أيام ثقافية في عمَّان

عمان ـ من أحمد فضل شبلول
تتويج للجهود الثقافية

أتاح لي ملتقى عمان للقصة القصيرة العربية في الفترة من 9 إلى 11 أغسطس/آب الجاري، الحصول على مجموعات قصصية وروايات وأعمال نقدية لعدد كبير من الأصدقاء الأردنيين، الذين كنت أعرف بعضهم من قبل، والذين تعرفت على بعضهم أثناء الملتقى، وإن كنت أعرف معظم أسمائهم من قبل، من خلال تواصلي مع بعض الجرائد والمجلات الأردنية، فضلا عما أتاحته شبكة الإنترنت من اطلاع واسع على معظم الأسماء والأعمال العربية الجادة في حقل الأدب والثقافة.
وكانت معظم الأوراق المقدمة للملتقى على جانب كبير من الأهمية، لأنها كتبت بجدية واهتمام مما أسهم في إنجاح هذا الملتقى الذي يقام للمرة الأولى في العاصمة الأردنية، ولعلني أعترف أن الآفة التي تصيب كل المؤتمرات والملتقيات قد أصابت هذا الملتقى أيضا، وهو تخصيص، من عشر دقائق إلى ربع ساعة على الأكثر، للحديث عن الورقة أو البحث الذي ينفق صاحبه أياما في إعداده وربما أسابيع وشهورا.
وكان حظي في هذا الملتقى إحدى عشرة دقيقة فقط في جلسة القصة القصيرة والإعلام، نظرا لتكدس الجلسة بأسماء عدد من الباحثين وكتاب القصة العرب الذين سيقدمون لنا نماذج من إبداعاتهم القصصية، بالإضافة إلى ثلاث دقائق فقط في المائدة المستديرة التي كانت عن مستقبل القصة القصيرة، ودقيقة واحدة فقط في التعليق على أحد أبحاث الزملاء، أي أن نصيبي في كل أيام المتلقى الثلاثة، كان خمس عشرة دقيقة فقط.
لذا تأتي الجلسات والمناقشات واللقاءات والتعقيبات والمداخلات والضحكات والقفشات التي تتم على هامش الملتقى سواء في ردهات مركز الحسين الثقافي، أو ردهات الفندق، أو على موائد الطعام، مهمة ومكملة للجلسات الرسمية بالملتقى. وقد يأتي حديث الهامش أكثر أهمية وموضوعية من حديث الجلسات الرسمية التي قد يشوبها نوع من المجاملة أو القصور في شرح وجهة نظر المتحدث.
ما أن لخصت حديثي عن نشأة القصة القصيرة وارتباطها بالصحافة ثم الإذاعة والتلفزيون والسينما، لأمهد للحديث عن القصة القصيرة والإعلام الإلكتروني، إلا وينبهني رئيس الجلسة الصديق د. إبراهيم السعافين بأنه لم يتبق لي سوى دقيقتين فقط، فيسقط في يدي، واضطر إلى أن ألهث وراء الإعلام الإلكتروني وعلاقته بالقصة أو العكس، وابتسر الحديث عن موقع القصة العربية الذي اتخذته مثالا لنشر القصة القصيرة على شبكة الإنترنت.
وكذا الحال مع معظم، أو كل، المشاركين، وهذا هو الحال في معظم مؤتمراتنا وملتقياتنا، وحقيقة فالقائمون على أمر هذه المؤتمرات والملتقيات معذورون أيضا، لارتباطهم ببرنامج ثقافي مكثف يجب تنفيذه خلال أيام معلومات، رصدت له ميزانية مالية محددة، وأي تأخير أو تقاعس سيترتب عليه أشياء أخرى إدارية ومالية، قد لا تشجع الجهة التي تعقد الملتقى أو المؤتمر، أو الجهة الداعمة له، من تكراره مرة أخرى.
ولكن أهم ما يبهج في هذه الملتقيات والمؤتمرات العربية هو التعارف والتلاقي والأحاديث الجانبية واللقاءات الودية والحميمية التي تشعر الكاتب بالدفء بين أفراد قبيلته من الكتاب والمبدعين.
