أيامٌ في قرطبة، وساعتان في الزهراء

بقلم: أحمد فضل شبلول
الزهراء التي شيدها الخليفة عبدالرحمن الناصر

لم تكن أيامنا في قرطبة، كلها جلسات وندوات وأمسيات شعرية فحسب، ولكن كانت هناك فرص للتجوال في شوارع المدينة الخضراء الهادئة النظيفة اللامعة، وداخل بعض محلاتها الكبيرة التي كانت أسعار منتجاتها مرتفعة بعض الشيء، وخاصة بعد تطبيق العملة الموحدة لدول الاتحاد الأوربي (اليورو).
وقد عرفنا الطريق إلى شوارع وأسوار قرطبة القديمة الأندلسية، بمعاونة كل من د. نجوى محرز، ود. نادية جمال الدين المتخصصتين في الأدب الإسباني، وأدب أمريكا اللاتينية، والأخيرة تخصصت في أعمال أكتافيو باث، ونالت عنها درجتي الماجستير والدكتوراه، وترجمت كتابه الشهير "متاهة الوحدة" إلى اللغة العربية، بالإضافة إلى أعمال أخرى.
اجتزنا إحدى البوابات القرطبية، ومشينا في الشوارع القديمة، وشاهدنا العمارة الأندلسية، بمنمنماتها وزخارفها ونقوشها الإسلامية، وحسنًا أن احتفظ الإسبان بالطابع الإسلامي لهذه العمارة، على الأقل لجذب مزيد من السواح لرؤيتها وأخذ الصور الفوتوغرافية بجانبها، فهي تختلف عن العمارة الأوربية الحديثة في الروح، وفي كثير من التفاصيل.
أخيرا وصلنا إلى جامع قرطبة الشهير، الذي بني في القرن الثامن الميلادي، والمرفوع على ثلاثمائة عمود، ويتسع لحوالي ثمانين ألف مصل، وبه زخارف ونقوش وفسيفساء إسلامية الطابع، ويقال إنه أكبر جامع في أوربا كلها، إن لم يكن في العالم كله، ولكن قلت لصاحب المعلومة، إن المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، بعد توسعة خادم الحرمين الشريفين الأخيرة، يعدان من أكبر مساجد العالم اليوم. ولكن ليست هذه القضية، فرُبَّ مسجد صغير في قرية صغيرة يقوم بشعائره الإسلامية على الوجه المطلوب، أكثر من مساجد كبرى لا تؤدي واجبها على النحو اللائق إسلاميا.
وربما كان يقصد محدثي أن مسجد قرطبة كان الأكبر في العالم القديم، أو في العصور الوسطى. حزن وهلع في جامع قرطبة أصابني الحزن والهلع عندما دخلت جامع قرطبة بعد أداء رسوم الدخول المقررة، وقدرها ثلاثة يورو، فقد مُنعت إقامة الشعائر الإسلامية داخل المسجد، بينما وجدت كاتدرائية كاملة بالداخل يصلي بها بعض المسيحيين (حيث تحول جزء من المسجد إلى كاتدرائية عام 1238م) ونُزعت بعض الآيات القرآنية من على جدران المسجد، والعمل يتم على قدم وساق لإزالة آثار المنبر، وأُغلقت بعض مناطق المسجد، لإعادة الترميم التي تعني إزالة بعض المظاهر أو المعالم الإسلامية.
لقد تخلَّى مسجد قرطبة عن سمته الإسلامي، لتحل محله الرموز والصور والأيقونات المسيحية، ناهيك عن مئذنة المسجد التي اعتلاها الصليب، وأسفله أقيمت بعض التماثيل الملائكية.
قد يكون الهدف من وراء ذلك إثبات أن المكان يتسع لإقامة شعائر الديانتين معًا الإسلام والمسيحية، على اعتبار أن دولة الأندلس القديمة قامت على هذا التعايش والتسامح والتعددية بين الديانات الثلاثة الإسلام والمسيحية واليهودية، كما أكد بعض الباحثين ذلك في ندوات دورة ابن زيدون التي نظمتها مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، بالتعاون مع جامعة قرطبة خلال الفترة من 4 ـ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2004. ولكن أن تُمنع إقامة صلاة المسلمين داخل هذا المسجد، فهو أمر يُبعث على الخوف والشك معا، وعلى أن شعار التعددية والتسامح والحوار، وما يشابه هذه الشعارات، ليس له تطبيق على أرض الواقع.
وقد لاحظ بعض زملاء الزيارة أن بعض المرشدين السياحيين من الإسبان يدلون بمعلومات خاطئة ومشوهة عن الإسلام والمسلمين الذين فتحوا الأندلس، للأفواج السياحية الأجنبية التي تزور المسجد، ولابد من وقفة لتصحيح الأمر.
