد ونفوس يتقاذفها الخوف والرعب واليأس والأمل معا. تحرقها نار الداخل والخارج ويتربص بها المتربصون من بنيها ومن الأجانب وكل يحلم بغنيمته وفريسته وجثث قتلاه.

ولا تنبىء الوجوه عن العقول، فالحلكة فى وجه السجان والسجين والنهب يتداول وكل ينهب جسده ظانا أنها غنيمة يسلبها من جسد آخر لا اسم له.

ولا حكمة في الطريق, كأن لم ينجب المكان كل تلك القيم والأديان والأفكار والفلسفات القديمة. حالة أقرب للبهيمية والتوحش منها للحضارة والتقدم. تغيب ثقافة العقل وتشتعل ثقافة القوة والثأر والتسلط والإستقواء فيهلك الضعفاء تحت الأقدام وتتعزز العصبيات والخلافات والمذاهب والفتن فنتذكر أزمنة الأنبياء الأول والأمم التي صارت رميما.

كل يغنى على ليلاه فيما ليلى تتمزق ثيابها ويثخن جسدها بالجراح وتغتصب روحها.

من يحرك من؟ ومن يستغيث بمن؟ وماذا نهدم وما الذى سوف نبنيه؟

يكثر اللغو والمسميات المستعارة فيما البناء الذي لم يتشكل لا يزال خاويا وفظ الملامح وهش اللبنات.

جيوش لا تحمى أوطان, وعسس ينهبون ما نهبه اللصوص, وحكام كجمال راكدة على الزمان والمكان. لا إنسانية ولم يتبق من الأديان إلا طقوسها وصولجان حكمها في أيدي من لا يملكون والكبت ومظاهره في كل مكان والزيف والمعايير المزدوجة والنفاق والأسواط التي تأخذ مسمياتها.

هل من عدالة في الأرض, أو في السماء؟!

أفق يصطخب وموت يسلب الحياة وخراب يتمدد.

في الشوارع الثكلى يتقاسم الفوضويون والجلادون والإنتهازيون زواياهم. وفي البيوت يختصم الأخوة ويتشتت الكبار ويضيع الأطفال. الجدران تتصدع وأصحابها يحلمون بقصور لم يشيدوها.

أيتها النفس التي من ضباب الوقت إجلي ضبابك عنك وغوصي عميقا, عميقا في صلاة الكون. فلتكن الرحمة والمحبة طريقك. في الإنسانية أنت واحد وفي الكون كذلك. الأخضر أنفاسك والصحراء بيتك. وهلام الكلام لا يعبد الطريق.

عودي لكهفك الأول وتذكري أن الحروب هي الدمار وأن قطف الدماء ليس هو قطف الزهور

السلام, السكينة, الهدوء, المحبة, التواصل لا الإنفصال, جلالة الخلق والخالق, الإبداع والنقش على جدار الكينونة لا الزوال. النار مقدسة في مكانها فقط وفي غيره تتحول إلى دمار وشر. شياطين الأنس أقوى من شياطين الجن. أسلافنا لا يزالون يحيوون فينا ومن أجل كل أولئك الأطفال لا بد من أن يكون الأخضر هو لون دروبنا.

ظبية خميس ـ القاهرة 19/10/2011