***
في أول أيام وصولنا إلى عمان، كان مهرجان الأردن الأول الذي انطلق في السابع من يوليو/تموز، يختتم أعماله وعروضه الفنية ويطفئ شعلته التي استمرت متوهجة شهرا بأكمله، وتلقينا دعوة كريمة من وزير الثقافة الأردني د. صبري الربيحات لحضور ختام المهرجان على مسرح المدرج الروماني، الذي يعتبر المسرح اليوناني الروماني بالإسكندرية ابنا صغيرا له. فالمدرج الروماني بعمان يتسع لأكثر من ثلاثة آلاف شخص، أما المسرح اليوناني الروماني بالإسكندرية فيتسع لعدد قليل من المئات، فضلا عن أن المدرج اليوناني مجهز ومعد تماما لإقامة الحفلات والعروض الموسيقية والغنائية والرقصات الجماعية، وغير ذلك من أنشطة فنية وثقافية كبرى تقام في الفضاء المفتوح.
ولأنني لم أحضر المهرجان منذ أيامه الأولى فقد غاب عني الكثير من التفاصيل والأهداف التي يرمي إلى تحقيقها هذا المهرجان الأول الذي يحمل اسم الأردن، غير أنني عرفت من بعض الأصدقاء الأردنيين أن هذا المهرجان يقام في كل محافظات المملكة الهاشمية، وأنه يتصف بالشمول ويتسع لكل أنواع الفنون والثقافة سواء الشعبية أو النخبوية، وأن 43 دولة من مختلف دول العالم شاركت في هذا المهرجان الدولي.
وقال وزير الثقافة الأردني إن المهرجان الذي امتد على مساحة الأرض الأردنية كاملة لأول مرة، أظهر العديد من الإبداعات في مختلف الحقول الثقافية حيث برزت مهارات الفنانين وإبداعات الشعراء والمطربين والمسرحيين الأردنيين الذين تمازجت أفكارهم وآراؤهم مع المبدعين العرب والعالميين في حالة انصهار ثقافي عالمي.
كما علمت من كلمة د. صبري الربيحات أن عروض المهرجان تنوعت بين عروض لفرق فلكلورية محلية أو إقليمية ودولية وبين أمسيات لكبار الفنانين العرب والأردنيين وعروض مسرحية للكبار والصغار وأمسيات موسيقية جمعت بين الجاز والموسيقى العربية وملتقى للفن التشكيلي وآخر للشعر، وغيرها من الفعاليات التي حازت على إعجاب المتلقين في عمان والمحافظات الأردنية المختلفة.
***
وما أن ينتهي مهرجان الأردن الأول، وتبدأ فعاليات ملتقى عمان للقصة القصيرة العربية، إلا وتدعونا أمانة عمان الكبرى لحضور احتفالية "القدس ودرويش: المدينة والذكرى" بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لرحيل الشاعر العربي الكبير محمود درويش والاحتفال بالقدس عاصمة الثقافة العربية، على مدى يومين، بدعم ورعاية دائرة الثقافة والإعلام بحكومة عجمان بدولة الإمارات العربية المتحدة، فنحضر في اليوم الأول العرض السينمائي "هوية الروح" من إخراج توماس هوغ، وهو عرض سينمائي داخلي على خمس شاشات مع نظام صوتي محيطي يلقي فيه الشاعر محمود درويش على مدى ساعة كاملة قصيدته "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" وقصيدة للكاتب المسرحي النرويجي هنريك إبسن "تيريه فيجن" في رحلة آسرة لاستكشاف طبيعة الإنسان عندما يقف أمام خياري الانتقام والتسامح.
وقبل أن ندخل إلى العالم السينمائي لمحمود درويش وهنريك إبسن بقاعة السينما في مركز الحسين الثقافي برأس العين التابع لأمانة عمان الكبرى، نشارك المهندس هيثم جوينات نائب أمين عمان للشئون الثقافية في افتتاح معرض الصور الفوتوغرافية للشاعر محمود درويش بريشة الفنان الفلسطيني وليد أيوب، وصور لمدينة القدس من أعمال الجمعية الأردنية للتصوير، وسوف يستمر هذا المعرض حتى 16 من الشهر الجاري.
وفي اليوم الثاني تقام الأمسية الشعرية المشتركة للشعراء سميح القاسم (فلسطين)، ومحمد مقدادي (الأردن) وعبدالله الهدية الشحي (الإمارات)، يعقبها الأمسية الغنائية الفلكلورية التي تقدمها فرقة جذور الفلسطينية.
ويستثمر اتحاد كتاب الإنترنت العرب ورئيسه الكاتب الأردني الصديق مفلح العدوان وجود عدد كبير من أعضاء الاتحاد في ملتقى عمان للقصة القصيرة، فينظم ندوة أو لقاء مهما لتدارس أوضاع الاتحاد، وأهم قضايا الإبداع الإلكتروني والرقمي التي تشغل بال المبدعين العرب، وكانت فرصة جيدة للقاء الأصدقاء من أعضاء الاتحاد بالأردن وغيرها، والذين أتواصل معهم عبر البريد الإلكتروني أو من خلال الماسنجر والشات أحيانا.