لقد تجولنا في كل أنحاء المسجد، وتذكرت على الفور تجوالنا في العام الماضي، بداخل مركز أو متحف آيا صوفيا (بيت الحكمة المقدسة) باستانبول الذي كان كنيسة ثم تحول إلى مسجد عندما دخل محمد الفاتح القسطنطينية عام 1453م، ثم تحول إلى مركز أو متحف يجمع بين مظاهر الديانتين معا، في عصر كمال أتاتورك، وحتى الآن، ولكن الأمر مختلف في جامع قرطبة، الذي لم يتحول اسمه بعد إلى مركز أو متحف، وإن كانت كل الدلائل العملية تشير إلى أنه في سبيله إلى ذلك، غير أن كلمة وزيرة الثقافة وممثلة الحكومة الإسبانية كارمن كالفو أشارت في حفل افتتاح دورة ابن زيدون إلى المسجد باعتباره مسجدا، وليس متحفا أو مركزا كمركز آيا صوفيا، فقالت في كلمتها: "إن وشم تاريخنا تعبر عنه متاحفنا وأحياؤنا وآثارنا ومسجدنا ومدينتنا الزهراء .."، ولكن حقيقة فوجئت أن كلام وزيرة الثقافة في واد، وما يتم على أرض الواقع الإسباني أو القرطبي في واد آخر. وهذا ما شعر به زملاء الزيارة د. نجوى محرز، ود. عبد الرزاق حسين، ود. محمد مصطفى أبو شوارب، والكاتب الصحفي مصطفى عبد الله، والشاعر السعودي أحمد العمير، وغيرهم. جامع قرطبة: موطن عبادة ومجمع سياسة وندوة علوم تقول كتب التاريخ عن قرطبة، أنها درة الأندلس وإحدى حواضر العالم المعروف في القرون الوسطى، افتن العرب في تشييدها وعمرانها، فناهزت قصورها ستين ألف قصر، وحماماتها سبعمائة حمام، ومساجدها 160 مسجدا (أين هي الآن؟)، وقارب سكانها المليون، ولم تكن مدينة بأوربا يأوي إليها زمن ازدهار قرطبة أكثر من خمسين ألفا.
وقد اشتهرت قرطبة بمسجدها الجامع حيث كان موطن عبادة ومجمع سياسة وندوة علوم، وكان يتسع لثمانين ألف مصل، وقد أفاض المؤرخون في وصف قرطبة وضواحيها ومساجدها ومنتزهاتها وقنواتها وجسورها بما يبهر الخيال.
ولابن زيدون أبيات تشع بالحنين والحب لقرطبة يقول فيها بعد هروبه منها:
أَقُرْطُبةُ الغَرَّاءُ! هل فيكِ مَطْمعُ؟
وهل كَبدٌ حرَّى لبَيْنِكِ تُنْقَعُ؟
وهل للياليكِ الحميدةِ مَرْجِعُ
إذِ الحسنُ مرأًى ـ فيكِ ـ واللهوُ مَسْمَعُ
وإذْ كَنَفُ الدنيا ـ لديكِ ـ مُوَطَّأُ
وفي قصيدة بعنوان "ليالي قرطبة" يقول:
سَقَى جنباتِ القصرِ صَوبُ الغمائمِ
وغنَّى على الأغصانِ وُرقُ الحمائمِ
(بقرطُبةَ) الغرَّاءِ دارِ الإكارمِ
بلادٌ بها عقَّ الشبابُ تمائمي
وأنجبني قومٌ ـ هناكَ ـ كرامُ
لكن الشاعر المعاصر عبد المنعم الأنصاري، يقول عن قرطبة، بعد حوالي ألف سنة مما قاله ابن زيدون:
رأيتُ قرطبةً بالقارِ تغتسلُ
رأيتُ أهدابَها بالذُّلِّ تكتحلُ
رأيتُها تحت أمطارِ الظلامِ وفي
عيونِها رغبةٌ خضراءُ تشتعلُ
وتدلنا الموسوعة العربية الميسرة أن هناك مدينتين أخريين تحملان اسم قرطبة، الأولى بالمكسيك وتأسست عام 1618، وفيها وقعت معاهدة استقلال المكسيك عن إسبانيا عام 1821، والأخرى عاصمة إقليم قرطبة بوسط الأرجنتين، وبها جامعة تأسست عام 1613. ويبدو أن احتلال إسبانيا لبعض بلاد أمريكا اللاتينية، أو أمريكا الجنوبية، ألقى بظلاله الكثيفة، فسادت اللغة الإسبانية في تلك المناطق، وأطلقت أسماء المدن الأندلسية على بعض النواحي بتلك البلاد. ساعتان في مدينة الزهراء ولأننا لم نجد وقتا لزيارة غرناطة التي تبعد عن قرطبة حوالي ساعتين، ولم نتمكن بالتالي من مشاهدة قصر الحمراء، لضيق الوقت، فقد نظمت لنا مؤسسة البابطين زيارة سريعة إلى مدينة الزهراء المتاخمة لمدينة قرطبة أو المجاورة لها من ناحية الغرب، والتي قررت الحكومة الإقليمية الأندلسية في 6/6/1989 اعتبارها منطقة آثار ذات أهمية تاريخية بناء على قرارها رقم 621/1989. ذلك أن خليفة الأندلس عبد الرحمن الثالث (عبد الرحمن الناصر) شرع في عام 936م في بناء مدينة على سفوح جبال "سييرا مورينا" ليتخذها مركزا يمثل الخلافة الجديدة. وتشير مصادر التاريخ الإسلامية إلى أن عدد العمال الذين اشتركوا في بناء وتشييد هذه المدينة وصل إلى عشرة آلاف، كانوا يضعون يوميا حوالي ستة آلاف حجر منحوت، ويستخدمون قرابة أربعمائة حمولة من الجبس والجير، وألف وخمسمائة دابة لنقل خامات ومعدات البناء.
