أيام الرَّقة السورية في مهرجان للإبداع الشعري

عاشها: عزت الطيرى
سلام على الرقة وسلام على الفرات

بدعوة من الفنان حمود الموسى مدير الثقافة بمحافظة الرقة السورية، وبتزكية من الشعراء الشباب هناك توجهت للمشاركة في مهرجان الرقة للإبداع الشعرى في دورته الرابعة والذي أقيم تحت عنوان "القصيدة هوية ومعنى" وبمشاركة أكثرمن 45 شاعرا من البلاد العربية علاوة على شعراء من تركيا وإسبانيا والبوسنة.
هذا المهرجان السنوي الضخم الذي تعجز عن تنظيمه مؤسسات ثقافية كبرى في بلاد عربية كثيرة مدعومة من دولها وحكوماتها، رغم أن الرقة محافظة صغيرة تبعد عن العاصمة دمشق أكثر من خمسمائة كيلو متر، تقطعها الحافلة المكيفة في أكثر من ست أو سبع ساعات.
لم يكن هذا المهرجان هو الوحيد الذي يقام سنويا في هذه المحافظة البعيدة بل تشاركه على مدار العام مهرجانات في القصة والرواية والفن التشكيلي والمسرح والفنون الشعبية مما أوقع باقي المحافظات السورية في حرج بالغ مع مديريات الثقافة بها التي لا حراك فيها ولافعل.
لم يكتف حمود بميزانية مديريته بل لجأ إلى الجمعيات الأهلية الكثيرة والمنتشرة في الرقة وإلى رجال الأعمال والمنظمات المختلفة والنقابات لتدعيم المهرجان حتى يخرج بالصورة التي يحلم بها حمود. وقيل لي أن حمودا في إحدى دورات المهرجان اقترض أموالا من المصارف بضمان راتبه الشهرى لينفق على المهرجان، وأنه طوال أيام المهرجان كان ينام في استراحته في المديرية ليكون جاهزا دائما بعيدا عن أسرته وأولاده.
في مطار القاهرة كان معي الشاعر محمد آدم رفيقي في الرحلة والشاعرة العراقية المقيمة في مصر ريم قيس كبه، وفي مطار دمشق وجدنا أن الشاعرة الإماراتية الرقيقة ميسون صقر القاسمي قد هبطت قبلنا. وفي خارج المطار كان مندوب المهرجان في انتظارنا ليصحبنا بالتاكسي إلى موقف الحافلات الفاخر. وفي حافلة فاخرة أيضا مكيفة قطعت بنا الرحلة بسلاسة وسهولة لنصل إلى الرقة في الثانية صباحا ولنقيم مع كل المشاركين في فندق أنيق وجميل وشاعرى اسمه "اللازورد".
في العاشرة صباحا بدأ المهرجان بافتتاح معرض الكتب ومعرض الفنون التشكيلية في قاعات مديرية الثقافة بالرقة، وفي المسرح الكبير افتتح محافظ الرقة المهرجان بكلمة بليغة ارتجلها وقال لنا ليتني كنت شاعرا مثلكم. ثم ألقى حمود الموسى كلمة المهرجان، وتحدث الشاعر إبراهيم الزيدي رئيس المهرجان، وألقى الشاعر التونسي يوسف رزوقة كلمة الشعراء، وقام الشاعر السوري الدكتور إبراهيم الجرادي، وهو الشاعر المكرم في هذه الدورة بإلقاء كلمته وقصائده أعقبتها كلمة الدكتور باسم القاسم عن اللجنة العلمية للمهرجان والتي تعرض فيها بالتحليل والنقد لشعر الشاعر المحتفى به.
وقامت فرقة الرقة للفنون الشعبية بتقديم عرض مبهر أمتع الجماهير وعرفت أنها تشارك في كل المهرجانات الدولية، وأنها حازت على جوائز كثيرة واختتم الافتتاح مطرب الرقة الشعبي إبراهيم الأخرس الذي غنى على ربابته بعض الأغاني التراثية .