والشيء الجميل في هذا الأمر أن يوقت الصديق محمد سناجلة رئيس الاتحاد السابق، أجازته من عمله في دبي، مع فعاليات الملتقى ولقاء الاتحاد الذي حرص على حضوره أصدقاء أردنيون وعرب ليسوا أعضاء في الاتحاد، فأخذوا فكرة متكاملة عن الاتحاد ومسيرته منذ عام 2005، أو منذ أن كان مجرد فكرة وتحققت على أرض الواقع الافتراضي ثم الطبيعي بعد ذلك، وطالب الكاتب الأردني إلياس فركوح بإعادة هيكلة الاتحاد ليقتصر على الكتاب الرقميين فقط، وليس لكل كاتب ينشر أعماله نشرا إلكترونيا، بديلا عن النشر الورقي.
وأثرت مداخلات كل من: د. سعيد يقطين وهاشم غرايبة ود. علاء عبدالهادي، ومحمد معتصم وأنيس الرافعي ومحمد سناجلة وسعود قبيلات رئيس رابطة الكتاب الأردنيين التي استضافت هذا اللقاء، وغيرهم لقاء الاتحاد، وأشارت إحدى الزميلات الأردنيات بضرورة التلاقي بين الكتاب المبدعين والمبرمجين لتقديم إبداع جديد ومواد جديدة خاصة في مجال الأسطوانات المدمجة التي تقدم للأطفال.
وتقوم الكاتبة الأردنية بسمة النسور بدعوتنا إلى مائدة مستديرة في بيت تايكي (وتايكي هي إلهة الحسن والجمال في أساطير مدينة عمان)، تديرها د. رفقة دودين نتحدث فيها عن هموم القصة القصيرة ومشاكلها، وعلاقة الجنس القصصي بالأنواع الحاجبة، وهل النوع القصصي نوع مستقل، أم هو جسر لكتابة الرواية أم تمرين على كتابة الرواية، وهل هناك جماليات جديدة للقصة العربية، وما هي الاستحقاقات المستقبلية للقصة القصيرة؟
وتطرح أسئلة أخرى مثل هل هناك أزمة نقد أم أزمة نص أم أزمة كاتب أم أزمة عمل إبداعي، وما معنى المستقبل في ظل وجود هذه الأزمات، بل ما معنى القصة القصيرة أصلا في ظل طرح تلك الأسئلة، ومدى ارتباط القصة بالميديا وتحولاتها من الشفاهة إلى الكتابة إلى الصورة.
وعلى هذا النحو، تجئ المائدة المستديرة في بيت تايكي امتدادا لملتقى عمان للقصة القصيرة العربية، وتحضر قناة الجزيرة القطرية لتغطية تلك المائدة التي شارك فيها أكثر من 15 كاتبا وناقدا وإعلاميا أردنيا وعربيا، وتخبرنا النسور بأن ما طرح ونوقش في تلك المائدة سينشر كاملا بملف خاص في عدد قادم من مجلة "عمان" التي تولت مسئوليتها مؤخرا.
***
إن عمان تمضي بقوة كبيرة لتحتل مركزا متقدما وسط المراكز الثقافية الكبرى في عالمنا العربي الآن، خاصة أنها تحتضن كوكبة من أهم الكتاب والمبدعين في عالم القصة والرواية العربية، كما أن مجلاتها الجادة مثل: عمان وتايكي وأقلام جديدة وغيرها، تثبت يوما بعد يوما أنها من أهم المجلات الثقافية الرصينة في ثقافتنا العربية المعاصرة، لذا تجيء توصية المشاركين في ختام ملتقى القصة القصيرة العربية بأن تكون عمان عاصمة للقصة القصيرة تتويجا لكل الجهود الثقافية التي تضطلع بها تلك المدينة الجميلة "التي تتعانق فوق جبالها الخضرة والحجر بما لا تعرفه مدن أوغلت في ماضيها، فجلل تاريخُها حاضرَها وحدده" كما تقول الكاتبة ليلى الأطرش، عمان "صبية العواصم" المؤسسة على سبعة جبال "بين مدن شاخت بتاريخها، فتدلهت عمان بحداثتها وطموح لا يحد"، وتعاقبت عليها الحضارات فمنحتها تميزا وتفردا بين عواصم العالم المختلفة. أحمد فضل شبلول ـ عمان