ولعل جامع مدينة الزهراء كان هو الأسبق في الافتتاح، قبل انتهاء الأعمال في بقية المدينة، حيث افتتح الجامع عام 941 م، بينما لم ينتقل الخليفة ومؤسسات الحكم المختلفة لها إلا في عام 945م. وعلى الرغم من ذلك فقد كانت الاتصالات بين مدينة الزهراء وقرطبة تجري عن طريق شبكة طرق تربط بينهما، استطاع علماء الآثار أن يحددوا طريقين منها، وهما: الطريق الذي كان يقود إلى قصر الخلافة من ناحية الشمال، والطريق الآخر من الناحية الجنوبية، وكان يتوغل في المدينة.
يقول علي عبد العظيم محقق وشارح ديوان ابن زيدون عن مدينة الزهراء: "الزهراء ضاحية من ضواحي قرطبة، أنشأها الخليفة الناصر بسفح جبل العروس تخليدا لذكرى محظية له، وسماها باسمها، ورصد لتشييدها ثلث جباية الدولة، وكانت تلك الجباية تناهز 40 ألف ألف دينار (أي 40 مليون دينار) واستمر في بنائها عشرات الأعوام، وجلب إليها الرخام ومهرة الصناع من القسطنطينية، فجاءت آية من آيات العمارة في القرون الوسطى".
ولكن لم تستمر مدينة الزهراء في أداء رسالتها الجمالية والوظيفية الشامخة، سوى خمسة وسبعين عاما فقط، حيث طالتها يد الهدم والتخريب نتيجة الحروب التي أطاحت بالخلافة الأموية بالأندلس، وأدت إلى سقوط مدينة الزهراء في ظلام النسيان والتجاهل أكثر من ألف سنة. ومع أعمال الحفر والتنقيب، كان ما يُعاد اكتشافه منها يُظن أنه من آثار قرطبة القديمة، إلى أن كشفت أعمال بعض الحفريات في عام 1911 أن ما يكتشف من أحجار وطرق في هذه المنطقة، لا ينتمي إلى قرطبة القديمة، وإنما هو مدينة الزهراء تعلن عن نفسها بقوة، بعد أن كان الظن أن الزهراء مدينة أسطورية لا وجود حقيقيا لها على الأرض الأندلسية.
لقد رأينا المدينة تمتد على ثلاثة سفوح، بالسفح الأعلى يوجد القصر، حيث كان يقيم الخليفة، وأهم رجال الدولة من وزراء وإداريين إلى جانب مباني أخرى خاصة بالشئون العسكرية، ويمثل هذا الجزء بالإضافة إلى الجامع ما كشفت عنه عمليات الحفر والتنقيب حتى الآن.
أما في السفح الأوسط فتوجد الحدائق والبساتين، وفي السفح الأسفل يوجد ما يمثل المدينة ومساكنها وبناياتها.
ويلاحظ وجود مجموعة رائعة من الأقواس تمثل واجهة رواق الأعمدة التي تميزت بها تلك المدينة القديمة، والتي تتشابه مع أقواس أعمدة مسجد قرطبة إلى حد كبير. وقد اتخذت جامعة قرطبة من تلك الأقواس الحمراء شعارا مرسوما لها.
عدنا ـ بعد تجوالنا ـ من مدينة الزهراء، نردد أبيات ابن زيدون الشهيرة في حبيبته ولادة، والتي كتبها بعد فراره من قرطبة:
إني ذكرتُكِ (بالزهراءِ) مُشتاقا
والأفقُ طلقٌ ومرأى الأرضِ قد راقا
وللنسيمِ اعتلالٌ ـ في أصائلهِ ـ
كأنه رَقَّ لي، فاعتلَّ إشْفاقا
والروضُ ـ عن مائِهِ الفضيِّ ـ مبتسمٌ
كما شقَقْتَ ـ عن اللَّبَّاتِ ـ أطواقا
نلهو بما يستميلُ العينَ من زَهَرٍ
جال النَّدى فيه، حتَّى مالَ أعناقا
ويقول في موضع آخر عن الزهراء:
ويا حبَّذا (الزهراءُ) بهجةَ منظرِ
ورقَّةَ أنفاسٍ، وصِحَّةَ جوهرِ
وناهيك من مبدَا جَمالٍ ومَحْضَرِ
وجَنَّةِ عدْنٍ تَطَّبِيكَ وكَوْثرِ
بمرأى يزيدُ العمرَ ـ طيبًا ـ ويأنسُ أحمد فضل شبلول ـ قرطبة