وقُسمت الأمسيات الشعرية إلى قسمين قسم في مسرح الثقافة، والقسم الآخر في مدينة الثورة، على بعد كبير من مدينة الرقة، وكان الجمهور ذواقة ومشجعا على إنشاد الشعر، أغلبه من أهل المدينة وطلبة الجامعات والمثقفين الذين اكتظت بهم القاعة التي تتسع لأكثر من ألفي شخص يشجعون شاعرا بالتصفيق المتواصل ويؤدبون شاعرا بالانسحاب في هدوء من القاعة هربا من رداءة ما يسمعونه، فلم يكن الشعر والشعراء على مستوى الحدث وجاءت أغلب القصائد عادية وخطابية ومصنوعة حتى أن الناس تساءلت من الذي أتى بهؤلاء الشاعرات والشعراء إلى هنا ماداموا في بداية الطريق أو لم يتجاوزوا ماقدموه منذ عشرات السنين، وإن كنا لا ننكر وجود شعراء جيدين أمتعوا الجماهير مثل محمد علي شمس الدين من لبنان، ويوسف عبدالعزيز من الأردن، وأحمد الزهراني من السعودية، وميسون صقر من الإمارات، ومحمد آدم من مصر، وصالح قادر بو من ليبيا، بالإضافة إلى نزار بريك هنيدي، وأحمد رشاد، وإبراهيم الزيدي، وياسر الاطرش، وصقر عليشي، وأحمد الحافظ من سورية.
إلا أن العديد من شعراء سوريا لم يتمكنوا من المشاركة، ففي سهراتنا الخارجية وداخل الفندق استمعت إلى أصوات متميزة مثل الشاعر ياسر الخطاب الذي أحسست أنه يقدم القصيدة الحداثية الطازجة الخارجة توا من فرن الإبداع، رغم عدم تمرسه في الكتابة كما يقول، وأنه لم يبدأ في معاقرة القصيدة إلا منذذ عامين فقط.
كذلك التقيت بالشاعر الشعبي الشاب ممدوح السعيد - أبو طلال - الذي يكتب مربعات شعبية ومواويل تشبه إلى حد كبير ما نطلق عليه في صعيد مصر فن الواو، وهو شاعر كبير بكل المقاييس، وكذلك الشاعر عبدالرحمن مبروك الملقب بجرير، وهو يكتب القصيدة العمودية الجميلة، والناقد الشاعر القاص فيصل عمر عيدان طبيب الأسنان الذي يفتح صالون عيادته في الرقة لتصبح صالونا أدبيا حافلا، وكذلك محمد الناصر صاحب موقع اليراع الإلكتروني الذي يشيع أنه وراء دعوتي إلى هنا، وكذلك الشاعر ياسر الأطرش الذي لم يقدم كل ماعنده في الأمسية، وهو أحد الفائزين الـ 35 في مسابقة "أمير الشعراء"، وواحد من المطلوبين في كل مهرجانات العرب لدرجة أنهم أرسلوا له - كما قال - سيارة خاصة من الأردن لتصحبه من أمام بيته فى إدلب وتعود به إلى عمان بعد الأمسية.
كانت الندوات النقدية الصباحية والمسائية هي الإنجاز الحقيقي لهذا المهرجان، وقد كانت الندوات الصباحية تمتد إلى ما بعد العصر، والمسائية تنتهى في الثانية بعد منتصف الليل. وشهدت هذه الندوات مداخلات كثيرة من جانب جمهور الرقة المثقف ومن جانب الشعراء مما جعلها حامية الوطيس دائما ملتهبة أبدا فقد ضمت كوكبة من النقاد السوريين مثل د. عاطف البطرس، ود. جمال خضور، ود. وفيق سليطين، ود. هايل الطالب. وأثار بحث د. غسان غنيم جدلا كبيرا بين الحضور حين تحدث عن الشعر السورى الحديث، فمنح أولية كبيرة للبعد السيسيولوجي في رصد الانعطافات الشعرية.
ورغم أننا لا يمكننا سوى الاعتراف بدور هذا البعد، إلا أن ثمة عوامل تلعب هذا الدور، كالمثاقفة وطاقة الذات، فضلاً عن أن الانعطافات التي يجب أن ترصد من داخل النصوص. وهناك ملاحظة أخرى متعلقة بالبعد اللغوي في النصوص الشعرية المعاصرة، فقد أشار إلى بعض النماذج التي تكشف عن انقسام لغوي.
وتحدث الدكتور هايل الطالب عن الحب في الشعر السوري بين أنوثة الرجل وذكورة المرأة، وفيه تناول أنماط هذا الخطاب لغوياً وفنياً، مع تعزيزه بدراسة مقارنة بين هذين الخطابين، في محاولة لرصد قيمه الفنية والجمالية مبيناً أن خطاب الشاعرات غلب عليه الطابع الثقافي الاجتماعي، بخلاف خطاب الشعراء الذكور الذي أنتج تحولات مختلفة في الشعر.
لم ينس المشرفون على المهرجان أن يطلعوا المشاركين على معالم الرقة مثل نهر الفرات العذب الجميل الذى لم يتلوث ماؤه بعد وأظنه لن يتلوث، لأن أصحابه يقدرونه ويضعونه في أعينهم وسد الفرات وقصر الرشيد وبوابة بغداد التي كان يدخل منها هارون الرشيد إلى عاصمة الخلافة، ويعود منها إلى منتجعه الجميل الرقة ابنته المفضلة من بين كل بناته من المدن والبلدان وقيل إن الطريق من الرقة إلى بغداد كان مظللا بالأشجار، وفي الرقة أيضا بقايا سور المدينة ومقام الصحابي الجليل عمار بن ياسر الذي أقامته الحكومة الإيرانية هناك على مساحة شاسعة فأصبح هو والمسجد تحفة معمارية نادرة، وهنا لا بد أن أشكر صديقيَّ ياسر خطاب وممدوح السعيد اللذين تجولا بي في هذه الأماكن بعيدا عن الوفود المشاركة.
ويبقى دور التنظيم والإعداد الذي كان عظيما ومنسقا. كل فرد من اللجنة المنظمة كان له الدور المحدد له، فلم تبخل اللجنة التوثيقية والإعلامية التي ضمت الشاعر محمد هاشم الالوسي، وياسر الخطيب، وشيرين زائل، وعبدو محي الدين، عن توفير أي شىء يطلبه المشاركون من صور ووثائق ومواد علمية وكانت أشرطة التسجيل والسيديهات في يد كل مشارك والتي تحتوي على كل وقائع المهرجان من حفل افتتاح إلى حفل الختام علاوة على الأمسيات الشعرية والجلسات النقدية وتسلم كل مشارك شهادة تقدير من محافظ الرقة في إطار جميل ومبتكر.
أما صديقي الروائي والقاص ماجد عويد فلم أشبع منه أبدا، فقد كان كالزئبق لا أستطيع الإمساك به، لكن لصديقي حسان مدير مكتب مدير المديرية معزَّة ومكانة غالية في نفسي فقد كان حريصا على راحة كل الشعراء وكان بالنسبة لي فاكهة المهرجان.
بقي أن أقول إن جمهور الرقة يتابع باهتمام بالغ كل الأنشطة الثقافية والأدبية في مصر، وأنهم يقتنون الصحف المصرية أولا بأول لدرجة أنني بحثت عن جريدة "أخبار الأدب" يوم وصولها إلى هناك فلم أجدها فقد نفدت بسرعة، وقد كانوا في انتظار القاص والروائي المفضل لديهم عزت القمحاوي، إلا أنه اعتذر في اللحظات الأخيرة وتساءلوا عن ياسر عبدالحافظ وعلموا أنه في الكويت.
وهكذا انتهت أيام الشعر والرقة، فسلام على الرقة وسلام على الفرات. عزت الطيري ـ مصر ezzateltairy@yahoo.com